هاجس أوباما - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:15 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

هاجس أوباما

نشر فى : الأربعاء 10 يونيو 2009 - 5:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 10 يونيو 2009 - 5:55 م

 حاولت الفكاك من إسار الكتابة عن أوباما قبل مجيئه للقاهرة ونجحت. كان رأيى أن المحاولات المضنية التى بذلها الكثيرون سعيا وراء التنبؤ بخطابه المرتقب لا معنى لها، وكذلك الرسائل العديدة التى بعث بها عبر أجهزة الإعلام مفكرون ومثقفون لهم وزنهم فى الوطن العربى، مادام ذلك كله لن يؤثر على فحوى الخطاب الذى كانت تفصلنا عنه لحظات قليلة فى عمر الزمن، وتخيلت أننى قد أفلت نهائيا من الكتابة عن الرجل إذا جاء خطابه عاديا لا يستحق التوقف عنده. غير أن الخطاب صيغ على نحو لا يمكن تجاهله، وولد من ردود الفعل ما يستحق التعليق عليه، وفجر من ناحية أخرى طوفانا من التحليلات والتعليقات إلى الحد الذى يصبح المرء محاصرا فيه بين هاجسين أولهما الرغبة فى المشاركة فى هذا الحوار الواسع حول سياسة الدولة العظمى فى العالم تجاهنا، والثانى الخوف من التكرار أو العجز عن إضافة الجديد خاصة بعد أن قال «الأستاذ» ــ بكل ثقله العربى والعالمى كمفكر استراتيجى من الطراز الأول ــ كلمته فى الخطاب على صفحات «الشروق»، غير أن هاجس المشاركة انتصر فى النهاية.

فى البداية يجب أن أعترف أننى دهشت كثيرا بل وأصابنى قدر غير يسير من القلق من المنهج الذى تعامل به كثيرون مع خطاب أوباما، وهو ذلك النهج «المطلق» الذى لا يرى فى الخطاب إلا الخير بأكمل معانيه أو سوء النية والطابع التمثيلى وحملة العلاقات العامة إن لم يكن التآمر. ومثل هذا النهج قد يصلح فى صراع فكرى، أو لضيوف برنامج «الاتجاه المعاكس» فى قناة الجزيرة، لكنه بالتأكيد لا يصلح لرسم السياسات تجاه أى دولة، ناهيك عن أن تكون القوة العظمى الأولى فى العالم، ففى ظله تغيب التفاصيل المهمة لموقف الرئيس الأمريكى من قضايا وردت فى الخطاب، وتغيب مع هذه التفاصيل إمكانية استغلال الفرص التى يتيحها والتحسب للمحاذير التى ينطوى عليها.

كذلك فات الرافضون على نحو مطلق لخطاب أوباما، ومعظمهم من أصحاب المواقف المحترمة من قضايا الوطن والأمة، أن الخطاب جاء بمثابة إشهار إفلاس رسمى لسياسة عانت الأمة العربية ويلاتها لثمانى سنوات متصلة، وعجز النظام العربى الرسمى عن التصدى لها، فيما اضطلعت بهذه المهمة قوى مقاومة فى العراق ولبنان وفلسطين أدخلت السياسة الأمريكية فى مأزق حقيقى اعتبارا من 2006 بصفة خاصة، حينما بدا انعكاس الأزمة واضحا فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى، بل وكان هذا المأزق دون شك واحدا من العوامل المهمة التى بنى عليها أوباما حملته الرئاسية الناجحة فى مواجهة خصمه الذى كان بصفة عامة امتدادا لسياسات جورج بوش الابن، وبالتالى يجب أن يكون واضحا أن قوى المقاومة العربية للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة (2001 ــ 2008) صاحبة نصيب وافر فى التغيير الذى وقع فى «الخطاب» الرئاسى الأمريكى. أما قضية انعكاس ما تضمنه الخطاب من نقاط إيجابية فى الواقع العملى للسياسة الأمريكية فهذه مسئوليتنا قبل أن تكون مسئولية أوباما، فكما ضغطت المقاومة على العصب الحساس لهذه السياسة فى عهد بوش الابن يتعين استمرار هذا الضغط بوسيلة أو بأخرى فى العهد الحالى لأن أوباما ليس «عمرو موسى» لكى نتوقع منه أن يخرج علينا بمواقف متكاملة وفعالة تنتصر للقضايا العربية.

أما عن الخطاب ذاته فأعتقد أنه من الضرورى الالتفات إلى تناقض داخلى فى بنيته بين جزئه «الحضارى الثقافى» إذا جاز التعبير، والذى حاول أوباما أن يؤسس فيه لعلاقة جديدة بين الولايات المتحدة والإسلام، وجزئه السياسى الذى عرض فيه الموقف الرسمى الأمريكى من بعض القضايا ذات الأولوية فى المنطقة. فى الجزء الأول أحسب أن هذه هى المرة الأولى التى يتحدث فيها مسئول غربى رفيع المستوى عن الإسلام على هذا النحو: دوره فى بناء الحضارة الغربية الراهنة، ودور المسلمين فى بناء الولايات المتحدة ذاتها، ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة مع الإسلام فى الدفاع عن مواقف معينة (كما اتضح فى استشهاده المتكرر بالآيات القرآنية). وثمة احتمال أن يكون أوباما بحكم خبرته الذاتية مقتنعا بما يقول، لكن التخطيط السياسى يفضل الحذر، ومن هنا التخوف الواجب من طابع «العلاقات العامة» الذى ربما يكون هذا الجزء الممتاز صياغة من الخطاب قد انطلق منه، غير أن المسئولية الأولى تبقى مسئوليتنا نحن فى الاستفادة من «الفرص» التى أتاحها هذا الجزء من خطاب أوباما، والذى أحسب أنه فى حد ذاته يساعد على تحسين صورة الإسلام والمسلمين فى الولايات المتحدة وغيرها، فالخطاب الذى ينطوى على احترام معلن للإسلام والمسلمين قد قيل وانتهى الأمر، ولذلك فإن كل المقتنعين «بظاهرة» أوباما فى جميع أنحاء العالم يمكن أن يتأثروا به، حتى وإن كان قد قال ما قاله على سبيل العلاقات العامة، ولذلك يمكن القول بأن أوباما فى هذا الجزء قد ألقى الكرة بقصد أو بغير قصد فى ملعب المسلمين.

لكن هذا الجزء الإيجابى من خطاب أوباما بدا منبت الصلة بجزئه السياسى العملى، بمعنى أن المواقف الأمريكية من أهم قضايانا ظلت على حالها دون أدنى تغيير، أو على الأقل كانت معروفة قبل الخطاب، وقد يرى البعض أن الانفصام بين ما هو ثقافى وما هو سياسى فى هذا الخطاب طبيعى، وهو رأى أختلف معه، وأذكر أن أوباما فى الخطاب ذاته لم يجد فى تبريره للعلاقة التى لا تنفصم بين الولايات المتحدة وإسرائيل حجة أقوى من «الميراث الثقافى المشترك» وهى حجة خطيرة بكل المعايير، حيث لا يوجد مشترك ثقافى حقيقى بين البلدين أقوى من طريقة نشأتهما، بل إن الأخطر من ذلك أن الحالة الوحيدة التى تغلغل فيها «الثقافى ــ الدينى» إلى ساحة «السياسى» كانت من أسوأ فقرات الخطاب، وهى القدس، حيث لجأ أوباما إلى الدين فى غير موضعه، وحاول أن يلبس الأمر رداء إسلاميا بالإشارة غير الدقيقة إلى الإسراء بمحمد عليه الصلاة والسلام، فحل قضية القدس عنده يتمثل فى أن تصبح «مكانا للسلام» و«وطنا دائما لليهود والمسيحيين والمسلمين»، ومكانا «يستطيع فيه جميع أبناء إبراهيم أن يعيشوا فى سلام» كما جاء فى قصة الإسراء حسب فهم أوباما لها، وبغض النظر عن هذا الاستشهاد فى غير موضعه فإن كلام أوباما السابق لا يعنى أى شىء. ففى السياسة ولغتها ليس هناك مصير للقدس سوى أربعة: إما أن تصبح العاصمة الأبدية الموحدة لدولة إسرائيل، وإما أن تنقسم إلى جزأين بحيث تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة، وإما أن تكون كيانا دوليا بموجب قرار التقسيم فى 1947، وإما أن تكون موحدة تحت السيطرة الفلسطينية بعد تصفية الطابع الصهيونى لدولة إسرائيل، وفى كل هذه السيناريوهات الأربعة للمستقبل يمكن أن يعيش اليهود والمسيحيون والمسلمون فى القدس كوطن دائم لهم، وفيها كلها أيضا يمكنهم أن يُصَلّوا سويا، فعن أى شىء يتحدث أوباما إذن؟

وواقع الأمر أن موقفه من القدس لم يكن سوى جزء من موقفه تجاه الصراع العربى ــ الإسرائيلى (الذى سماه وضعا) والذى لم يأت بأى جديد لا فى سياسة أوباما خاصة ولا فى السياسة الأمريكية كما تبلورت فى عهد سلفه بغض النظر عن اعتراف أوباما بمأساة تشريد الشعب الفلسطينى، ومعاناته من إهانة الاحتلال ومذلته، ورفضه استمرار المأساة الإنسانية فى غزة، وقوله إن الولايات المتحدة «لن تدير ظهرها للفلسطينيين»، فكل هذه أمور طيبة، لكنها لا تعنى شيئا محددا بلغة السياسة العملية، وحتى حل الدولتين ورفض استمرار الاستيطان الإسرائيلى اللذين يتمسك بهما أوباما يمثلان جوهر السياسة الأمريكية فى عهد جورج بوش الابن، وكلاهما غامض للغاية، فلا حل الدولتين يضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ولا الموقف من الاستيطان يضمن تفكيك المستوطنات القائمة.

بالإضافة إلى ما سبق لم يتحدث أوباما عن حماس كحركة إرهابية، واعترف بأن لها «بعض التأييد من بعض الشعب الفلسطينى»، وهو تكييف غريب لحركة فازت بالأغلبية فى انتخابات تشريعية نظيفة. لكنه بالمقابل اعترف بمشروعية نشأة دولة إسرائيل على خلفية العداء للسامية والمذابح التى تعرض لها اليهود فى أوروبا، وأكد على متانة العلاقات الأمريكية ــ الإسرائيلية كما سبقت الإشارة، وطالب المقاومة الفلسطينية بالتخلى عن العنف ضد إسرائيل، مؤكدا أن حصول السود فى الولايات المتحدة على حقوقهم وتقويض النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا قد تم من خلال نضال مدنى، وهو حكم تنقصه الدقة لأن الحرب الأهلية الأمريكية كانت فى أحد أبعادها جزءا من مسيرة السود نحو التمتع بحقوقهم الإنسانية، كما أن النضال المسلح عرف طريقه إلى تجربة شعب جنوب أفريقيا فى تصفية النظام العنصرى، فضلا عن أن وقف العنف لا يمكن أن يكون دعوة منفردة للمقاومة الفلسطينية، وإنما يجب أن توجه النصيحة ذاتها إلى إسرائيل صاحبة السجل الذى لا يبارى فى استخدام العنف الجامح ضد الفلسطينيين، وأخيرا وليس آخر فقد وصف المبادرة العربية بأنها بداية مهمة ولكنها ليست نهاية مسئوليات الدول العربية، وهى عبارة تحمل رائحة التطبيع مع إسرائيل السابق على التوصل إلى السلام.

يبقى عدد من القضايا ذات الطابع الاستراتيجى يتعين مناقشتها فى هذا الخطاب المهم، وقد تسنح الظروف لاحقا للحديث عنه، إلا أن يمتد طوفان ردود الفعل لخطاب أوباما ليشمل هذه القضايا فيصبح تكرار الحديث عنها غير ذى موضوع.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية