تعودنا من الخبرة الماضية التى تراكمت عن السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط وتحديداً إزاء الصراع العربى ـ الإسرائيلى على الانحياز الفج إلى إسرائيل، والدعم المطلق لها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وقد أتى على العرب حين من الدهر كانوا يضيعون مع اقتراب أية انتخابات رئاسية أمريكية أسابيع وشهوراً فى جدل حول المرشحين لمنصب الرئيس، وأيهم أكثر جدوى بالنسبة للمصالح العربية، ويحاولون أن يضعوا معايير موضوعية يهتدون بها فى مناقشاتهم، فالجمهورى أفضل من الديمقراطى أخذاً بالسوابق، والرئيس المرشح لولاية ثانية أفضل من المرشح للمرة الأولى لأن الأول سوف يكون غير مثقل بأعباء إعادة انتخابه، فيتحرر من الضغوط الصهيونية وغيرها، فيما يحتاج الثانى إن فاز إلى دعم اللوبى الصهيونى لتعظيم فرصه فى ولاية ثانية، وهكذا.. وبالتدريج أيقن العرب أن ثمة سياسة أمريكية واضحة ترسم بناءً على مصالح محددة لا شأن لها بالجمهوريين أو الديمقراطيين من ناحية، ولا تفرق من ناحية ثانية بين المستجدين أو ذوى الولاية الأولى، وإن وجدت فروق فهى فى «حلاوة اللسان» أو «نعومة التكتيكات» دون أى شىء آخر، وقد بات الكافة مقتنعين إذن بأن التغيير فى شخص الجالس فى البيت الأبيض لا يعنى فى حد ذاته أى شىء بالنسبة لتغيير مماثل فى السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربى ـ الإسرائيلى. وأذكر أننى بادرت طلبتى فى أحد مقررات الدراسات العليا، وهم ينتمون إلى بلدان عربية شتى، بالسؤال صبيحة فوز باراك أوباما التاريخى فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة عما إذا كان هناك من يتفاءل بالرجل كمصدر تغيير محتمل إلى الأفضل فى السياسة الأمريكية، فلم أجد إلا ثلاثة متفائلين من نحو تسعين طالباً، ولم أكن أدرى أن زوال الوهم بإمكان تغيير السياسات بتغيير صانعيها قد بات متجذراً إلى هذا الحد حتى فى أوساط الشباب العربى المتعلم.
وربما كانت الظاهرة التى لم تحظ بتحليل كافٍ تتمثل فى أن النموذج السابق الإشارة إليه فى السياسة الأمريكية تجاه منطقتنا عامة وإسرائيل خاصة لا يمكن أن يكون نموذجاً ساكناً. صحيح أن الرئيس ونخبته يكونون متحيزين بالكامل لإسرائيل، لكن هذا وحده ليس كافياً لتحقيق المصالح الأمريكية، والاطمئنان إلى رسوخها، فقد يتجاوز السلوك الإسرائيلى كل الحدود فى عدوانيته على النحو الذى يضع الإدارة الأمريكية فى مأزق أخلاقى وسياسى، كما حدث على سبيل المثال فى العدوان الإسرائيلى على لبنان فى 1982 و2006 وعلى غزة فى أواخر 2008 ومطلع 2009، وقد يؤدى الوضع المنطوى على إجحاف بيِّن بمصالح أحد طرفى الصراع إلى انفجارات لا تحمد عقباها من وقت لآخر من شأنها أن تصيب المصالح الأمريكية فى المنطقة بالضرر، كما فى موجة خطف الطائرات واستهداف الإسرائيليين ومنشآتهم خارج إسرائيل فى سبعينيات القرن الماضى بصفة خاصة، وقد يشعر الرئيس الأمريكى ونخبته بالتدريج بالتعنت البالغ من قبل إسرائيل إزاء أبسط حقوق الفلسطينيين والعرب، كما فى خبرة أكثر من إدارة أمريكية مع حكومات إسرائيلية يمينية متشددة.
وفى هذا السياق تطرح فكرة إدخال تعديل ما على النموذج السابق الإشارة إليه للسياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل، بحيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى الاضطلاع بدور «الوسيط النزيه»، وهو ما يقتضى منها القيام بمبادرات عادة ما تغضب الإسرائيليين، فيغرسون فى هذه المبادرات أنياب اللوبى الصهيونى الشرس فى الولايات المتحدة، الأمر الذى يربك حسابات الإدارة الأمريكية فيضطرها إما إلى التراجع وفقد هيبتها ومصداقيتها، وإما إلى الادعاء بأن إسرائيل قد فعلت ما يتعين عليها أن تفعله، لكن العرب هم الذين لا يريدون الوفاء بنصيبهم من متطلبات التسوية ولذلك فإن مستقبل التسوية وفقاً للإدارة الأمريكية يكون رهناً بتحركات (أى تنازلات) عربية جديدة.
ها هو الرئيس الأمريكى جيمى كارتر على سبيل المثال ـ الذى نذكر له عودته إلى الحق بعد مغادرته السلطة كما بدا فى جولاته الخارجية وكتاباته ـ يعد ببذل جهده «لتمهيد الطريق أمام مؤتمر جنيف» (حلم التسوية فى ذلك الوقت)، ولكنه يقول إن جهوده قد تصل إلى نقطة «يتحتم فيها على الأطراف مساعدته»، وهو يرسل وزير خارجيته سايروس فانس إلى السادات بهذا المعنى مؤكداً أن هذه المساعدة تتمثل فى قيام الأطراف «بمبادرات» تعطى دفعة لعملية السلام. وها هو الرئيس رونالد ريجان يتقدم بمبادرته الشهيرة فى خضم العدوان الإسرائيلى على لبنان 1982 التى قامت على أساس الخيار الأردنى، وها هو الرئيس جورج بوش الأب يحاول من خلال عقد مؤتمر مدريد 1991 أن يعالج التداعيات الخطيرة المحتملة لبقاء الصراع العربى ـ الإسرائيلى دون حل فيما هبت إدارته لتحرير الكويت فور غزو العراق لها فى 1990، وها هو الرئيس بيل كلينتون يحاول فى ربع الساعة الأخير أن يجد مخرجاً من مأزق التسوية فى كامب ديفيد 2000، وها هو الرئيس جورج بوش الابن يطرح فكرة الدولة الفلسطينية، ويحصل على موافقة مجلس الأمن عليها، ويقدم خارطة الطريق فى 2002، ثم يحاول الخروج من دائرة الفشل فى هذا كله بدعوته إلى انعقاد مؤتمر أنابوليس فى خريف2007، على أساس أن الحل سوف يأتى لا محالة فى 2008 قبل نهاية ولايته، وأخيراً وليس آخراً أطل أوباما علينا بعد ذلك بثوابت السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، مع إبداء التعاطف مع مأساة الشعب الفلسطينى، والترويج لخطة قادمة كان وقف الاستيطان الإسرائيلى مقابل التطبيع العربى بمثابة رأس الرمح فيها.
كيف تصرفت إسرائيل إزاء هذا كله؟ وكيف تصرف العرب؟ أما إسرائيل فقد أطلقت اللوبى الصهيونى وقت اللزوم كالمعتاد لكى يعيد الرؤساء الذين تجاسروا على الانحراف ولو قيد أنملة عن ثوابت السياسة الأمريكية تجاهها إلى صوابهم، وهكذا تحول جهد كارتر من أجل مؤتمر جنيف إلى ضغط غير مباشر على السادات لكى يساعده بمبادرة خارجة عن المألوف، ربما لم يدر بخلد كارتر أن تصل إلى ما وصلت إليه، وابتلع ريجان مبادرته على الفور، وسحب البساط من تحت أقدام جورج بوش الأب ليفرش فى أوسلو حيث أرادت إسرائيل، واستجابت إسرائيل لجهود كلينتون فقدمت تنازلات هزيلة فى كامب ديفيد 2000 مقابل تعهد الفلسطينيين بإنهاء الصراع معها مما أفسد الأمر كله، وضربت فى عهد جورج بوش الابن عرض الحائط بخارطة الطريق ومؤتمر أنابوليس، ناهيك عن مفهومها العبثى للدولة الفلسطينية، وفى غمار هذا كله كانت ـ عندما يشتد الضغط عليها ـ تناور ولا تفاوض.
أما العرب فقد أظهروا دائماً «حسن الخلق»، فاستجاب السادات لرغبة كارتر بزيارة إسرائيل فى 1977، وردت الدول العربية على مبادرة ريجان بالولوج فى طريق التسوية من خلال مبادرة فاس 1982، وسارع العرب إلى مؤتمر مدريد فى 1991 وكلهم أمل فى تسوية ناجزة، وأخلصوا القول والعمل فى كل ما يتعلق بمبادرات الرئيس الذى احتل العراق، ووصم المقاومة بالإرهاب، وأعطى الشرعية للمستوطنات الإسرائيلية، والمبرر لعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وها هم الآن يتعاملون بالإخلاص نفسه مع جهود أوباما الراهنة التى لا توفر لهم سوى وقف مؤقت للاستيطان لا ينسحب على الوحدات التى شرع فى بنائها، ولا يشمل القدس لأنها «منطقة سيادة إسرائيلية»، فيما هم مطالبون بتطبيع مع إسرائيل يضيع ورقتهم الأخيرة. أترانا نبالغ إذن إذا تجاسرنا على القول بأن الدوائر العربية المسئولة عن ملفات الصراع العربى ـ الإسرائيلى لا تعرف شيئاً عن الخبرة الماضية، فإن عرفت لا تستطيع أن توظفها فى فهم الحاضر، وإن فهمت الحاضر وقفت عاجزة أمامه لأنها أسيرة رؤى فى إدارة الصراع مع إسرائيل ثبت بالدليل القاطع على مدار عقود أنها رؤى قاصرة وعاجزة عن أن تفى بالحد الأدنى لمطالبهم المتواضعة؟