دعا الدكتور على السلمى نائب رئيس مجلس الوزراء إلى مؤتمر تحضره الأحزاب والقوى السياسية فى الأول من هذا الشهر بهدف مناقشة وثيقة عن المبادئ الأساسية للدستور، ومعايير تشكيل الجمعية التأسيسية المكلفة بوضعه. رفضت الغالبية العظمى من ممثلى «التيار الإسلامى» حضور المؤتمر باعتباره التفافا على إرادة الشعب كما تجلت فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وأن الحكومة القائمة حكومة تسيير أعمال ليس ثمة أساس انتخابى لها، وبالتالى فإنها غير صاحبة حق أصلا فى مناقشة الموضوعات المهمة التى تتضمنها الوثيقة، ناهيك عن سوء توقيت الدعوة الذى تزامن مع بداية العد التنازلى لإجراء الانتخابات التشريعية، ومن ثم فإن من شأنه أن يسبب ارتباكا شديدا فى المشهد السياسى.
●●●
فى مناقشة الحجج السابقة لا أدرى تحديدا ما هى علاقة الاستفتاء على التعديلات الدستورية بموضوع الوثيقة التى دعا د. السلمى لمناقشتها، كما أن الحكومة ليست وحدها حكومة تسيير أعمال غير منتخبة، وإنما ينسحب الأمر نفسه على المجلس العسكرى أيضا، ويحار المرء بين مطالبتهما باتخاذ خطوات حاسمة فى هذا الاتجاه أو ذاك وإنكار هذا الحق عليهما فى الترتيب لعملية وضع الدستور. أما عن سوء توقيت الدعوة فهو صحيح، لأنه ليس من المعقول أن نباشر النقاش فى موضوع بهذه الأهمية فى خضم عملية الانتخابات التى سوف تسفر عن مجلس شعب جديد يفترض أنه مكلف باختيار الجمعية التأسيسية لوضع الدستور. وظنى أن سوء التوقيت مرده الضعف المؤسسى الذى نعانى منه، فقد ثار الحديث عن موضوع الوثيقة منذ مدة، لكن مرض د. السلمى أجَّلَ النقاش حولها إلى حين تعافيه، ولو كانت المسألة مؤسسية لحل محله من يتولى المسئولية حتى يصبح قادرا على استئناف مهامه، غير أنه للأمانة فإن ممثلى «التيار الإسلامى» بصفة عامة كانوا فى كل توقيت بما فى ذلك أولى بدايات ما سمى بالحوار الوطنى يرفضون أى دعوة للحوار حول الدستور، وينظرون إليها بتشكك عظيم.
لم نصارح أنفسنا «رسميا» بالحقيقة الكامنة خلف هذا الجدل، وهو أن النخبة المدنية تخشى دستورا تهيمن على صياغته قوى الإسلام السياسى إذا حصلت على الأغلبية فى الانتخابات أو قادت ائتلافا للأغلبية داخل مجلس الشعب. والمشكلة ليست فى الاسترشاد بالإسلام فى وضع الدستور، وإنما فى احتمال استخدامه أداة لفرض رؤية معينة على المجتمع. أما تيار «الإسلام السياسى» فهو لا يريد أن ينازعه أحد فى الفرصة التاريخية التى أتاحتها له خارطة الطريق «المقلوبة» التى حكمت الحياة السياسية المصرية بعد ثورة يناير.
وللأمانة فقد شهدنا هذه المرة قدرا محسوبا من الصراحة بصدد هذا الصراع الكامن، فعند الحديث عن معايير تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ورد ما نصه «إذا تضمن مشروع الدستور الذى أعدته الجمعية التأسيسية نصا أو أكثر يتعارض مع المقومات الأساسية للدولة والمجتمع المصرى والحقوق والحريات العامة التى استقرت عليها الدساتير المصرية المتعاقبة، بما فيها الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011، والإعلانات الدستورية التالية له، يطلب المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. من الجمعية التأسيسية إعادة النظر فى هذه النصوص خلال مدة أقصاها خمسة عشر يوما، فإذا لم توافق الجمعية كان للمجلس أن يعرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا، على أن تصدر.. قرارها.. خلال سبعة أيام من تاريخ عرض الأمر عليها، ويكون القرار.. ملزما للجميع ولجميع سلطات الدولة». من ناحية أخرى كان المتحدث باسم «حزب النور» السلفى صريحا عندما قال: «الدستور المصرى خط أحمر، ولن نسمح بأن ينفرد التيار العلمانى بوضع مبادئه»، مع أن الوثيقة لا تفضى إلى مثل هذا الانفراد، كما أن معطيات الواقع السياسى المصرى تجعله مستحيلا.
●●●
أما عن مضمون الوثيقة فلم يكن ثمة غبار عليها بصفة عامة، خاصة وقد طمأنت الأقباط بالنص على أن كون مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيس للتشريع لا يتعارض مع احتكامهم إلى شرائعهم فى أحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية. لكن الوثيقة للأسف تضمنت نصوصا لا يمكن السكوت عليها، مثل ما ورد فى المادتين الخامسة والتاسعة منها بخصوص وضع القضاء والقوات المسلحة، وإذا كان بعض البلدان العربية قد تفكك «جغرافيا» كالصومال والسودان، وبعضها الآخر مهدد بذلك كالعراق واليمن، فإن هاتين المادتين تفضيان إلى تفكيك الدولة المصرية «وظيفيا» إذا جاز التعبير، فالمجالس العليا للهيئات القضائية وفقا للمادة الخامسة تختص بنظر كل ما يتعلق بشئونها، و«تجب موافقتها» على مشروعات القوانين المتعلقة بها قبل إصدارها، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة وفقا للمادة 9 يختص دون غيره بالنظر فى كل ما يتعلق بالشئون الخاصة بالقوات المسلحة ومناقشة بنود ميزانيتها.. كما يختص دون غيره بالموافقة على أى تشريع يتعلق بالقوات المسلحة قبل إصداره، وهكذا فإن سلطة التشريع سوف تكون موزعة بين مجلس الشعب صاحب الاختصاص الأصيل وبين المجالس العليا للهيئات القضائية، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
والغريب أن ثمة نصا جديدا على الدساتير المصرية يجعل القوات المسلحة مؤسسة فوق سلطات الدولة لم يحظ بأى قدر من النقاش، وهو النص على أن رئيس الجمهورية يعلن الحرب بعد «موافقة» المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الشعب. صحيح أن ضرورة موافقة القوات المسلحة على إعلان الحرب بديهية، لكن النص على هذه الموافقة فى صلب الدستور يجعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة صاحب اختصاص سياسى أصيل فى أخطر قرار يمكن أن تصدره القيادة السياسية. أما بخصوص الاعتراض على دور القوات المسلحة فى حماية الشرعية الدستورية فهو يحتاج نقاشا أعمق، إذ لا يجب أن ننسى أن التجارب الديمقراطية الوليدة تكون مهددة بالانقضاض عليها (نموذج الانتخابات التى فاز بها هتلر فى ألمانيا عام 1933 ليحولها بعد ذلك إلى واحدة من أعتى النظم الشمولية فى التاريخ الحديث)، وأن النص هو على قيام القوات المسلحة بحماية «الشرعية الدستورية»، أى التصدى لأى خروج على دستور البلاد. ولا يعنى وجود هذا النص فى دستور 1971 ألا يؤخذ به، ولنتذكر أن القوات المسلحة قد انحازت للشرعية الثورية فى حالتنا الراهنة، أى أنها خرجت على النص الدستورى الذى كان يوجب عليها الانحياز لمبارك، وأقصد بذلك أن القوات المسلحة باعتبارها أقوى الجماعات المنظمة فى مصر تستطيع أن تتدخل فى السياسة بنص أو بغير نص دستورى، ولنا فى هذا سابقة ثورة يوليو 1952. وقد يرى البعض بناء على هذا أنه من الأسلم ألا يُقحم الدور السياسى للقوات المسلحة فى الدستور أصلا، ولذلك ذكرت أن المسألة تحتاج نقاشا أعمق. يُضاف إلى ما سبق أن جميع القوى السياسية تقريبا قد اعترضت على حق المجلس العسكرى فى أن يشكل بنفسه جمعية تأسيسية جديدة وفقا للمعايير المتوافق عليها لإعداد مشروع دستور فى خلال ثلاثة أشهر، وذلك إذا لم تنته الجمعية التأسيسية من إعداد المشروع فى الستة أشهر المنصوص عليها فى الإعلان الدستورى.
●●●
أجرى د.السلمى على وثيقته بعض التعديلات التى بدت غير كافية، كما فى حذف عبارة «دون غيره» من المادة التاسعة، وتكليف مجلس الدفاع الوطنى بمراجعة ميزانية القوات المسلحة واعتمادها، لكن باقى الملاحظات السلبية على الوثيقة لم يمسسها أى تغيير، وقد ظهرت صحف السبت الماضى بما يوحى بحدوث تغيير فى موقف تيار الإسلام السياسى، بمعنى أن ممثليه وضعوا شروطا لقبول الوثيقة، وهو اتجاه محمود لو كان دقيقا، وما كان أغنانا عن كل هذا الإرباك لو كانت «خارطة الطريق» قد نصت على وضع الدستور أولا، ولم يكن تيار الإسلام السياسى ودوره فى صياغة الدستور ليقل فى هذه الحالة. وبعد العيد عندما تعود القوى السياسية للاجتماع أتمنى أن يكون من بينها ممثلو هذا التيار، فالحوار ممكن، والوصول إلى التوافق مطلوب، اللهم إلا إذا كانت هناك «أجندة» خفية لا نعرف عنها الكثير.