كتبت قبل اندلاع تظاهرات ٣٠ يونيو تحت عنوان «ليسوا كفارا ولا منافقين يا شيخ!» تنديدا لا يختلف عليه اثنان بشأن اتهام كل من اعترض على سياسات د.مرسى وقتها بالكفر أو النفاق، أما حين أكتب ردا على د.على جمعة فأنا على يقين أن الأمر سيختلف، وأن قوما لا يأخذون من الحق إلا ما وافق هواهم ستعلو عقيرتهم بالسخط ضد من اخترق الحجاب المقدس لفضيلة الإمام، بغض النظر عن مناقشة الحجة أو حتى الكيل بنفس المكيال مع من سبقوه.. لكن ومن يعبأ بكم؟ الحمد لله الذى ربانا على دين لا يعرف كهنوتية ولا تقديسا لذوات البشر فضلا عن كلامهم، بل الكل فى الإسلام يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. واترك لخيالك العنان ماذا لو كان الفيديو المسرب خاصا بالشيخ القرضاوى مفتيا لقادة حماس أو قطر مثلا؟
لكنى مع ذلك سأتحاكم مكرها ــ من باب التنزل فى الخصومة لا الإقرار ولغرض فى النفس ــ سأتحاكم إلى قواميس السياسة التى أقحمت أنت نفسك فيها وما كان لك أن تفعل، بدلا من النزول إلى ساحة فقهية أدوات التدليس فيها متوافرة توافر أدوات الحق.
قواميس السياسة التى تقول إن ما فعلته وأقرك عليه رءوس الدولة هو بعينه تطبيق مفردات الدولة الدينية فى أبشع صورها، فلم تكتف بصبغ التحريض المباشر على القتل بصبغة الآيات والأحاديث، بل تعديت إلى الاستدلال بالمنامات التى تنسبها إلى رسول الله رأسا على صحة منهج رأس السلطة ومعاونيه.. وطبعا الفتاوى جاهزة لتحصين هذه الدروشة ورمى منتقديها بأشنع التهم.. ألم نكن ننقم على بعض خطباء منصة رابعة أشياء أقل نكارة مما تقول؟ فكيف الحال بمفتى الديار المصرية السابق؟ كلاكما خدع البسطاء وادعى لنفسه ما لا ينبغى.. وبالمناسبة كنت أنت أيضا من أثار الجدل بفتوى التبرك بشرب بول الولى، وغيرها من الطوام.. لكنك على ما يبدو فى نظر الإعلام شريف لا يقام عليه حد!
أما حديثك عن الخوارج فهو ما أختم به بعدما رأيت من دفاع متهافت على صفحتكم الرسمية، فلنقل إنك لم تقصد الفتوى بقتل عموم المتظاهرين ضد النظام الحالى رجالا كانوا أم نساء أو أطفالا بغير تمييز، وأنك بالتأكيد منتبه ومستحضر كيف أن أحد تلامذتك الشيخ عماد عفت قد سقط فى تظاهرات مشابهة.. وأنك ــ رغم صعوبة تصديق هذا بعد قصة المنامات ــ لم تكن تقصد إلا فقط جماعات تكفيرية محدودة فى سيناء.. فلنلغ عقولنا تماما ولنصدق هذا؛ لا بأس.. أى عالم قبلك أفتى بالقتل العام دون تمييز كما أفتيت ولو حتى ضد الخوارج؟ إذا كنا فى قتالنا ضد الكفار مطالبين بقتل مقاتلتهم فقط والإعراض عن النساء مثلا فما الذى يعنيه قولك «اضرب فى المليان»؟ هلا اكتفيت بإعطاء الفتوى الشرعية فى قتل من حمل السلاح وبغى وتعدى على الدولة بشعبها وجيشها وشرطتها؟
وأين سماحة الإسلام التى تغنيت بها دهرا فى مواجهة أى رأى فقهى لا يروق لك؟ سماحة الإسلام التى حتى ما ظهرت على قسمات وجهك وأنت تختار أسوأ الكلمات وأشدها غلظة، اعتبرهم حتى كفارا كالذين سبوا رسول الله يوما ثم هرولت أنت إليهم لتظهر سماحة الإسلام فى دعوتهم والتودد إليهم.. ناقش أفكارهم كما فعل عبدالله بن عباس مع الخوارج الأصليين لتقارع الحجة بالحجة، أما السباب.. فحتى أصغر الصبية فى أضيق الحوارى يحسنون مثله!
وعلى ذكر منصب المفتى، فإن المرء يحار فى سبب ارتباط اسمك دائما بمناسبات كهذه، ثم لسانك ومن ورائه عقلك فى تصريحات وفتاوى كهذه، فى الوقت الذى يترفع فيه فضيلة الإمام الأكبر د.أحمد الطيب وفضيلة المفتى الحالى وغيرهما من الكبار عن أمثالها.. لم يا ترى؟