أن يكتب من هو غير متخصص مثلى فى قضايا المرور وحوادث الطرقات كما فعل كثيرون غيرى لا يعنى سوى أن ثمة أزمة طاحنة قد تبلورت أبعادها، وكارثة محققة قد أحاطت بنا فى هذه القضايا. ولمشكلة المرور فى مصر وجهان: الأول يتعلق بتحقيق السيولة، والثانى يرتبط بأمن الإنسان المصرى فى الطريق، وليس موضوعنا الآن هو سيولة المرور، فهذا أمر يطول شرحه ويحتاج إلى معالجة خاصة.
لكن المعالجة ملحة لأمن الإنسان المصرى فى طريقه اليومى إلى عمله أو لقضاء إجازته، وفى السنوات ــ إن لم تكن العقود ــ الأخيرة باتت حوادث الطرق المفجعة وفقد الأرواح أو الإصابة كنتيجة مباشرة لها سمة من سمات حياتنا اليومية، ولم تعد هناك فئة دون أخرى ضحية لهذه الحوادث، فهؤلاء مواطنون بسطاء، وهذا وزير أو مسئول كبير، والقائمة طويلة بطول العقود الماضية وسنينها.
على هذا النحو تبوأت مصر المكانة الأولى بين دول العالم فى حوادث السيارات، وقد نشرت صحيفة «الشروق» مشكورة فى عددها الخامس من الشهر الحالى تحقيقا كتبه الأستاذ سامى جاد الحق أشار إلى أن هناك 22 مصريا يموتون يوميا بسبب حوادث الطرقات، وأن معدل الوفيات فى هذه الحوادث فى مصر هو الأعلى عالميا حيث يبلغ 156حالة وفاة لكل مائة ألف قائد مركبة بينما بلغ المعدل نفسه 81 فى سويسرا و19 (نعم تسعة عشر) فى إسرائيل.
كما تشير الإحصاءات إلى أن خسائر مصر السنوية من حوادث الطرقات تقدر بنحو تسعة مليارات من الجنيهات، وأن عام 2008 وحده على سبيل المثال قد سقط فيه ثمانية آلاف قتيل نتيجة حوادث المرور. وبحسبة بسيطة نكتشف أن تكلفة مصر فى حوادث الطرقات من دم أبنائها ومواردها المحدودة بلغت أضعاف مثيلتها فى الصراع الذى دام ثلاثين سنة مع إسرائيل.
يتحدثون عن أسباب مألوفة لهذه الحوادث منها التسيب فى منح رخص القيادة، أو الكشف على سلامة السيارات، وهذا صحيح، وهو يرجع إلى الفساد المباشر (تقاضى الرشى) أو غير المباشر (المجاملات)، وأرجو ألا يخرج مسئول لينفى هذا، لأن هذا النوع من الفساد بالذات يشاهده الإنسان يوميا بعينى رأسه، ويعانى منه، وبالتالى فلا جدية بالضرورة فى اختبارات القيادة، ولا صلاحية مضمونة للمركبات التى يرخص لها بالسير، ولا صداقة مع البيئة لهذه المركبات، وإنما معظمها أمور تسير وفق وتيرة معينة تلعب فيها الرشى المحددة سلفا أو المجاملات نتيجة الحرج أو النفاق الدور الأكبر.
لكن المسألة فى تقديرى أعمق من ذلك بكثير، إذ تنبثق أسبابها من الفهم الراهن من قبل نخبة الحكم لوظيفة الدولة، وقد سبق أن كتبت فى هذه الصفحة عن «الدولة الحارسة»، ونحن هنا إزاء دولة حارسة لنظام الحكم بالأساس، لكنها لا تأبه كثيرا لمواطنيها.
ارتبط بهذا الفهم ما أسميه «خصخصة المرور»، فمنذ توصل مخططو المرور إلى فكرة «الطرق الحرة»، وبلغ إعجابهم بها مبلغه، واتخذ ذلك شكل التوسع فى التقاطعات الحرة على شكل حرف يو (اليو ترن) ــ منذ حدث هذا تفاقم التدهور فى أوضاعنا المرورية، إذ انسحبت الدولة من هذه التقاطعات بحجة أن المواطن لم يعد بحاجة إلى شرطى يعين عليها، لكننا نعلم أن شوارع القاهرة ليست كلها مهيأة لهذا النوع من تحرير الطرق، وهكذا تحولت هذه التقاطعات إلى مصادر للاختناق المرورى، ناهيك عن إساءة استخدامها من قبل قائدى السيارات (فى الاتجاه العكسى).
صحيح أن هذا الأسلوب قد قام بدور مقدر فى حل الاختناقات المرورية فى عدد من الحالات، لكن ذلك يمثل نسبة قليلة بالتأكيد، والمهم أننا فقدنا حضور الدولة فى واحدة من همومنا اليومية الأساسية.
أما فى الطرق السريعة فحدث ولا حرج، لأنها أساسا صالحة للتقاطعات الحرة، وبالتالى فإن غياب سلطة الدولة ظاهر، وأنا أعلم بطبيعة الحال أن السرعة مراقبة بالرادار، لكن لجان الضبط المتصلة بهذا العمل قليلا ما تظهر، بحيث يبدو المواطن الملتزم بالقواعد كالأبله تتخطاه المركبات يمنة ويسرة، بل وتطلق أبواقها غضبا من التزامه الذى يعوق انتهاكها القانون. وبالتأكيد فإن هذه اللجان تختفى تماما فى الليل.
يتحدثون عن التغيير الثقافى كمدخل لحل هذه المشكلة أو التخفيف منها، ذلك أن قيم الجهل تسود فيها بشكل مروع، حيث يبدو جميع المتهورين وكأنهم يتصورون ألا خطر على الإطلاق عليهم، فيتسببون فى كوارث لأنفسهم وللغير، وإن لم تخنّى الذاكرة فإن كاتبنا الكبير الراحل أحمد بهاء الدين قد استخدم مصطلح «الجهل النشيط» فى وصف هذا النوع من الجهل، فالجاهل قد يكون خاملا فلا يصيب الآخرين بضرر، ولكننا هنا إزاء حالة من «الجهل النشيط» التى قد تؤدى بأصحابها وبغيرهم من الأبرياء، فهذا يبنى منزلا مخالفا للمواصفات، ويسكن فيه مع آخرين، فيكون الجميع ضحية، وذلك يقود سيارته فى الاتجاه المعاكس، ويرجع إلى الخلف فى مطالع الطرق العلوية لأنه أخطأ اختيار المطلع الصحيح فيتسبب فى كارثة، وثالث يقود سيارته عكس اتجاه السير فى الطرق السريعة، وهكذا. ولا اعتراض لدى على التغيير الثقافى، وإن كان يستغرق وقتا طويلا لن يسعفنا فيما نحن فيه، لكننى أشدد فى هذا الصدد على مسألة غاية فى الأهمية أتمنى أن يهتم المسئولون بها، وهى ترسيخ قيمة أن الالتزام بالقواعد لصالح الجميع، وليس عقوبة للمواطن العادى أو إذلالا له،
ذلك أننا نعلم أن سيارات كبار المسئولين الذين لا تتضمن إجراءات تأمينهم إغلاق الطرقات تمرق إلى جوارنا فى الطرق السريعة بسرعة لا يمكن أن تقل عن 140كيلو/ساعة، وهو مصدر محتمل لكوارث مأساوية بطبيعة الحال، بالإضافة إلى أن من يتوهم أنه من كبار المسئولين وأنه فوق الحساب يحذو حذوهم، وأحسب أن كثيرا من حوادث السيارات لا يمكن أن يقع إلا إذا كانت السرعة فائقة، بالإضافة إلى ما نعلمه من أن السيارات الدبلوماسية معفاة من المخالفات المرورية، وهكذا يصبح «النظام» عقوبة والإخلال به «تميزا»، وإلى أن يحدث تغيير فى هذا الصدد سوف يستمر نزيف الدماء على الطرق المصرية.
لا تقل أهمية عن ذلك الرقابة الصارمة فى شكل دوريات راكبة، وأذكر أن مسئولا كبيرا بالمرور قد صرح منذ سنوات عندما طولب برقابة الطرق ليلا عن طريق هذه الدوريات بأن هذا عمل يهدد أرواح رجال المرور، فمنذ متى كان عمل رجل الشرطة بعيدا عن الخطر؟ ولن نحتاج إلى دوريات راكبة فى كل مكان، لأن عملها بكفاءة وصرامة (يمكن أن تصل إلى حد «اعتقال السيارات» المخالفة لحرمان أصحابها من استخدامها مددا تتناسب مع جرمهم) سوف يقلص بسرعة ظاهرة الفوضى الكاملة، ويستحسن أن تتكون هذه الدوريات من رجال شرطة بأعلى الرتب الممكنة،
بالإضافة إلى عنصر قضائى من نيابة المرور، لكى يكون حضورها قويا أمام أى مخالفة يرتكبها أصحاب منطق «إنت مش عارف بتكلم مين»، ولكى يعكسوا الصورة الحقيقية لرجل الشرطة كما ينبغى أن تكون بعيدا عن الإغراءات والغواية. وسوف يكون المعنى الوحيد لعدم حدوث أى من هذين الأمرين (ترسيخ النظام كقيمة وليس كعقوبة، والرقابة الصارمة على الطرق) هو إصرار الدولة على الانسحاب من جميع جوانب حياتنا عدا الجانب السياسى، ولنحبس جميعا أنفاسنا فى هذه الحالة فى انتظار الأسوأ.