هواة فى الحكم ونخبة آن لها أن ترحل - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:20 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

هواة فى الحكم ونخبة آن لها أن ترحل

نشر فى : الخميس 13 يونيو 2013 - 5:45 م | آخر تحديث : الخميس 13 يونيو 2013 - 5:45 م

أخذت أجمع بدأب كل ما يتعلق بردود فعل مؤسسات الحكم «لكارثة النهضة»، وتصوراتها المتواضعة لمواجهتها إلى أن عُقد اجتماع الحوار الوطنى بدار الرئاسة بحضور رئيس الجمهورية وعدد من ممثلى الأحزاب الراضية عنه أو الانتهازية، وذلك للتباحث فى الأزمة وسبل مواجهتها، وعندما تابعت اللقاء الذى أذيع على الهواء نحيت أوراقى وأقلامى محدثا نفسى بالقول المأثور: «ليس بعد الكفر ذنب»، ولا شك أن التوقف عند هذا الاجتماع: ملابساته ومضمونه يغنينا عن أى متابعة لردود أفعال مؤسسات الحكم ومواقفها.

 

●●●

 

دعا رئيس الجمهورية إلى هذا الحوار للتباحث فى إجابة سؤال «ما العمل؟» وهذا هو الخطأ الأول، فالمدعوون بفرض كفاءتهم السياسية مطلوب أن يُسمع رأيهم بعد أن يصنع القرار للتأكد من أنه يحظى بالتأييد السياسى، فما فائدة أن يطالب هؤلاء من غير المتخصصين بحل عسكرى ثم تسفر اجتماعات الخبراء والمتخصصين عن عدم جدواه أو خطورته أو حتى استحالته. أما الاجتماعات الأولى لرئيس الجمهورية وغيره من صانعى القرار فيجب أن تكون مع «أهل الذكر» القادرين على فهم الأزمة وتداعياتها وسبل مواجهتها، ولو فعل لاستمع إلى آراء رصينة تثرى عملية صنع القرار، ولو أنه، اتصالا بهذا، عكف على الملفات ذات الصلة التى أعدتها عبر السنين المؤسسات المعنية وعلى رأسها الخارجية والمخابرات العامة لتوصل إلى النتيجة نفسها.

 

أما الخطأ الثانى فهو مزدوج. وهو المتعلق بإذاعة وقائع الاجتماع على الهواء مباشرة، والأعجب من هذا ما قيل من أن المشاركين فى الاجتماع لم يكونوا يعلمون بهذا ولهذا انخرط بعضهم فيما رأيناه من آراء مدمرة لمصالح مصر وسمعتها. يبقى الاحتمال التعيس وهو أن يكون ما حدث متعمدا لكى ترتجف إثيوبيا من هول التهديدات المصرية لو أنها مضت فى تنفيذ مشروع السد، وربما يعزز هذا الاحتمال أن رئيس الجمهورية لم يتدخل بالاعتراض على ما قيل من آراء مهترئة أو التخفيف منها، وإننا لم نسمع أن ثائرته قد ثارت أو أنه حاسب أحدا أو عاقبه فى أعقاب ما حدث، بل إن خطابه يوم الاثنين الماضى كرر بعض الأفكار المرفوضة التى أثيرت فى الاجتماع وإن بلغة تناسب رئيس جمهورية. كذلك يعزز هذا الاحتمال أن مصادر الرئاسة صرحت لاحقا بأن الرسالة وصلت إثيوبيا: أى رسالة؟ رسالة تدين مصر بانتهاك القانون الدولى؟ (لا يبرر انتهاك إثيوبيا له أن نفعل الشىء نفسه). رسالة تكشف عن نظرة متدنية ليس لإثيوبيا فحسب وإنما لأفريقيا كلها؟ ولنتذكر فى هذا السياق علاقاتنا بأفريقيا التى تعود إلى التاريخ القديم، والقائمة على المصالح التجارية المتبادلة وصولا إلى النظرة الإمبراطورية لها فى عهد محمد على إلى مشاركة فى عهد عبدالناصر أساسها التحالف فى معارك التحرر الوطنى والتنمية والذى جعل مصر فى هذا العهد تتبوأ موقع القيادة دون منازع إلى التجاهل التدريجى الذى بلغ ذروته فى عهد مبارك ووصل بمكانة مصر فى أفريقيا إلى الحضيض، والآن يريدنا هؤلاء بأفكارهم المتهافتة أن نصل إلى مرحلة العداء غير مدركين لأبعاد ما يطالبون به من حل عسكرى سواء بصفة عامة أو بسبب الظروف الراهنة فى مصر، وغير واعين بحسابات التوازنات الإقليمية والعالمية، وغير مقدرين لأثر تصريحاتهم على علاقات مصر بها.

 

ولو كان مقصودا أن تصل هذه الرسالة البائسة إلى إثيوبيا فإن أثرها المؤكد سينعكس بالسلب على المفاوضات بين مصر وإثيوبيا إن تمت فى صورة تشدد إثيوبى أشد بكثير بعد أن تأكدت النظرة الدونية لها فى هذا الاجتماع ونوايا العدوان والتخريب، ذلك أن الرأى العام الإثيوبى لا يمكنه أن يتسامح مع حكومته إن هى أبدت مرونة فى المفاوضات أو قدمت تنازلا للجانب المصرى بعد كل هذه الإهانات، كذلك سوف يعزز من هذا التشدد مدى خفة وسذاجة المطالبات بالمواجهة العسكرية مع إثيوبيا، ولا شك أن لسان حالها سوف يتأسى ببيت الشعر العربى المشهور: «زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا...أبشر بطول سلامة يا مربع». وكان الأجدى بنا أن نفكر فى حلول مجدية بدلا من اللعب بالنار من أولئك الذين لا يدركون تبعات هذا العمل.

 

●●●

 

اتجه النقد السابق إلى مؤسسات الحكم بسبب سوء إدارتها فى مواجهة الأزمة وهى تستحقه وزيادة، لكن الأوان قد آن لإعلان الحرب على هذا القطاع من النخبة المصرية الذى حضر ممثلون عديدون له لعلهم كانوا الأغلبية اجتماع الحوار الوطنى الشهير. لقد أكل هؤلاء على موائد النظام السابق، وتحالفوا معه فى ترتيبات لتحسين صورته، ثم اعتبروا أنفسهم بصفاقة يحسدون عليها من القوى القائدة لثورة يناير، وهم لا يدركون مدى الضحالة التى يتمتعون بها كما كشفها الاجتماع الفضيحة، وكذلك لا يدركون غياب أى قاعدة شعبية لهم. لقد استخدم الأستاذ هيكل بجسارته المعهودة عبارة «سلطة شاخت فى مواقعها» لوصف الحالة التى وصل إليها نظام مبارك، والآن فإن هذا القطاع من النخبة لم تصبه الشيخوخة فحسب، وإنما هو يعانى من «جلطة سياسية» تعجزه عن تجاوز أفكاره البالية، ولقد حان موعد رحيله منذ زمن لكنه شديد التشبث بالبقاء.

 

●●●

 

سامحكم الله يا شباب الثورة، فقد قمتم بعملكم العظيم فى تفجيرها وتحقيق أول أهدافها، ثم ذهب ريحكم فسرق الثورة من سرق، وتسلق شجرتها من تسلق. أما آن الأوان لأن تجمعوا صفوفكم، وتقودوا مسيرة الثورة من جديد من أجل الوطن الذى خرجتم يوما بكل جسارة من أجل تخليصه من قيود نظام استبدادى فاسد؟

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية