لا أدرى لماذا انتابنى مع شعور الكآبة المطبقة فى أعقاب أحداث فجر السبت الماضى أن هذه ربما تكون الليلة الأولى التى تبسم فيها حسنى مبارك منذ تنحيه شامتا فى قوى الثورة التى أطاحت به والقوات المسلحة التى انحازت إلى الشعب مرددا لنفسه أن البلد بدونه يغرق بالتدريج فى بحر من الفوضى. ولم تكن مصادفة فى تقديرى أن يختار مبارك اليوم التالى مباشرة لتلك الأحداث لتوجيه كلمته التى يتضح منها أنه ما زال يتصرف كرئيس للبلاد.
ولقد قيل الكثير فى التفاصيل الكئيبة التى أدت لأحداث فجر السبت الماضى، ولا أنوى تكراره بطبيعة الحال. ومع ذلك فلابد من التأكيد على رفض مبدأ الزج بعسكريين ضمن صفوف المتظاهرين أو المعتصمين حفاظا على وحدة القوات المسلحة بالدرجة الأولى باعتبارها صمام الأمن الرئيسى والمضمون لحاضر الوطن ومستقبله، وحفاظا أيضا على نقاء الثورة والثوار الذين احتضنوا تلك المجموعة من العسكريين يوم الجمعة الماضى وصولا إلى أحداث فجر السبت دون أن يعرفوا الحد الأدنى من البيانات عنهم، فقد يكون بعضهم على الأقل مدانا بتهم أدت إلى الفصل من الخدمة أو توقيع جزاءات شديدة. وفى الوقت نفسه فإننى أؤكد من الخبرة العملية الماضية أنه عندما تقع مواجهات شبيهة بما حدث فجر السبت الماضى لابد أن تحدث أخطاء من الجانبين بسبب العوامل النفسية التى تحيط عادة بتلك المواقف.
لكننى أود بعد ذلك أن أؤكد على ملاحظات أربع أراها مهمة وتستحق إمعان النظر فيها لاستكشاف دلالاتها.
●●●
ملاحظتى الأولى أنه وفقا لشهادة عديد من الشهود والتحقيق الشامل الذى نشرته صحيفة الشروق يوم الاثنين الماضى فإن المرء يتولد لديه الانطباع بأنه جاء وقت كان «البلطجية» يسيطرون فيه على الميدان، وأنهم قادوا المواجهات ضد أفراد الشرطة العسكرية وأحرقوا سياراتها، وأنهم كانوا يتلقون تعليمات تليفونية إلى غير ذلك من التفاصيل، ويعيدنا هذا ــ بغض النظر عن درجة دقته ــ إلى أولوية إعادة بناء الدولة المصرية ولو وفقا للحد الأدنى أى «الدولة الحارسة» التى تكون أولى مهامها توفير الأمن للجميع، فأن يغيب الأمن فى هذه البقعة أو تلك من أرض الوطن أو تعم الفوضى فيها أمر مفهوم بسبب تداعيات الثورة على جهاز الشرطة، لكن وجود البلطجية بهذه الكثافة والقدرة على الفعل فى ميدان التحرير أمر مختلف بسبب القيمة الرمزية للميدان، وغياب القدرة على فرض حظر التجول فى ساعاته المحددة على الميدان له دلالات خطيرة تشجع على مزيد من تفكيك الدولة وسلطاتها.
●●●
أما ملاحظتى الثانية فهى تنبع من موضوع كنت قد أثرته على هذه الصفحة، واستخدمت فى عنوانه تعبير «ثورتنا المضادة»، وكنت أقصد بهذا أن الخطر على الثورة يأتى من داخلها ــ وهو الأخطر ــ وليس فقط من قوى الثورة المضادة. وقد ألح على هذا المعنى بعد أن شعرت بالضياع التنظيمى للثورة لفرط التشكيلات السياسية التى تتحدث باسمها، علما بأننى لا أستطيع الادعاء بالمقدرة على الحكم على فعالية اللجنة التنسيقية لجماهير الثورة التى تضم ثمانى قوى وتحالفات، وبالتالى فإن ظاهرة «إنكار الذات» التى تمسك بها شباب الثورة فى البداية هى تعبير عن موقف سياسى وأخلاقى نادر قد تلاشت ليحل محلها هذا التشظى التنظيمى. وقد خطر لى خاطر طريف بخصوص الغرفة التى خصصها د.عصام شرف للشباب فى مجلس الوزراء ليشاركوا فى صنع القرار، وتساءلت: أتكون غرفة مشورة للمجلس أم احتدام للخلافات بين فصائل الثورة!
الملاحظة الثالثة تنطلق من رأى أدلى به واحد من أبرز قيادات الثورة وهو الشاب ناصر الذى تابعناه على شاشات التليفزيون كثيرا منذ انفجار الثورة ونجاحها، وأنا شخصيا من أشد المعجبين به لما يميزه من فكر ثاقب ووضوح فى الرؤية، وأتنبأ له بمستقبل سياسى باهر. وقد ذكر ناصر هذا الرأى عندما حل ضيفا على برنامج العاشرة مساء فى الليلة التالية على الأحداث، وكان ندا للمشاركين الذين يفوقونه جميعا خبرة، ويرتبط هذا الرأى بإصرار البعض على الاعتصام فى ميدان التحرير على الرغم من وضوح التوجيهات من القيادات الثورية بعدم الاعتصام. وهنا قال ناصر إن ثمة مسئولية على القيادات التى دعت للتظاهر تتمثل فى ألا يتخلوا عن المعتصمين، وهو رأى اختلف معه بشدة رغم كل تقديرى السابق لصاحبه، إذ يعنى هذا أن الثورة باتت تتصرف حينا بمنطق القبيلة وليس بالضرورة انطلاقا من مصلحة الوطن.
خاصة أن الذين أصروا على الاعتصام إما أنهم من فئة «المراهقين الثوريين» أو المتشددين الذين لا يعرفون متى ترتد المبالغة فى المطالب إلى نحر الثورة، أو البلطجية المأجورين. ولهذا كله أدعوه إلى إعادة التفكير فى هذا الرأى انطلاقا من جوهر الثورة وليس «شكلها».
●●●
أما الملاحظة الرابعة والأخيرة فتتعلق بالحالة الاقتصادية لمصر، إذ يبدو وكأن أحدا من الثوار أو أنصارهم لا يهتم بها على الإطلاق، علما بأن الوضع الاقتصادى فى مصر آخذ فى التردى على نحو مقلق. فى البدء كان من المنطقى فى ذروة المعركة السياسية للثورة أن نقبل بصدر رحب التكلفة الاقتصادية لهذه المعركة، أما الآن فلا يمكن أن نعود إلى نقطة الصفر فتتأثر الأعمال والإنتاج ويزداد التراجع، وأعتقد أن شباب الثورة لابد أن يتفهموا أنه إذا كانت هناك «مليونية» يساندها عشرات الملايين فى جميع أرجاء الوطن فإن هناك عشرات الملايين أيضا ــ من المؤكد أن معظمهم من أنصار الثورة ــ من العمال وأصحاب الأعمال الصغيرة باتت تضيق بانسداد سبل الرزق أمامها، ولا نريد لمعسكر الثورة أن يخسرهم، فهم حتى الآن يتحدثون بلسان الشكوى والمناشدة، ولا نريد أن نسمعهم يوما يرفعون صوتهم منتقدين الثورة لأنها قطعت أرزاقهم.
ما العمل إذن؟ مطلوب من المجلس العسكرى الأعلى أن يكون أسرع حسما فى تعقب الفاسدين سياسيا أو ماليا، وأسوق هنا المثال الشهير الخاص بإبراهيم كامل الذى صرح علنا قبل «موقعة الجمل» بضرورة نزول أنصار النظام السابق إلى التحرير بدورهم، واتهم بعد ذلك بالضلوع فى تلك الموقعة، ومع ذلك ظل طليقا لأكثر من شهرين إلى أن اتهمه المجلس العسكرى مؤخرا بدور تحريضى هو وأعوانه فى أحداث فجر السبت الماضى. مطلوب من المجلس العسكرى أيضا أن يوسع نطاق استشاراته، وأعتقد الآن أن التكييف الصحيح لفكرة «الحوار الوطنى» هو أن ينصب على حوار بين المجلس وممثلى جميع قوى المجتمع وطبقاته وتنظيماته كى يطمئن إلى أن قراراته تعبر عن الاتجاه السائد لدى المصريين.
●●●
من ناحية ثانية فإن شباب الثورة بشتى تشكيلاتهم مطالبون بمواجهة صريحة مع النفس، فالثورة لا يمكن أن تتحول إلى عمل روتينى قد تضيع معه أو تسرق. كل جمعة مليونية يحضرها الثوار والراغبون فى التقاط صور فى ميدان التحرير تثبت ثوريتهم، أو فى التقاط صور تذكارية لأسرهم، ويحضرها أيضا بلطجية مأجورون يحاولون تخريب الثورة.
كل هذا فى ظل انشطار تنظيمى غير حميد، وإنما يجب أن تبقى «للمليونيات» هيبتها المستمدة من تنظيمها الراقى فى وقت المنعطفات الحادة، وتتصل بهذا المسئولية الأكبر على شباب الثورة بضرورة توحيد الصفوف مع الحفاظ على الحق فى تنوع الأداء، والتركيز على المحافظات التى لا يدرى أحد على وجه التحديد ماذا نفعل بها أو تعد لها قوى الثورة المضادة.
ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.