كنت أقول دائما للمؤرخ الكبير يونان لبيب رزق إن محاولته لتأريخ جوانب من الحياة المصرية من خلال صحيفة الأهرام قد مثلت جهدا غير مسبوق فى كتابة التاريخ المصرى، أولا لأنه يتيح مادة غزيرة لا توفرها المصادر المعتادة لكتابة التاريخ، وقد ينظر لها عديد من المؤرخين نظرة استعلاء، فيما هى تكشف عن آفاق لم يسبق ارتيادها فى تطور التاريخ المصرى، ولأنه ثانيا جعل القارئ العادى يطلع على تاريخ بلاده بلغة سلسة وطريقة جذابة، وكنت أعلم أن وجهة النظر هذه لا يشاركنى فيها عديد من المؤرخين الذين قد يرى بعضهم أن المحاولة لا تتجاوز مجرد «ابتذال» للتاريخ، أو على أحسن الفروض تسطيح له، لكن هذا كان ولا يزال اقتناعى، ومن أسف أن المحاولة قد توقفت بوفاة المؤرخ الكبير.
عاودتنى هذه الخواطر بعد أن أتاحت لنا قناة «دريم» من خلال برنامج نادى السينما للمذيعة المتفوقة د.درية شرف الدين مشاهدة العمل الرائد للدكتور مدكور ثابت بعنوان «سحر ما فات فى كنوز المرئيات»، وهو عمل يحاول أن «يكتب» تاريخ مصر بلغة السينما من خلال لقطات عديدة على مدى قرنين من الزمان. استطاع صاحب العمل بإيمان ودأب أن يفتش عن هذه اللقطات، ويجمع بينها ليقدم صورة ــ ولو جزئية ــ لمصر فى مراحل حاسمة من تاريخها.
شمل العمل عديدا من الموضوعات، غير أننى رأيت فى هذه العجالة أن أركز على حركة الجماهير المصرية كما بدت فى «كنوز المرئيات». شاهدنا هذه الجماهير تستقبل فى حماس بالغ عودة سعد زغلول زعيم ثورة 1919 من منفاه، وتستقبل كذلك ــ بالحماس نفسه ــ وصول فاروق إلى مصر بعد أن أصبح ملكا عليها، وتودع بحب غامر قواتها الذاهبة للقتال فى فلسطين، ثم تستقبل بفخر واعتزاز كتيبة الفالوجة التى صمدت صمودا بطوليا لحصار اليهود على الرغم من قلة الإمكانات ومآل الحرب، وتتفاعل بصدق مع ثورة يوليو التى مثلت محاولة مخلصة لإعادة صياغة الحياة فى مصر لصالح الطبقة الوسطى والطبقات القابعة فى أسفل السلم الاجتماعى، ثم تودع على نحو مهيب جثمان قائد الثورة عرفانا بعطائه.
غابت حركة الجماهير فى مناسبات أخرى مهمة فى «سحر ما فات»..، لكننا الآن لا نحاسب العمل من منظور التسلسل والشمول التاريخيين،فهو ليس مطالبا بذلك بالضرورة، غير أن حركة الجماهير فيه تثير لدى الباحث عددا من الملاحظات المهمة.
تبدو الجماهير المصرية فى الفيلم وفيما وراء سطوره، أو بالأحرى، صورة حية فى معظم المواقف التى كان يتعين عليها أن تتحرك فيها، فهى تشارك فى ثورة 1919، وتستقبل زعيمها العائد على النحو الذى يستحقه، وتودعه فيما بعد بالطريقة نفسها، وتحيى قواتها المسلحة الذاهبة لقتال اليهود فى فلسطين، وتستقبل الكتيبة العائدة مرفوعة الرأس، فى إشارة إلى أن الشأن الفلسطينى ليس اختراعا لثورة يوليو وإنما هو شأن يتعلق بأمن الوطن، وهى تخرج هادرة فى 9 و10يونيو 1967 رافضة الهزيمة ومتمسكة ببقاء عبدالناصر قائدا للثورة سواء كان ذلك من باب الحب العارم له، أو الثقة بأنه الوحيد القادر على إخراج الوطن من المحنة، كذلك خرجت الجماهير عن الطوق فى يناير 1977 عندما استفزتها قرارات تعصف بلقمة عيشها، وقد مثل خروج الجماهير فى تلك المناسبة فيما أحسب آخر حالة لحركة جماهيرية عامة وشاملة حتى الآن.
ومن الممكن أن نتوصل إلى بعض الافتراضات حول المسار السابق لحركة الجماهير، فهى حية بالتأكيد فى معظم المواقف التى يتوقع فيها أن تكون كذلك، لكنها ليست فاعلة دائما. لقد كانت فاعلة فى ثورة 1919 حين حققت بمشاركتها فى الثورة نقلة نوعية فى تطور الحركة الوطنية المصرية، وكانت فاعلة كذلك عندما أعطت شرعية جديدة لعودة عبدالناصر إلى موقع القيادة فى أعقاب هزيمة1967، وكانت فاعلة، ثالثا عندما نجحت فى إجبار السلطات المعنية على التراجع عن القرارات الاقتصادية التى غاب عنها العقل الاجتماعى السياسى فى يناير1977، لكنها فيما عدا هذا بدت أشبه بمشاهدى مباراة كرة قدم يشجعون اللعبة الحلوة، ويتيهون إعجابا ببعض اللمسات الفنية عالية المهارة، ويرفعون لاعبا أو أكثر إلى عنان السماء لأدائه المتميز دون أن يكون لهم دور فى سير المباراة.
من ناحية ثانية يسهل التوصل إلى افتراض ثان مؤداه أن الوعى كان غائبا أو على الأقل ضعيفا فى حركة الجماهير فى عدد من الحالات، فهى تعلق آمالا كبيرة على ولاية فاروق ملك مصر، وتتوقع على الرغم من التدهور الذى أصاب النظام فى عهده أن يكون أداء قواتها المسلحة فى فلسطين منبت الصلة بما آل إليه الحال فى الوطن، وهى تستقبل الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون فى 1974 استقبال الفاتحين على الرغم من دور السياسة الأمريكية فى عرقلة مسار تجربة التقدم المصرية، وعلى الرغم من أن نيكسون كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد افتضاح أمره فى ووترجيت.
وهو سلوك جماهيرى يستعصى على الفهم أحيانا: فهل كانت الجماهير التى خرجت لاستقبال سعد زغلول لدى عودته من منفاه وتوديعه إلى مثواه الأخير هى غير الجماهير التى خرجت لاستقبال فاروق ونيكسون؟ سؤال تستحيل تاريخيا الإجابة عنه، لكن طرحه واجب. أم أن الجماهير هوائية إلى الحد الذى يجعلها تتأرجح بين الشىء ونقيضه؟ أم أن الظروف قد تغيرت فأصبحت الجماهير تخرج من أجل لقمة العيش وليس أمن الوطن، أم أن الضعف المؤسسى البين يجعل هذه الجماهير وقودا يستغله صاحب أى عود ثقاب بدلا من أن تكون طاقة محركة للمجتمع؟ وأرجو ألا يعتبر البعض إثارة هذه الأسئلة متضمنة أى استهانة بالجماهير أو استخفاف بدورها، لكن حركة الجماهير تحتاج إلى من «يفهمها» وليس من «يقدسها» حتى يمكن لها أن تلعب دورها الإيجابى فى بناء المستقبل.
لو لم يكن لرائعة مدكور ثابت من فضل أكثر من أنها أثارت هذه الأسئلة وغيرها كثير لكفاها هذا، وهو فضل يتصل بصميم المستقبل المصرى، لأن من لا يفهم تاريخه غير قادر على رسم مستقبله، ولذلك فإن مدكور ثابت يقدم لنا بإبحاره فى كنوز مرئياته بداية مشروع لابد أن يكتمل، وهو لا يمكن أن يكتمل بجهد فردى، وإنما بجهد وطنى عام تدخل فيه الدولة ومؤسساتها الثقافية والأكاديمية جمعاء حتى يكتمل دون انحياز، وتضمن ــ أى الدولة وهذه المؤسسات ــ تمويله، لأن الدكتور أحمد بهجت الذى رعى مشكورا هذا العمل لا يمكن له وليس مطالبا بأن يتحمل وحده عبء مشروع كبير لتسجيل تاريخ الوطن كهذا المشروع، كذلك سوف يكون ثقل الدولة مطلوبا فى جمع ما تبعثر بالإهمال أو البيع لجزء من ذاكرة مصر السينمائية، وكذلك فى إجراء اتصالات دولية من أجل التوصل إلى كنوز أخرى من المؤكد أنها موجودة بحوزة هذه الدولة أو تلك، كصور الأقمار الصناعية التى التقطها الأمريكيون والسوفييت لحرب أكتوبر التى لا نملك منها للأسف سوى لقطات محدودة يتكرر عرضها عاما بعد عام. فهل يتحقق الحلم أم تبقى رائعة مدكور ثابت نسيجا وحدها؟