ما زلت أذكر ذلك المشهد كأنه وقع بالأمس. قاعة الاحتفالات الكبرى فى جامعة القاهرة فى يوم من أمجد أيام الحركة الطلابية فى مطلع سبعينيات القرن الماضى وهى تغص بالآلاف من الطلاب، حيث لا موضع لقدم يبحثون فى شـأن الوطن، وفى «عام الحسم» الذى تأخر، وذلك الشاب الأسطورى أحمد عبدالله رزة يجلس خلف المنصة الرئيسية، وقد لف كوفيته الحمراء الشهيرة حول عنقه، يضبط حركة هذه الآلاف المؤلفة فى اقتدار لا يصدق، ويشرح فى هدوء ووضوح بنود خلاصة تم التوصل إليها بعد نضال اتخذ أحيانا سمة عنيفة، وامتد أياما طويلة.
كان الجميع ينصتون إنصات المقتنعين، وربما الفخورين بهذه الخلاصة التى قد لا تعبر عن أقصى أمانيهم، لكنها بكل المعايير كانت انتصارا واضحا للحركة الوطنية للطلاب. وفجأة ينشق الهدوء عن صوت مدو ينبعث من المستوى الأول لمدرجات القاعة على يسار المنصة يعلن اعتراضه الحاسم على ما يقال باعتباره تراجعا لا يليق. نظرت إلى أسفل فقد كنت أجلس فى المستوى الأعلى فى القاعة فوق المكان الذى انبعث منه ذلك الصوت المدوى. لم يكن صاحب هذا الصوت سوى محمد السيد سعيد الذى كان فى ذلك الوقت طالبا بقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ولم يكن هذا الموقف الذى يخيل للناظر إليه أن صاحبه يحترق غضبا وهو يعبر عنه سوى خير تعبير عن شخصية ذلك الشاب التى جمعت فى وقت مبكر للغاية بين العمق الفكرى غير المألوف والصلابة السياسية والتوجه الثورى.
عرفت محمد السيد سعيد فى مرحلة كنت أسمى نفسى فيها نصف طالب ونصف عضو هيئة تدريس، فقد كنت معيدا حديثا فى القسم الذى كان يدرس فيه ما زال أمامى طريق طويل من الدراسة والبحث العلميين حتى أثبت نفسى فى هيئة التدريس بالقسم، وشاء حظى أن تكون بداية تعاملى كمعيد مع دفعة محمد السيد سعيد التى لم يكن يفصلها عن دفعتى سوى دفعتين، ومن خلال الدروس العملية التى كان يتعين علىّ القيام بها عرفت فى محمد السيد سعيد الصفات التى سبق وأن أشرت إليها، والتى لا أعتقد أنها توفرت لاحقا لسواه، وإن اقترب منها عبر عشرات السنين من التدريس فى قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عدد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة.
تغيرت مياه كثيرة بعد ذلك فى نهر الحياة فى مصر وغيرها، وتلاطمت أمواج التغيرات التى شهدها الوطن بفعل فاعل، بالإضافة إلى ما شهده العالم من تغيرات جذرية غير متوقعة. تداعت التجربة «الاشتراكية» فى مصر فى عهد السادات، وبصفة خاصة بعد حرب أكتوبر 1973، ولم يكن محمد السيد سعيد على أى حال يعتبرها تجربة اشتراكية حقيقية، وسقط النموذج السوفييتى ومعه نماذج الحكم الشيوعى فى أوروبا الشرقية، وبدا وكأن الهيمنة الأمريكية تطول الجميع، وحدثت تحولات فكرية لدى معظم أفراد النخبة الفكرية المصرية ومنهم محمد السيد سعيد، غير أنه بينما بدا التحول بالنسبة للكثيرين أقرب إلى «الانقلاب» فإن تحول محمد السيد سعيد كان تطورا إلى الأفضل. هكذا حافظ على رؤيته الفكرية وإطاره النظرى وأدواته المنهاجية وإن خلَّص هذا كله من أى انحيازات أو مواقف مسبقة، ودخلت الليبرالية الحقة إلى منظومته الفكرية عبر اقتناع حقيقى وليس لمجرد استكمال «الديكور» الفكرى كما فعل الكثيرون، وإن نطق سلوكهم بعكس ما يقولون.
هكذا ظل محمد السيد سعيد نصيرا للإنسان فى أوسع معانيه. لم ترهبه سلطة، ولم يُغْره منصب، فكان نموذجا لمفكر حق على وطنه أن يخلده، وكنت أقول لنفسى ولغيرى فى معرض الحديث عن التطور الذى لحق بفكر محمد السيد سعيد إنه «محمد سيد أحمد» جيله، كما أن «محمد سيد أحمد» هو «محمد السيد سعيد» فى جيله، فكلاهما نجح فى أن يحتفظ بمنطلقاته الفكرية ونهجه التحليلى دون أن يجعل من أى منهما قيدا بأى حال من الأحوال على حرية فكره، وانطلاقه إلى الآفاق الرحبة لفهم ما يجرى فى الوطن والعالم من حوله.
تمتع محمد السيد سعيد بهدوء لافت فى كل نقاشاته ومساجلاته الفكرية، وأحسب أن هذا الهدوء نتيجة طبيعية لصفاء النفس والتصالح معها، كنت تسمعه فى بداية أى نقاش فيخيل إليك من فرط هدوئه أنه بسبيله إلى أن يقول كلاما عاديا لمجرد سد الفراغ، فإذا بهذا الهدوء ينقلك من فكرة لأخرى حتى يصل بك إلى خلاصة مبهرة. لم أسمع منه يوما شيئا مكررا، وكان معنى هذا أنه لم يكن يتحدث أبدا لمجرد الحديث، وإنما ليقول ما هو جديد ومفيد، وبدا هدوءه وأدبه الجم فى الحوار غير متسقين فى كثير من الأحيان مع المواقف الصارمة غير المهادنة التى كان يتبناها دائما فى كل ما يؤمن به من قضايا، ولهذا لم يكن محمد السيد سعيد أبدا موضوعا لملاسنات ومشاحنات فكرية، إذا جاز التعبير، لأن أطروحاته كانت تتسم دائما بالمنطقية، ناهيك عن أدبه فى طرحها، وهكذا نال السلطة على سبيل المثال ما نالها من مواقفه، لكن أحدا لم يجرؤ على أن يشير إليه بأصابع اتهام أو بشبهة تجريح، بل كانت النتيجة دوما هى الاحترام لشخص لم يخلص إلا لقضيته دون سواها.
لم أختلف معه فى مواقفه الفكرية إلا قليلا، لكننى لم استرح منذ البداية لمشروعه الأخير ــ رئاسة تحرير صحيفة يومية ــ وكان ظنى أن مفكرا بهامة محمد السيد سعيد وطبيعته لم يكن يصلح لمنصب رئيس تحرير صحيفة يومية تحتاج جهدا إداريا فائقا، ودخولا فى تفاصيل لم يتعود عليها، وحرصا على اجتذاب قارئ قد لا يرضيه المحتوى الفكرى الرصين بالضرورة أكثر مما ترضيه أخبار الفن أو الرياضة، وقلقا على التوزيع والإعلانات، وكنت أحسب أن محمد السيد سعيد مطلوب بإلحاح لمشروع فكرى نهضوى رائد يمكن أن تعبر عنه دورية فكرية عميقة تصدر شهريا.
صحيح أن رسالتها لن تصل بالتأكيد إلى المواطن العادى الذى دافع سعيد دوما عن قضاياه، لكن مردودها سوف يكون فى التحليل الأخير لصالحه بالتأكيد.
شغلتنا الحياة فلم نعد نلقى الأحبة والأصدقاء والزملاء إلا فى المنتديات الفكرية، ومناسبات العزاء فى فقد من نعزهم، ولذلك كانت المرة الأخيرة التى التقينا فيها منذ عام كامل تقريبا فى أبو ظبى بمناسبة المنتدى السنوى لصحيفة الاتحاد الإماراتية.
كانت علامات المرض اللعين قد بدأت تظهر عليه، لكنه بدا محتفظا بكامل هدوئه وسكينته مع نفسه، متألقا فى كل ما أدلى به من أفكار أثناء المداولات كعادته، ودار حديث بين بعض الزملاء بعيدا عنه عن مسئولية الدولة فى علاج شخص أعطى للوطن عمره، ولو صح أن الحكومة الفرنسية قد تحملت تكاليف علاجه فى الفترة التى قضاها فى باريس فسوف يكون هذا مصدر خزى لكل مصرى. بدأت ألاحظ بعد ذلك اختفاء إسهاماته الفكرية الثاقبة فى المنابر التى كان يكتب فيها، وكنت متابعا دءوبا لها، وتوجست من هذا نذيرا بسوء ما هو قادم.
لم أكن قد قرأت صحيفة الأهرام صبيحة يوم وفاته قبل أن أغادر منزلى إلى عملى، لكننى علمت بنبأ الوفاة من فيض المشاعر الجميلة التى انسابت عبر شبكة المعلومات يتحدث أصحابها عن أستاذهم ومثلهم الأعلى. لكن المحزن أن الملايين من أبناء مصر البسطاء لا يعرفون بالتأكيد ذلك الابن البار الذى سخر فكره من أجلهم، مع أنهم بالتأكيد يعرفون أدق التفاصيل عن أتفه لاعبي كرة القدم والفن فى مصر، وهم معذورون، فنصفهم على الأقل أمى، وآلة الإعلام الجهنمية تجذبهم بعيدا عن كل ما هو جاد ومثمر، من أجل نصيب أكبر من كعكة الإعلانات التى باتت تعكس أكثر المصالح توحشا.
لكن يقينى غير محدود بأن محمد السيد سعيد لن يكون مجرد شهاب مرق فى سماء مصر بسرعة يشير إليها عمره القصير، وإنما هو أساس صلب من أسس نهضة قادمة وتغيير إلى الأفضل يحلم به الجميع، حتى وإن لم يسمعوا يوما عن إنسان يدعى محمد السيد سعيد، ولد فى مصر، وتربى على أرضها، ونهل من عبقريتها، وصاغ حلما لغد أفضل، يضعه فى موقع الصدارة فى تاريخ هذا الوطن مع أولئك الذين حملوا مشاعل التنوير والنهضة والعدل.