عندما تفجرت ثورة يناير اختار مفجروها من طليعة شباب مصر أن تكون الثورة سلمية، وترتب على هذا أن عنفا لم يُمارس مع خصوم الثورة من رئيس الجمهورية ونخبته على العكس مما حدث فى ثورات وانقلابات أخرى وصل بها عنف أنصارها إلى حدود لا يمكن التسامح معها إنسانيا. كانت سلمية الثورة خيارا استراتيجيا هزم عنف النظام القائم آنذاك وحده.كانت من ناحية أخرى متسقة مع تقاليد حضارية اتسم بها الشعب المصرى عبر القرون، وآخر تجلياتها قبل ثورة يناير الكيفية التى تعامل بها ثوار يوليو 1952 مع خصومهم وعلى رأسهم الملك الذى اكتفى بطرده فيما كان من الممكن أن يقتل أو تعقد له محاكمة ثورية تطيح برأسه لا محالة. وقد ترتب على هذا الطابع السلمى لثورة يناير المطالبة بإعمال القانون القائم ضد مبارك ومعاونيه جزاء لهم على ما ارتكبوه من جرائم بحق الشعب، وكان بمقدورهم ولو نظريا الفتك بهم، أو على الأقل بمعاونى الرئيس السابق، أو المطالبة بمحاكمة ثورية لهم تتسق وشرعية الثورة، لكن هذا لم يحدث وحوكم مبارك أمام القضاء العادى.
●●●
غير أنه منذ تلك اللحظة بدأت نغمة جديدة تسرى فى صفوف قطاعات من الثوار والشعب أضيرت جميعها على نحو بالغ من حكم مبارك، وكان مؤدى ذلك التطور أن هذه القطاعات لا تتصور نتيجة لهذه المحاكمة سوى الإعدام، وهو ما يعنى أن أية عقوبة أخف ــ مهما كانت غليظة ــ بحق مبارك ومعاونيه لن تكون موضع قبول من تلك القطاعات، وكان هذا أول نذير بالمحنة التى سوف يتعرض لها القانون فى مصر الثورة، لأن معناه أن فئات من جماهير الثورة تقول نعم لإعمال القانون بشرط أن تأتى النتيجة على هواها، وهو ما يشير ابتداء إلى العصف بالقانون وفلسفته، وإحداث شرخ خطير فى بنية العدالة المصرية. ثم تحول هذا الاتجاه إلى ممارسة شعبية عادية، ففى كل محكمة يحضر أنصار المتهمين فإذا جاء الحكم بالبراءة صفقوا لهيئة المحكمة، وإن حدث العكس هاجموها. أو يحضر خصوم المتهمين انتظارا لإدانتهم، فإن لم يحدث ذلك أو تأجلت محاكمتهم، أو أُفرج عنهم مؤقتا سادت أعمال الشغب داخل المحكمة وخارجها.
انتشرت الممارسات الشعبية السابقة على نطاق واسع أصبح هو الخطر بعينه، وليس مجرد نذير له، فعندما حدث الشقاق بين محاميى مصر وقضاتها بسبب مواد تخص المحامين فى مشروع قانون السلطة القضائية الذى كان يعد آنذاك قام المحامون المحتجون ــ وهم فى الأول والأخير رجال قانون ــ بمحاصرة المحاكم فى عمل ينتهك القانون على نحو صارخ، ولم يتدخل واحد من عقلاء المحامين وشيوخهم لوضع حد لهذه الممارسة التى يزيد من سوئها أنها تأتى من رجال قانون. وعندما تكررت الجرائم الطائفية بعد الثورة كان الصلح العرفى وليس إعمال القانون هو الآلية المتّبعة فى تسوية تلك القضايا، وإن كانت تلك الممارسة للأمانة سابقة على الثورة. وعلى المنوال نفسه أصبح قطع الطرق بكل تكلفته الإنسانية والاقتصادية العالية وسيلة مهمة لدى أصحاب الحاجات للفت النظر إلى قضاياهم والاستجابة لمطالبهم، وعادة ما كانت هذه المطالب تلبى من قبل السلطات المعنية درءا لمزيد من التكلفة وعدم الاستقرار دون أن يفكر أحد فى إعمال القانون ضد أولئك الذين سببوا ضررا بالغا لمواطنيهم على الصعيدين الإنسانى والمادى.
استمرت الأمور تجرى على هذا النحو حتى وصلنا إلى الانتخابات التشريعية الراهنة لنشهد عجبا، فقد ذهب من تبقّى من الثوار فى التحرير أو بعضهم إلى أن الثورة لا يمكن أن تختزل فى المشهد الانتخابى، وهذا صحيح، لكن المقصود به يثير علامات استفهام كثيرة، وذهب البعض الآخر إلى أن الانتخابات باطلة لأن الداعى إليها ــ أى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ــ لا يتمتع بالشرعية أصلا، فأين كان هؤلاء عندما تقرر إجراء الانتخابات منذ شهور عديدة؟ وألا يمكن اعتبار تدفق الناخبين على صناديق الاقتراع على نحو غير مسبوق فى التاريخ السياسى المصرى المعاصر مصدرا للشرعية؟ ألا يمثل هذا تناقضا مع مطلب الثوار بتسليم السلطة للمدنيين فورا طالما أن الانتخابات خطوة أولى فى تكوين مؤسسات مدنية يمكن تسليم السلطة لها؟
فى عملية الانتخاب نفسها فى مرحلتها الأولى انتهكت النصوص القانونية التى تحرم الدعاية الدينية، ولعبت المساجد دورا وكذلك الكنيسة فى الدعاية السياسية بغض النظر عن تقييم قوة هذه الأدوار ومدى انتشارها، والحق أن هذا الانتهاك لقانون صريح هو فى جزء كبير منه امتداد لانتهاك سابق بكثير للقانون الذى يحظر إقامة الأحزاب على أساس دينى، وكل ما فعلته الجماعات التى تنطوى تحت خيمة التيار الدينى الإسلامى أنها قامت ببعض «الحيل الشرعية» للإفلات من تطبيق القانون عليها، وهى حيل كان من المتصور ألا تخدع لجنة الأحزاب. كذلك انتهكت قاعدة الصمت الدعائى يوم الانتخابات من جميع الأحزاب والمرشحين وإن بدرجات متفاوتة. بل إن اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات ــ وهى لجنة قضائية رفيعة المستوى ــ قد ضربت عرض الحائط ولو حينا بأحكام القضاء الإدارى التى أبطلت الانتخابات فى عدد محدود من الدوائر على رأسها دائرة الساحل بالقاهرة، وكانت الحجة أن اللجنة لم تبلغ بعد بالحكم، وكأننا ما زلنا نعيش فى العصور الوسطى التى انعدمت فيها وسائل الاتصال الحديثة، فكانت مهزلة إجراء انتخابات الإعادة ليوم واحد فى دائرة الساحل لتتوقف فى اليوم الثانى بعد أن كانت اللجنة المشرفة على الانتخابات قد «أُبلغت» بمنطوق الحكم، ويضاف إلى ذلك مخالفات قانونية عديدة عرضت لها فى المقال السابق.
وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فما كاد «الإخوان المسلمون» يطمئنون إلى وضع الأغلبية الذى تمتعوا به فى المرحلة الأولى من الانتخابات ــ ولم تكن هناك أية مؤشرات تفيد بأن هذا الوضع سيختلف جذريا فى المرحلتين المتبقيتين من الانتخابات ــ حتى سارعوا إلى المطالبة بحق تشكيل الحكومة، وبعد أن كان الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى مارس من العام الجارى يمثل فزاعة بيد الإخوان لردع كل من تسوِّل له نفسه أن يطالب بالدستور قبل الانتخابات بحجة أن هذا يمثل التفافا على إرادة الشعب بموجب الاستفتاء الذى أقر التعديلات الدستورية بأغلبية كبيرة إذا بهم يضربون عرض الحائط بالإعلان الدستورى الذى يحكم الحياة السياسية فى مصر الآن، ذلك أن المادة 56 من هذا الإعلان تنص صراحة فى البند السابع منها على أن «تعيين رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم وإعفاؤهم من مناصبهم» يأتى صراحة ضمن سلطات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ويحسن الإخوان صنعا بالتراجع عن هذا المطلب الذى تمثل الاستجابة له فى حد ذاتها انتهاكا صارخا للإعلان الدستورى.
●●●
آن الأوان لمصر الثورة إذن بكل ألوان طيفها السياسى أن تحترم القانون، وأن تخرجه من محنته، وقد يتطلب هذا ثورة شاملة فى المنظومة القانونية المصرية أو الاكتفاء بإصلاح هذه المنظومة، بعبارة أخرى فإن لدينا بديلين لا ثالث لهما لتعزيز كيان الدولة وحقوق المواطنين: إما إصلاح المنظومة القانونية المصرية كى تكون ملائمة لمصر الثورة، وإما التغيير الشامل لهذه المنظومة الذى يسبغ عليها صفة الثورية بما يجعلها تمثل ركنا أساسيا فى البناء الجديد، وسوف يكون عدم أخذنا بأيهما نذير شؤم لمستقبل مصر الثورة.