لاهوت تحرير فلسطين - جورج فهمي - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 2:40 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

لاهوت تحرير فلسطين

نشر فى : السبت 16 نوفمبر 2024 - 7:20 م | آخر تحديث : السبت 16 نوفمبر 2024 - 7:20 م

يشير تعبير لاهوت التحرير إلى قراءة للنصوص الدينية المسيحية تعلى من قيم العدالة الاجتماعية للمهمشين اجتماعيا والتحرر السياسى للشعوب المضطهدة. نشأت أفكار لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينية منتصف القرن الماضى، ومن أهم رموز هذا التيار هو الأب جوستافو جوتيريز من بيرو. دان جوتيريز الظلم الاجتماعى واستغلال الفقراء من قبل الطبقات الغنية. ولا يقتصر دور لاهوت التحرير فقط على تشخيص المشكلة، بل يؤكد على دور رجال الدين والكنيسة فى تحقيق العدالة للفقراء والمضطهدين. صاغ جوتييريز، تلك الأفكار فى كتابه الشهير «لاهوت التحرير» الذى نشر عام 1971. لم يقتصر لاهوت التحرير على الكنيسة الكاثوليكية، بل تبنت أصوات إنجيلية ذات الأفكار. رفضت تلك الأصوات الدينية، كاثوليكية كانت أو إنجيلية، أن يقتصر دورها على الرعاية الدينية، وأكدت على المسئولية الاجتماعية للمؤسسات الدينية تجاه الشعوب التى ترعاها.
جاء لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينية كرد فعل من رجال الدين المسيحى تجاه تفاقم الفقر والظلم الاجتماعى فى تلك المجتمعات، لكنه انتشر فى مناطق أخرى من العالم عانت من أشكال مختلفة للظلم والاضطهاد، فظهر لاهوت تحرير السود فى الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، وكذلك ظهرت أصوات للاهوت التحرير فى الهند وكوريا الجنوبية، حتى وصلت هذه الأفكار إلى فلسطين. فعمل رجال دين فلسطينيون على ربط رسالة الإنجيل بواقع الفلسطينيين فى الأراضى المحتلة. دانت أصوات لاهوت التحرير الفلسطينى الاحتلال الإسرائيلى، وساندت مقاومة الشعب الفلسطينى وأكدت على حقه فى الاستقلال الوطنى. وجاء صعود لاهوت التحرير الفلسطينى متزامنا مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، حيث وفرت تلك الانتفاضة مناخا ملائما لصعود تلك الأفكار وانتشارها، وهو ما حدا بالكثيرين إلى اعتبار لاهوت التحرر الفلسطينى جزءا من حركة التحرر الوطنى.
• • •
ومن أهم رموز لاهوت التحرير الفلسطينى هو الكاهن الإنجيلى نعيم عتيق. ولد عتيق فى قرية بيسان الفلسطينية عام 1937، وعمل فى كاتدرائية القديس جاورجيوس فى القدس. حصل عتيق على درجة الدكتوراه فى اللاهوت من مدرسة سان فرانسيسكو اللاهوتية عام 1985. أسس نعيم عتيق مركز السبيل للاهوت التحرير المسكونى فى القدس، كما أن له العديد من المؤلفات مثل كتاب «العدالة والعدالة فقط، لاهوت فلسطينى للتحرير»، الصادر عام 1989، ويتناول فيه الصراع على فلسطين ويحلل الأبعاد السياسية والدينية واللاهوتية لهذا الصراع. كما أصدر فى عام 2008 كتاب صرخة مسيحية فلسطينية من أجل المصالحة وكتاب لاهوت التحرير الفلسطينى عام 2017. ينادى عتيق فى كتاباته وأحاديثه الصحفية بضرورة أن تقوم الكنيسة وقادتها الروحيين بالدفاع عن الحق والتصدى للاستعمار الصهيونى فى فلسطين.
رمز آخر من رموز هذا التيار هو البطريرك ميشيل صباح، رئيس أساقفة اللاتين فى القدس. ولد صباح فى مدينة الناصرة عام 1933. تم تعيينه فى ديسمبر 1987 بطريرك للقدس من قبل بابا الفاتيكان ليكون بذلك أول عربى يتولى هذا المنصب منذ أكثر من 500 عام. ليعود صباح إلى القدس وسط انتفاضة الشعب الفلسطينى الأولى. انحاز صباح للشعب الفلسطينى، فاستحق لقب «بطريرك الشعب». ساند صباح انتفاضة الشعب الفلسطينى الأولى. وأكد أن الشعب الفلسطينى له الحق فى الثورة على الاحتلال. يقول صباح: «أنا راعى مسيحى ومسئول عن رعية ومسئولية الراعى المسيحى مسئولية شاملة للإنسان. فإذا تعرض الإنسان للظلم فى ظل الاحتلال، فرفع هذا الظلم هو مسئوليتى أنا أيضا. وهو يؤكد دوما: «أنا أقف مع الشعب الفلسطينى ليس لأنى فلسطينى، لكن لأنى إنسان، ولأنى مسيحى، ولأنى مؤمن بكرامة كل إنسان».
اليوم، فإن أكثر الأصوات المعبرة عن أفكار لاهوت التحرير الفلسطينى هو القس مترى الراهب. ولد الراهب فى بيت لحم، ونال شهادة الدكتوراه فى اللاهوت من جامعة ماربورج فى ألمانيا عام 1988. وعمل مترى الراهب راعيا لكنيسة الميلاد الإنجيليّة اللوثريّة، ورئيسا لمجمع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية فى الأردن والأراضى المقدسة. يقول الراهب إن من يقرأ الكتاب المقدس بعيون اللاهوت لابد أن يرى فى الكتاب المقدس نوعا من أدب المقاومة والتحرر. فالكتاب المقدس يدعو للتحرر وللعدالة وليس للاضطهاد والاستعمار. لم يتوقف نشاط مترى الراهب على صناعة الأفكار، بل تجاوز ذلك إلى بناء مؤسسات تحمل تلك الأفكار وتنشرها. فقرر تأسيس جامعة دار الكلمة، وهى جامعة فلسطينية متخصصة بالفنون والثقافة. ويرى الراهب أن الحفاظ على هوية الفلسطينية يمر عبر الفن. فكان هذا الارتباط بين الفنون وأفكار لاهوت تحرير فلسطين. واستخدام الفنون كأداة للتعبير عن الهوية والتغيير المجتمعى.
• • •
اجتمع كل من نعيم عتيق وميشيل صباح ومترى الراهب وأصوات مسيحية فلسطينية أخرى من المؤمنين بأفكار لاهوت التحرير الفلسطينى فى 2009 لإطلاق وثيقة كايروس فلسطين وعنوانها الكامل هو «لحظة حقيقة: كلمة إيمان وأمل ومحبة من قلب المعاناة الفلسطينية».
استغرق إعداد الوثيقة أكثر من عام قبل أن تصدر فى مؤتمر دولى عقد فى بيت لحم. طالبت الوثيقة المجتمع الدولى بوقفة حقّ تجاه ما يواجهه الشعب الفلسطينى من ظلم وتشريد ومعاناة وتمييز عنصرى. وتوجهت الوثيقة أيضا إلى كلّ الكنائس والمسيحيّين فى العالم مطالبة إياهم بالوقوف ضد الظلم والتمييز العنصرى داعين إيّاهم إلى إعادة النظر فى أى قراءة دينية تبرر الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطينى وطرده من وطنه وسرقة أرضه. كما تؤكد الوثيقة على أن الاحتلال العسكرى لفلسطين هو خطيئة ضدّ الله والإنسان وأنّ اللاهوت الذى يبرّر هذا الاحتلال هو لاهوت تحريفى وبعيد عن التعاليم المسيحيّة حيث إن اللاهوت المسيحى الحق هو لاهوت محبّة وتضامن مع المظلوم ودعوة إلى إحقاق العدل والمساواة بين الشعوب. وتؤكد كايروس فلسطين أن الحل الوحيد من أجل إقرار السلام هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلى للأرض الفلسطينية وكلّ أنواع التمييز العنصرى وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. فإنهاء الاحتلال شرط أساسى لإنهاء المقاومة الفلسطينية، وليس العكس. فإذا لم يكن هناك احتلال فلن تكون هناك مقاومة، ولا خوف، ولا انعدام أمن.
خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطينى منذ السابع من أكتوبر من العام الماضى، ارتفعت أصوات لاهوت التحرير الفلسطينى لرفض العدوان الإسرائيلى. استضاف منتدى البدائل العربى للدراسات مترى الراهب فى ندوة عن دور المؤسسات الدينية العربية فى مواجهة العدوان الإسرائيلى الأخير على غزة. وأشار مترى خلال الندوة إلى أن الصراع ليس فقط على الأرض، لكنه أيضا صراع على الرواية. والصراع على الرواية قد يكون أهم من الصراع على الأرض. وشدد الراهب على دور المؤسسات الدينية المسيحية فى مواجهة الرواية الإسرائيلية وخاصة تفنيد استعمالها لنصوص العهد القديم من أجل تبرير مشروعها الاستعمارى على أرض فلسطين.
لاهوت التحرير الفلسطينى هو مشروع بدأ مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى وما زال يتطور، وهو يكسب كل يوم أرضا وأنصارا جدد. بل وصارت كتابات رموزه تدرس اليوم فى آسيا وإفريقيا وأمريكا. تقف تلك الأصوات المسيحية فى مواجهة أفكار الصهيونية المسيحية فى الولايات المتحدة، والتى ترى فى دعم إسرائيل واجبا دينيا. تستغل إسرائيل أفكار الصهيونية المسيحية لتعضيد مشروعها الاستعمارى، بينما تقف أصوات لاهوت تحرير فلسطين مقاومة لتلك السردية. إن المقاومة فى فلسطين لا تقتصر فقط على مقاومة احتلال إسرائيل للأرض، بل تمتد أيضا إلى مقاومة سعيها للتلاعب بالنصوص الدينية وتطويعها لصالح سياستها الاستعمارية فى فلسطين. وكما تقف المقاومة الفلسطينية فى مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلى، فإن لاهوت التحرير الفلسطينى يقف هو الآخر فى مواجهة السردية الدينية اليهودية التى يسعى الاحتلال إلى ترويجها داخل الأوساط المسيحية فى الشرق والغرب.

مدير بحوث بمنتدى البدائل العربى

جورج فهمي مدير بحوث برنامج التحولات السياسية بمنتدى البدائل العربي ببيروت
التعليقات