حصاد الثورة وأولوياتها - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:03 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

حصاد الثورة وأولوياتها

نشر فى : الخميس 17 فبراير 2011 - 9:42 ص | آخر تحديث : الخميس 17 فبراير 2011 - 9:42 ص

 يا الله!... من كان يتصور منذ شهر واحد إمكانية الخروج من النفق المظلم للركود والظلم والفساد إلى الآفاق الرحبة للتقدم والعدل والحرية؟ صنعها شباب مصر الرائع الذى خطط ولم يكن يملك سوى حلمه بحياة أفضل للمصريين ومكانة تليق بوطنه. وإذا كان الفضل للشباب الذين مثلوا طليعة الثورة فإن الغضب المكبوت لدى الشعب المصرى ــ باستثناء الفئة التى حاولت الإجهاز على الوطن وتمزيقه إربا كى تواصل نهجها المنظم وفسادها المطلق ــ قد مثل قاعدة القوة الأساسية للثورة، بالإضافة إلى الموقف التاريخى وإن يكن المتوقع للقوات المسلحة المصرية من الثورة.

لا يعرف أحد تاريخيا على وجه اليقين متى تنفجر شحنة الغضب لتحدث التحول المطلوب إلى حالة نوعية أرقى، وأنا شخصيا كاد اليأس يتملكنى من إمكان إدراك أولئك الذين يقومون بحركات احتجاجية ــ على مستوى مصنع أو إدارة حكومية أو ما إلى هذا ــ أن خلاصهم الحقيقى يكمن فى إنقاذ الوطن ككل، خاصة أن القائمين عليه فى ذلك الوقت قد بلغ بهم الصمم والعمى، ناهيك عن المصالح الشخصية، درجة من الغرور حتى تصوروا أن كل القوانين التى تحمل المزيد من الظلم الاجتماعى يمكن أن تمرر وتطبق دون اعتراض من أحد، وأن التزوير الكامل لانتخابات مجلسين تشريعيين ممكن دون أن يجرؤ أحد على رفع رأسه. وبالتالى أصبح الإصلاح مستحيلا، وها نحن الآن نجنى الثمار المرة لتلك السياسات بعد ثلاثة عقود كاملة من عمر الشعب المصرى.

المقدمة السابقة قد تبدو عاطفية، ولكنها تعكس اعتزاز كل مصرى بثورته، واحترامه لمفجريها والقوة الداعمة لها. فلقد أعادت مصر اكتشاف نفسها وفقا لمقولة للدكتور جلال أمين فى إحدى الفضائيات، ومن ضمن الاكتشافات أن التفاهة ليست قدرا على الشعب المصرى، فمفجرو الثورة من الشباب كان البعض ينظر إليهم باستخفاف باعتبارهم أبناء الثورة الاتصالية الراهنة الذين ذابوا فى العولمة، فإذا بهم يكشفون عن أرقى درجات الانتماء الوطنى، ويكتشفون أن المسلمين والأقباط فى مصر هم ببساطة مصريون، ولا داعى لتكرار المظاهر الرائعة الدالة على ذلك إبان أحداث الثورة، والتى لا شك أن كلا منا قد عايشها أو على الأقل قرأها، وتاه فخرا بها بعد أن سادت بيننا فئات من ذوى الفكر المريض على الجانبين لا هم لها إلا التأصيل للفرقة، واكتشفنا جميعا أن مستقبل مصر ليس بيد تلك الوجوه الشوهاء التى وزعت نفسها بين مناصر لمبارك فى انتخابات الرئاسة القادمة ومؤيد لابنه جمال، وكأننا قد ألقينا بالروح الجمهورية فى غياهب الجب.

اعتزاز بلا حدود بما تحقق، ولا أنكر أنه ممزوج بخجل قاتل من أبناء جيلى الذى فشل لعقود فى أن يجسد الحلم الذى حققه جيل شباب مصر وشعبها فى أيام، ولا أدرى هل يعود ذلك إلى خلل فى «الجينات» لدى جيلى الذى تعرض لموجات متلاحقة من الاضطهاد والقمع؟ أم أنه يعود إلى أن الفساد والاستخفاف بمصائر العباد والنظر إلى الوطن باعتباره «عزبة» تملكها أسرة وتغدق منها على المقربين ــ قد بلغ ذروة غير مسبوقة جعلت الثورة حتمية؟ لكن إمعان النظر فى صياغة مستقبلنا أصبح واجبا منذ نجاح الثورة. وثمة أولويات ثلاث فى هذا الصدد أولاها الانتقال بالوطن من حالة الأزمة إلى الحالة الطبيعية.

هناك أولا مهمة «إزالة آثار عدوان» النظام السابق على الثورة ويمكن أن يتم ذلك بتكريم الشهداء، وضمان عدم ملاحقة قادة الثورة، والفصل بأقصى سرعة ممكنة فى أوضاع المعتقلين منهم، والإفراج الفورى عن كل من تثبت أن «تهمته» الوحيدة هى المشاركة فى الثورة.

كما أن خطوات محددة لابد وأن تتخذ تجاه مؤسسات النظام القديم وكيفية التعامل معها فى ظل الأوضاع الجديدة، وهو ما بدأ يحدث جزئيا بالفعل. وبالمناسبة فإننى لست من المتعجلين فى حالتنا هذه. قد يطول الانتظار بعض الشيء، خاصة أن الموقف كان مفاجئا للجميع، وكل ما يتمناه المرء أن يستعين المجلس العسكرى الأعلى فى مناقشة كل قضية وتبنى موقف منها بعدد من الكفاءات ذات الخبرة العملية العميقة والمعرفة العلمية، وهو ما أجزم أنه يتم بالفعل، وإن كنت أشدد على تنويع نطاق المشاورات إن لم يكن الأمر كذلك، وأن يطمئن المجلس إلى أن ما يصل إليه هؤلاء يمثل توافقا وطنيا.

تأتى بعد ذلك أولوية ثانية غاية فى الأهمية، وهى إعادة دمج الشرطة فى المنظومة الأمنية. لقد ارتكب أفراد فى جهاز الشرطة أخطاء فادحة بلا جدال، سواء بسبب السياسات المتبعة أو الأوامر المملاة، بالإضافة إلى أن البعض منهم قد سولت له نفسه أن يفعل بالعباد ما يشاء استنادا إلى منصب يتصور أنه سوف يعصمه من السقوط. ولابد فى هذا السياق من فضح السياسات القديمة وأساليبها، وأن تجرى التحقيقات والمحاكمات الواجبة بسرعة بالغة حتى تهدأ النفوس. ولابد بعد ذلك من الإعلان عن سياسة شرطية جديدة تبعد معها قدر المستطاع مسئولية الأمن السياسى عن الشرطة، وإنما تصبح الشرطة مسئولة عن تأمين المظاهرات فى ظل نظام ديمقراطى جديد يعترف بحق التظاهر وينظمه. ويجب أن يكون الشعب والشرطة والجيش يدا بيد فى هذا النظام الجديد، فلا توجد دولة بلا جهاز شرطة قوى وفعال، وإنما العبرة بعدم الخروج عن المنظومة القانونية والإطار الديمقراطى وإلا وجب العقاب الفورى. وينطبق هذا بالمناسبة على الأمن السياسى، فلا توجد دولة بدون إدارة للأمن السياسى، وإنما الضرورى فى النظم الديمقراطية أن تقوم بعملها فى إطار القانون بحيث يتم الحساب الرادع والعقاب الواجب فور وقوع أى تجاوزات.

أما الأولوية الثالثة فتنبع من أن الدولة المصرية يبدو وكأنها تتفكك لسببين أولهما استمرار الوضع الأمنى الخطير فى بعض المناطق نتيجة لسياسات خاطئة سابقة امتدت طيلة العقود الثلاثة الماضية، أما السبب الثانى فيشير إلى ثورة التوقعات التى فجرتها ثورة 25 يناير، فخرجت فئات هائلة العدد تطالب بحقوقها. ولا شك أن لدى هؤلاء حقا فى مطالبهم لما نعرفه عن أصحاب «الفكر الجديد» الذين تجاهلوا اعتبارات العدالة الاجتماعية تماما، وأوجدوا نظاما شديد الاختلال للأجور داخل المؤسسة الواحدة، وقوانين للعمل لا تتناسب مع واقعنا على الإطلاق وما إلى هذا.

غير أن الحل الوحيد لجميع هذه المطالب لا يمكن أن يكون جزئيا، وإنما يجب أن تتغير فلسفة النظام وتوجهاته وسياساته، وهو ما كان مستحيلا فى النظام القديم الذى لم يكن يجد شيئا يستحق المراجعة أو حتى النقاش.

هذا ما يمكن قوله الآن قبل الدخول الواجب فى التفاصيل، لكن هذا كله يتطلب أن نتوقف عند أسلوب تعامل النظام القديم مع الشعب، فالرئيس السابق لم يخاطب شعبه أو يحاول إقناعه بقضية عبر الخطب غير المكتوبة وفى المناسبات الجماهيرية الحقة عكس سابقيه (عبدالناصر والسادات) اللذين كان أولهما يعتمد اعتمادا أساسيا على علاقته المباشرة بالشعب فيما حاول الثانى على الأقل أن يشرح سياساته ومبرراتها عبر خطب وأحاديث عديدة، ولذلك فإن المرء يتمنى على المجلس العسكرى الأعلى أن يتبع أسلوب الحوار المباشر مع الشعب سواء من خلال أحد أعضائه أو بعض من يستعين بهم، ولعلنا بعد ذلك نستطيع أن ندخل فى تفاصيل لم يكن الحديث عنها مسموحا به فى السابق ناهيك عن مناقشتها. ولتسلمى يا مصر دوما من كل سوء.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية