ما بين بداية عام 2009 ونهايته بدا النظام العربى فى حال يرثى لها. بدأ هذا العام باستقطاب سياسى حاد حول العدوان الإسرائيلى على غزة، الذى وقع فى الأيام الأخيرة من العام المنصرم، واستهلك حوالى ثلث شهر يناير فى عمليات قتل للفلسطينيين وتدمير لكل ما طالته يد العدوان من رموز للعمران.
أخذ الاستقطاب شكل الهجوم الشديد من قبل «قوى الممانعة» العربية على السياسة المصرية تجاه العدوان، كما تجسدت فى ضوابط فتح معبر رفح وإغلاقه أمام مرور الأفراد والمساعدات الداخلة إلى القطاع، ومن هنا ثابر النظام العربى ــ أو قوى «الممانعة» فيه ــ على الوقوع فى هذه المعضلة دون إيجاد حل لها.
صحيح أن فتح معبر رفح على مصراعيه دون قيد أو شرط كان من الممكن أن يحل المشكلة الإنسانية التى ترتبت على العدوان، لكن مواجهة العدوان كانت تتطلب ما هو أكثر من ذلك بكثير، وهو أن يكون النظام العربى قادرا على بناء رادع استراتيجى لإسرائيل يمنعها من العدوان أصلا على أى أرض عربية، ويجبرها على التوقف عنه إن وقع، ولما كانت السياسة المصرية فى هذا الصدد شديدة الوضوح منذ وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل فى 1979 فإن الكرة كان من الواجب أن تنتقل إلى معسكر قوى «الممانعة»، التى لم تقدم للمعتدى عليهم فى غزة شيئا يختلف فى طبيعته عما كانت دول الاعتدال تعلن عن تقديمه، فقد اشترك الفريقان فى إدانة العدوان وإن بألفاظ أشد فى حالة قوى الممانعة، واشتركا فى الحديث عن إعمار غزة بوعود وإن كانت أكثر سخاء من قبل قوى الممانعة، غير أن هذه الأخيرة مثلا لم تعلن عن دعم فعلى للمقاومة فى غزة ولو من قبيل ذر الرماد فى العيون، وهكذا بقى النظام العربى ــ أو قوى «الممانعة» فيه ــ يدور داخل هذه الحلقة الاستراتيجية المفرغة، فلا هو راضٍ عن السياسة المصرية إزاء تهديدات الأمن القومى العربى ولا هو قادر على توفير بديل استراتيجى حقيقى لهذه السياسات.
بلغ الانقسام ذروته بدعوة الدوحة إلى قمة استثنائية يسمح بها بروتوكول دورية القمة إن هى اكتسبت تأييد ثلثى الدول الأعضاء فى جامعة الدول العربية (أى بموافقة خمس عشرة دولة على الأقل).
وكان الوجه الإيجابى لهذه الدعوة أن مؤسسة القمة قد عطلت فى أعقاب احتلال العراق 2003، فلم تجرؤ دولة عربية واحدة على إثارة الفكرة أصلا، ثم وقع العدوان الإسرائيلى على لبنان فى 2006 فدعت اليمن إلى قمة استثنائية لم تحصل على الأغلبية المطلوبة على الرغم من استمرار العدوان لمدة تزيد على الشهر، وانتهى الأمر بسحب اليمن دعوتها بعد أن رأت أن الجدل حولها يزيد من انقسام الدول العربية ولا يخففه. فى هذه المرة ــ أى العدوان على غزة ــ أخذت الدوحة مكان صنعاء وبادرت بالدعوة لقمة استثنائية لم تحصل بدورها على الأغلبية المطلوبة بعد أن دخلت دول الاعتدال معركة حياة أو موت من أجل عدم انعقادها فعقدت كقمة تشاورية، لكن اللافت أنها كما سبقت الإشارة لم تفض إلا إلى مواقف لفظية أشد ووعود أكثر سخاء بالمساهمة فى إعمار غزة بعد توقف العدوان، وربما كان الشىء العملى الوحيد، الذى ترتب على قمة الدوحة هو إغلاق السفارة الإسرائيلية فى نواكشوط بعد أن بقيت هناك لسنوات فى مفارقة واضحة لاتجاهات الرأى العام الموريتانى ومواقفه من القضية الفلسطينية.
هكذا بدا المشهد العربى فى أول العام الحالى: عراك عربى ــ عربى حاد فى مواجهة عدوان إسرائيلى على جزء من الأراضى العربية حتى ليكاد المرء أن يتصور أن الأصل فى الموضوع هو هذا العراك وليس العدوان الذى كان يهدف ــ وفشل فى ذلك ــ إلى تغيير المعادلة السياسية الإستراتيجية فى غزة. لكن المحزن كما سبقت الإشارة أن العراك لم يكن بين معسكر فعال ومعسكر خامل وإنما انتهى الأمر برمته إلى لا شىء، فاكتفى الممانعون بلوم السياسة المصرية، واكتفى المعتدلون بتكرار مقولاتهم الدبلوماسية التى تؤخر ولا تقدم واستمر العدوان إلى أن توقف بفعل صمود المقاومة قبل ولاية الرئيس الأمريكى الجديد مباشرة.
لا بأس بعد ذلك من القفز قفزة واسعة إلى نهاية العام لنستحضر دون تكرار تفاصيل معروفة للجميع تلك الأزمة المحبطة بل والمهينة التى ألمت بالعلاقات المصرية ــ الجزائرية فى أعقاب مباراتين بين المنتخبين الوطنيين لكرة القدم فى البلدين كى يتأهل أحدهما إلى نهائيات كأس العالم المقبلة. فى تلك الأزمة كما يعلم الجميع تُركت القيادة للممارسات الغوغائية والمهاترات الإعلامية، فلما استيقظت القيادات السياسية فى البلدين على هول ما وقع بسبب تقاعسها إن لم يكن تواطؤها كانت الأزمة قد ألحقت ما ألحقته من ضرر ــ قد يستغرق إصلاحه وقتا ــ بالعلاقات بين البلدين فضلا عن علاقة مصر بقطاعات واسعة من الرأى العام العربى بسبب انتهاز خصوم العروبة الفرصة ــ كما تعودنا فى تلك الأزمات ــ لمحاولة الإجهاز على انتماء مصر العربى، وكان من بين هؤلاء للأسف من يشغلون أدوارا مهمة فى نظام الحكم أو يقودون الرأى فيه.
بين تلك البداية وهذه النهاية بذلت جهود حقيقية لإنجاز مصالحة عربية كان واضحا من الوهلة الأولى أن قطبها الأول هو العاهل السعودى الذى دعا إلى هذه المصالحة فى قمة الكويت الاقتصادية والاجتماعية التى عقدت بعد توقف العدوان الغاشم على غزة مباشرة فى يناير 2009، واستضاف على مائدته زعماء العرب المتناحرين لكن لقاء المائدة لم يكن كافيا فانعقدت قمة رباعية للمصالحة فى مارس فى الرياض بحضور العاهل السعودى والرئيسين المصرى والسورى وأمير دولة الكويت لـ «طى صفحة الماضى والتوصل إلى نهج جديد للسياسات العربية»، غير أن غياب أمير قطر عن حضور القمة والتطورات، التى لحقتها كانت دليلا على أن عملية المصالحة العربية لم تنجز بالكامل على الرغم من تفاؤل وزير الخارجية السعودى، الذى كان قد أعلن فى الشهر السابق على انعقاد القمة أن الخلافات العربية قد «دفنت».
غير أن العاهل السعودى واصل طريقه بدأب فى اتجاه إنجاز واحدة من أهم المصالحات فى النظام العربى وهى المصالحة السعودية ــ السورية التى سبقتها اتصالات عديدة على المستوى دون القمة ثم توجت فى النهاية بالقمة السورية ــ السعودية فى أكتوبر، ويضاف إلى هذا المصالحة السعودية الليبية التى جرت فى قمة الدوحة فى مارس بالإضافة إلى الحفاظ على مستوى العلاقات مع مصر والأردن. وبغض النظر عن الجهد السعودى فى هذا الصدد لم يخل سجل النظام العربى من مصالحات أو مشروعات مصالحات أقل محورية فى النظام كزيارة الرئيس الفلسطينى للرئيس السورى فى مايو، وزيارة أمير قطر للأردن فى يونيو.
لكن المتأمل فى هذه المصالحات سوف يلاحظ على الفور أنها لم تؤد إلى إعادة بناء حقيقية للنظام العربى، خاصة أن مصر بقيت خارجها فى ظل استمرار توتر علاقاتها مع سوريا وقطر، وأنها ــ كما فى الحالة السعودية ــ السورية على سبيل المثال ــ كانت أقرب إلى التسويات منها إلى بناء تحالفات جديدة، فلم يشعر المواطن العربى بمردود هذه المصالحة إلا على لبنان الذى سارت عملية تشكيل حكومته بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة سير السلحفاة، كما أن بعضها ــ كما فى الحالة الليبية ــ السعودية ــ كان فى واقع الأمر مصالحة بطعم الصراع أكثر منه فتحا لآفاق جديدة فى العلاقات.
بل إن النظام العربى شهد فى هذا العام إنعاشا لصراعات عربية ــ عربية قديمة كان البعض يراهن على اختفائها بعد تغير الأوضاع فى أحد أطرافها، ونخص بالذكر فى هذا الصدد توتر العلاقات الكويتية ــ العراقية بسبب قضية التعويضات، وهو التوتر الذى أدى فى شهر يونيو إلى مطالبة نواب كويتيين بسحب السفير الكويتى من العراق وتهديد وزير عراقى بالمطالبة بإعادة ترسيم الحدود، كذلك أطل النزاع السورى ــ العراقى من جديد بوجهه بعد أيام قليلة من التوصل إلى مجلس للتعاون الاستراتيجى بين البلدين فى أغسطس الماضى على خلفية اتهام رئيس الوزراء العراقى لسوريا بالضلوع فى عمليات التفجيرات الدامية واسعة النطاق التى شهدها ذلك الشهر، وقيل إن السبب الأصيل فى حدة الاتهام العراقى والتهديد بتدويل الخلاف مع سوريا هو ما وصل إلى علم النظام العراقى بخصوص دور سوريا فى تسهيل لقاء مسئولين أمريكيين بجماعة حزب البعث التى يقودها عزت الدورى نائب الرئيس العراقى صدام حسين. وكان المعنى الخطير لهذا كله أن الصراعات العربية ــ العربية تمتلك بنية ذاتية خاصة بها تستعصى على المحاولات الخارجية للتخفيف منها، وهو ما أثبت أن القبضة الأمريكية القوية على الوطن العربى لم تفلح فى كبح الصراع بين وحداته حتى تلك التى تتسم بالعلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأضيف إلى هذه الخلافات للأسف خلاف جديد لم يكن فى الحسبان بين مصر والجزائر على خلفية ملابسات مباراتى كرة قدم (!) فى إشارة إلى الدرك الأسفل الذى وصلت إليه التفاعلات داخل النظام العربى، ووصل الأمر إلى استدعاء السفير المصرى من الجزائر كما هو معلوم.
لم يخل سجل النظام العربى من «التحالفات» بطبيعة الحال، غير أنها كانت محدودة وغير مجدية وإن بقيت لها دلالتها على إمكان إحياء التنسيق العربى، وكان من أهمها التحالف السعودى ــ اليمنى فى مواجهة خطر الحوثيين وبالذات اعتبارا من شهر نوفمبر، والتنسيق العربى الواضح فى معركة انتخاب مدير عام لليونسكو، غير أن مشكلة الحوثيين لم تحل ولا فاز العرب بالمنصب الرفيع.
وجنبا إلى جنب مع هذا كله استمر تعرض عديد من الأقطار العربية لخطر التمزق أو على الأقل عدم الاستقرار كما فى الصومال التى بقيت على حالها، والسودان التى واجهت وستظل تواجه استحقاقات العلاقة بين الشمال والجنوب ومشكلة دارفور، وفلسطين التى بدت الآفاق مسدودة فى وجه المصالحة بين المشروعين المتناقضين لفتح وحماس، واليمن التى تواجه خطرا ثلاثيا حقيقيا من القاعدة والحراك الجنوبى والحوثيين دون نجاح حاسم فى القضاء على أى من مصادر الخطر.
ينهى النظام العربى إذن عامه كما بدأ أوله حيث تبدو حبات العقد منفرطة وإن فى مجموعات هنا أو هناك، بل لقد طال الانقسام عديدا من وحداته كل على حدة فى الوقت الذى تواصل فيه إسرائيل مخططها المحموم لاستكمال تهويد القدس، وتثابر كل من إيران وتركيا على كسب مواقع داخل النظام، وهو الأمر الذى بات يهدد صيغة النظام العربى ذاته وبقاءها بعد أن نجح هذا النظام غير مرة فى وأد محاولات فرض الشرق أوسطية عليه. لكن شرق أوسطية 2009 نبعت من داخل المنطقة، وتبنت بعض أهداف النظام، وشاركت فيها إحدى قواه الفاعلة. فهل يكون العام القادم هو عام الوداع؟ أم أن النظام العربى سوف يكون قادرا على الإتيان «بمفاجآت» تنقذه طالما أن مجريات الأمور فيه لا تنبئ بخير؟