فى الثامن من شهر فبراير الجارى أعلن تشكيل المجلس القومى لحقوق الإنسان فى دورته الثالثة. تضمن التشكيل تغييرا فى عضويته شمل نحو ثلث أعضاء المجلس.. ومثّل هذا عملا غير مسبوق، لأن تشكيل المجلس فى دورته الثانية لم يتغير فيه إلا الناشط الحقوقى البارز بهى الدين حسن وكاتب هذه السطور بناء على طلبهما لاعتبارات رأيا أنها تحد من قدرتهما على الوفاء بمهمتها فى المجلس. بعض جوانب هذا التشكيل كان منطقيا كإحلال الأستاذين مكرم محمد أحمد وحمدى خليفة محل الأستاذين جلال عارف وسامح عاشور على اعتبار أن عضوية المجلس فى هذه الحالة تمنح للنقيب وليس للشخص، وبعضه الآخر كان إيجابيا بمعنى الإبقاء على عناصر مستقلة ومعارضة داخل المجلس، غير أن المفاجأة الحقيقية تمثلت فى خروج الدكتور أحمد كمال أبوالمجد ــ نائب رئيس المجلس فى دورتيه الأولى والثانية ــ من التشكيل الثالث.
ولكى ندرك مدى أهمية خروج شخصية بوزن الدكتور أبوالمجد من المجلس قد يكون من المناسب الإشارة ــ بحكم تجربتى فى عضوية المجلس فى دورته الأولى ــ إلى أن تقسيما معينا للعمل كان قد استقر داخل المجلس بالنظر إلى ظروف رئيسه الدكتور بطرس غالى، الذى يضطر لقضاء أوقات طويلة أحيانا خارج مصر بحكم التزاماته الدولية، وفى هذه الأوقات كان الدكتور أبوالمجد هو الرئيس الفعلى للمجلس، وإن تشاور بطبيعة الحال على الدوام مع الدكتور غالى عندما يكون المجلس فى صدد اتخاذ مواقف مهمة فى قضايا حساسة. كذلك بدا أن الدكتور أبوالمجد أكثر تركيزا على نشاط المجلس فى متابعة حقوق الإنسان المصرى، بينما كان الدكتور بطرس غالى أكثر اهتماما بعلاقات المجلس الدولية، دون أن يعنى هذا أن الدكتور أبوالمجد لم يكن يهتم بهذه العلاقات أو أن الدكتور بطرس غالى لم يكن يتخذ مواقف من القضايا الداخلية.
بالإضافة إلى ذلك تميز أداء الدكتور أبوالمجد بالمواقف الجريئة والصلبة داخل اجتماعات المجلس وخارجها إزاء قضايا حقوق الإنسان المصرى، ونجح فى أن يفعل ذلك دون أن يجعل من المجلس «خلية ثورية» غير منضبطة، انطلاقا من الفهم السليم لدور المجلس إذا قورن بمنظمات حقوق الإنسان الأخرى.. فبينما ركزت هذه المنظمات على كشف انتهاكات حقوق الإنسان فى الساحة المصرية، كان الدكتور أبوالمجد ضمن أولئك الذين يشعرون بأن العبرة فى عمل المجلس ليست بعلو نبرات صوته، وإنما بقدرته على تغيير أوضاع حقوق الإنسان المصرى إلى الأفضل. هكذا بدا دوره بالغ الأهمية، إذ هو يحاول أن يدفع سفينة حقوق الإنسان فى مصر بعيدا عن الجنوح فى ظل توازنات بالغة التعقيد، وكنت أتصور أن هذه هى المعادلة المثلى التى يمكن لنظام الحكم أن يحققها من نشاط المجلس.
لكن مفاجأة الخروج لا تقل عن مفاجأة طريقته، فقد أكد الرجل أنه عرف بالخبر ــ مثلنا تماما ــ من الصحف وفقا لـ«عرف مصرى مستقر» على حد قوله. ونفى التقارير التى ذكرت أن ثمة عروضا قدمت إليه بأن يبقى ضمن أعضاء المجلس على أن يترك منصب نائب الرئيس..
وحسنا فعل الدكتور أبوالمجد بتذكير المواطن المصرى بهذا «العرف المستقر». فهذا المواطن محروم حتى الآن من معرفة الأسباب الحقيقية لخروج الوزراء من الحكم، وباستثناء وزير النقل الذى استقال فى أعقاب كارثة جديدة من كوارث السكة الحديد، شهد العام الماضى خروج وزيرين من مجلس الوزراء، هما الدكتور محمود أبوزيد وزير الرى السابق والدكتور يسرى الجمل وزير التربية والتعليم السابق، وكلاهما خرج بالطريقة نفسها، أى دون أن يعرف المواطن أكان وراء خروجهما خلاف فى الرؤى والسياسات أم تقصير فى الأداء؟ وما طبيعته إن وجد؟ وهكذا لا يستطيع المواطن أن يحدد اتجاه الريح بالنسبة للسياسات المتبعة أو فاعليات آليات المحاسبة على الأداء، ولا يعرف لماذا يبقى وزراء يبدون من وجهة نظره غير ملائمين لمواقعهم، أو يرى أن أداءهم دون المتوقع، مما يعنى أنه معزول تماما عن التفاعلات السياسية فى وطنه، الأمر الذى قد يسبب ــ ضمن عوامل أخرى ــ عزوفا عن المشاركة فى الشأن العام أصلا.
تعددت التفسيرات فى شأن خروج الدكتور كمال أبوالمجد، ومن هذه التفسيرات ما ذهب إلى أن الخروج عقوبة له على خسارة قضية رجل الأعمال الإيطالى وجيه سياج مما كلف خزانة الدولة مبالغ طائلة، وهو أعجب تفسير ممكن، لأن بقاء المسئولين فى مواقعهم لو تحدد وفق هذه الاعتبارات لخرج معظمهم من مواقعهم التى يتمترسون فيها منذ سنوات طويلة.. فخسارة الوطن لا تتمثل فحسب فى خسارة قضية أمام المحاكم، وإنما ترتبط كذلك بسياسات ثبت خطؤها الفادح، ومع ذلك بقى أصحابها كما هم، وموارد بددت بدون حساب، ومكاسب شخصية تراكمت على نحو مذهل بُح صوت المخلصين من أبناء الوطن طلبا للحساب، فلا يحدث هذا، أو لعله يحدث بعد أن تكون الفأس قد وقعت فى الرأس.
ثمة تفسير ثان أكثر معقولية بكثير وهو أن الرجل بخروجه قد دفع ثمن مواقفه الجريئة والمستقلة، على الرغم من أنها كانت جميعا مواقف عاقلة رزينة، وهو ما يعنى أن مؤسسات الحكم باتت تضيق بأى هامش للخلاف معها، وهذا نذير سوء لاشك فيه. وقد أضيف من باب الطرافة تفسير ثالث يرتبط بما كان الدكتور كمال أبوالمجد قد صرح به لإحدى الصحف المصرية المستقلة فى السادس عشر من شهر يناير الماضى بخصوص إيمانه بأن «البقاء فى الحكم مرتين كفاية، وهذا كله من الأبجديات السياسية لأى ثقافة ديمقراطية»، فلعل من أخرجه من المجلس يرد على تصريحه هذا بأن يجعله أول ضحية لهذا الرأى السديد.
لكن المسألة فى الواقع تتجاوز الدكتور أبوالمجد بكثير، وتمتد لتشمل أوضاع المجلس القومى لحقوق الإنسان برمتها.. فالمجلس مطالب بتعزيز حقوق الإنسان المصرى، وهو يصطدم فى محاولته الوفاء بهذه المهمة بعديد من مؤسسات الدولة المصرية التى تنتهك الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمواطن المصرى، ولذلك يجب أن يتوفر للمجلس قدر يعتد به من الاستقلالية، ولما كان تعيين أعضاء المجلس من قبل مجلس الشورى، وهو كيان شبه تشريعى محترم، لكن أغلبية الحزب الحاكم تسيطر عليه، فسوف تبقى دائما شبهة الدوافع السياسية فى اختيار أعضاء المجلس وإنهاء عضويتهم فيه. صحيح أن المرء يجب أن يشهد بأن التغيير الأخير ــ كما سبقت الإشارة ــ قد أبقى على عضوية عناصر معارضة ومستقلة داخل المجلس، إلا أن كرامة عضو المجلس يجب أن تحفظ، بحيث لا يبقى دائما متوجسا من حكم جهات سياسية ما على أدائه.
وأذكر أن أحد الأسباب ــ وليس أهمها ــ التى دفعتنى لأن أطلب عدم التمديد لى فى الدورة الثانية لتشكيل المجلس هو تلك الحملة الصحفية السخيفة التى صورت أعضاء المجلس ورئيسه فى الأيام القليلة السابقة على صدور التشكيل وكأنهم مجموعة من الأقزام المرتعدة من فكرة عدم تجديد عضويتهم، فإذا بهم يهرولون ــ وفق هذه الحملة ــ إلى دوائر صنع القرار يطرقون أبوابها إثباتا للإخلاص، ويواظبون على حضور الاجتماعات العامة واجتماعات اللجان برهانا على الجدية، ويلزم أصحاب المسئولية العليا منهم مكاتبهم فى المجلس كى يظهروا حسن الانضباط، وقد أعربت فى حينه عن سخطى من هذه المعالجة الرخيصة التى تحط من شأن أعضاء المجلس وتنال من كرامتهم، لكن أحدا لم يأبه لما قلته.
ولعلى أتقدم فى هذا الصدد باقتراح أراه يحقق التوازن بين اعتبارات التغيير وبين الحفاظ على كرامة عضو المجلس، وهو أن يكون التجديد «الثلثى» سُنَّة، ولعله يرتفع إلى أن يكون تجديدا نصفيا، على أن تسقط عضوية الثلث أو النصف فى كل دورة بالقرعة، فيعرف العضو من البداية ألا شأن لجهة سياسية معينة بإسقاط عضويته، ومن ثم يبنى مواقفه على الاعتبارات الموضوعية وحدها، ولما كان مجلس الشورى الذى تسيطر عليه أغلبية من الحزب الحاكم، هو الذى سيعين الثلث أو النصف الجديد فإن التركيبة السياسية للمجلس ستبقى على ما هى عليه، دون أن تخشى دوائر النظام انقلابا من المجلس عليها، لكن الفائز الأول هنا سوف يكون عضو المجلس الذى سيتحرر من عبء تقييم جهات ذات طبيعة سياسية لأدائه.
وهناك أمور أخرى من واقع الخبرة الذاتية تستحق أن تثار، ومنها على سبيل المثال ما يتعلق بتفرغ الأعضاء، ففى الدورة الأولى ــ وأحسب أن الوضع لم يتغير كثيرا بعدها ــ كان معظم الأعضاء مثقلين بشواغل أخرى حزبية وأكاديمية وعضوية عديدة من المجالس، الأمر الذى جعل من انغماسهم الكامل المفترض فى عمل المجلس ونشاطه عبئا عليهم، كما أن بنية المجلس غلب عليها منذ البداية الطابع القانونى.. بل لقد قيل صراحة من مصادر شبه رسمية بخصوص تشكيل المجلس فى دورته الثانية إن هذا التشكيل قد عكس اتجاها لزيادة نسبة الحقوقيين فى المجلس لأهمية الطابع الحقوقى فى عمله، ومواجهته تحديات صعبة، خاصة خلال المرحلة المقبلة التى تشهد انتخابات برلمانية ورئاسية، إضافة إلى دورهم فى الرد على ملاحظات اللجان الدولية فى مجال حقوق الإنسان.
ولاشك بطبيعة الحال فى الدور الأساسى الذى يقوم به هؤلاء فى الدفاع عن حقوق الإنسان، لكن المفهوم الشامل لهذه الحقوق يشير إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية مهمة، بينما لم يضم المجلس فى أى من تشكيلاته متخصصا واحدا فى حقوق الإنسان الاجتماعية والاقتصادية، كذلك ليس مفهوما لماذا يقتصر التمثيل داخل المجلس على نقابتى المحامين والصحفيين؟ أليس للعمال وغيرهم حقوق مثلا؟ ومن الممكن بطبيعة الحال اختيار عينة أكثر تمثيلا لمصالح المواطن المصرى بالإضافة إلى هاتين النقابتين العريقتين.
يبدو الإصلاح ممكنا دائما، لكن هناك من يصرون على إبقاء الحال على ما هى عليه، مع أن كل شىء فى مصر ومحيطها الخارجى يتغير، ولن تكون من نتيجة للجمود ــ ناهيك عن التراجع ــ سوى المزيد من اتساع الفجوة بين أداء مؤسسات نظام الحكم ومتطلبات الواقع المصرى، وليس هذا مما يطمئن على مستقبل الوطن بأى معيار.