المرآة المهشمة - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:58 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

المرآة المهشمة

نشر فى : الخميس 18 مارس 2010 - 10:09 ص | آخر تحديث : الخميس 18 مارس 2010 - 10:09 ص

 حدثنى أحدهم يوما أن أستاذا بكلية الطب قال لطلبته: نحن نحدثكم عن مرض معين كما نفهمه، وقد يكون فهمنا له غير مكتمل بسبب قصور العقل البشرى عن أن يدرك أسرار جسم الإنسان بالكامل، أو غير دقيق بسبب عدم الاستعداد الجيد للمحاضرة، أو الإيجاز أو غير ذلك من الاعتبارات، ولا ندرى أتفهمون ما نقوله حق الفهم أم أنكم بدوركم ــ وهذا هو الأغلب ــ لا تحيطون بأبعاد كل ما نقوله، أو تفهمونه على نحو لا يكون دقيقا، ثم تخرجون إلى حياتكم العملية بهذا الإدراك غير المكتمل لطبيعة المرض، وقد يصادفكم بالإضافة إلى ذلك مريض يصف لكم بدوره أعراضا غير دقيقة عن مرضه فنكون حينئذ فى وضع لا نثق فيه من أننا نشخص المرض ذلك التشخيص السليم الذى ينبغى، وبناء على ذلك كله فإنكم قد تصفون للمريض دواء لا يعالج بالضرورة أعراض مرضه بدقة، ويا حبذا لو شاء الله أن يصادف المريض صيدليا يعطيه دواء بديلا قد تختلف مكوناته عن الدواء الموصوف.

فكيف تتوقعون بعد ذلك أن يشفى الناس من أمراضهم؟

لا أدرى إن كانت هذه القصة واقعية أم أن صاحبها أراد أن يوضح لسامعيه عمق الفجوة بين المثال والواقع، لكنها على أى حال ألحت على وأنا أتابع الانتخابات العراقية بعيون مصرية، وأحاول أن أقرأ فى مجرياتها مستقبل الانتخابات التشريعية المصرية فى هذا العام والرئاسية فى العام الذى يليه..

وسألت نفسى بصدق: أيكون هذا هو مآل «الديمقراطية» فى بلداننا؟

علاج قاصر ليس بسبب العيب فى فكرة التداوى أصلا، وإنما لتشوه كبير يلحق بها، ففى جميع بلدان العالم التى تتمتع بنظم حكم ديمقراطية حقة تكون الانتخابات لحظة للمحاسبة، والتعبير عن الثقة فى الرئيس القائم أو الحكومة الموجودة، أو عن إرادة التغيير للوضع الراهن نتيجة تقصير المسئولين عن الحكم من وجهة نظر الناخبين فى المدة الواقعة بين انتخابين.

فى هذه البلدان تجرى الانتخابات وفق قواعد مستقرة تحدد الهيئة الناخبة سلفا، وتنظم العملية الانتخابية، ويقبل الناخبون على المشاركة فى الانتخابات ثقة منهم بأنها آلية لترسيخ الواقع الراهن الذى يرضون عنه، أو لتغيير ذلك الذى يرفضونه، وتسود الثقافة الديمقراطية، فتفتح الباب للقبول الطوعى لما تسفر عنه الانتخابات، لأن الثقة مطلقة فى نزاهة العملية الانتخابية، ثم تتشكل الحكومة استنادا إلى حزب الأغلبية أو إلى ائتلاف حزبى يهيمن على الأغلبية فى المجلس التشريعى.

لكن ما يحدث فى البلاد التى لم تترسخ فيها الديمقراطية مغاير تماما لما سبق، فالانتخابات أقرب إلى أن تكون أداة لإضفاء الشرعية على ما هو قائم منها إلى أن تكون آلية للحكم عليه، والقواعد التى تجرى الانتخابات فى ظلها غير مستقرة تتغير وفق مصالح الحكومات القائمة، وهكذا يمكن أن تحرم فئات من حق الانتخاب لا لشىء إلا لأنها معارضة للوضع الراهن، ويتم التلاعب بالنواحى الإجرائية فى الانتخابات بما يحقق أهداف القائمين على الحكم، وتتراجع نسب المشاركة نتيجة اليأس من إمكانية التغيير، وتتصاعد اتهامات التزوير بعد كل انتخاب، ناهيك عن تعثر تشكيل الحكومات فى بعض الأحيان بسبب الحرص على معالجة التشوهات التى حدثت إبان الانتخابات.

تذكرت هذا كله وأنا أتابع الانتخابات العراقية، وهى تقدم نموذجا أمينا لما يجرى فى عديد من بلداننا العربية. هذا فضلا عن أنها تزيد على ما سبق بكونها تتم فى إطار صراع شرس على مستقبل العراق بين المحتل الأمريكى والمتدخل الإيرانى.

أتذكر الآن الجدل الواسع الذى كان قائما بين من ينظرون إلى هذه الانتخابات باعتبارها طريقا نحو مستقبل جديد للعراق، ومن يرون أن الليلة أشبه بالبارحة وأنه لن يكون ثمة جديد تحت الشمس، وربما تسفر ملابسات الانتخابات الحالية عن حالة وسط لكن الهموم السابقة حاضرة بقوة.

فى البدء كان «الاجتثاث»، بمعنى حرمان فئات واسعة من حقوقها الانتخابية، بحجة تاريخها الإجرامى فى النظام السابق، وبغض النظر عن رأينا فى هذه الفئات المحرومة فإن المعنى الأساسى «للاجتثاث» هو أن قوة مؤثرة فى الساحة السياسية العراقية أرادت أن تشارك فحرمت من هذا الحق، وهو ما يفضى إلى ألا تكون نتائج الانتخابات معبرة بصدق عن مكونات الجسد السياسى العراقى، وإلى احتمال أن تلجأ الفئات المحرومة لاحقا إلى العنف أو إلى مزيد منه، وبالإضافة إلى ذلك ثمة قوى تقاطع الانتخابات أصلا كعديد من فصائل المقاومة التى ترفض الانتخابات فى ظل الاحتلال، والقطاعات فاقدة الثقة فى الانتخابات أصلا، وقد قدرتها استطلاعات الرأى العام قبل الانتخابات ــ وأثبتت مجريات العملية الانتخابية صحة هذه التقديرات ــ بما يزيد على ثلث الهيئة الناخبة.

ويعنى كل ما سبق أن الانتخابات العراقية قد لا تعبر سوى عن إرادة نصف الناخبين على أحسن تقدير. ومن الحقيقى أن هذه النسبة تسوء عن ذلك بكثير فى بلدان أخرى، غير أن العراق يمر بظرف خاص يحتاج فيه إلى تكاتف الكل من أجل إيجاد مخرج من الوضع الراهن.

تبدأ الانتخابات بعد هذا الاستبعاد واسع النطاق فلا يجد ناخبون كثيرون أسماءهم فى الكشوف الموجودة فى مقار اللجان الانتخابية، أو لا يعثرون على هذه اللجان أصلا، فيحرمون من الناحية الواقعية من ممارسة الحق فى الانتخاب ليس بقرار سياسى وإنما بسوء تنظيم متعمد أو غير متعمد، ثم تأتى بعد هذا كله اتهامات التزوير، وقد يقال إن هذه الاتهامات أصبحت معتادة فى كل انتخابات، لكنها بالتأكيد ليست بلا أساس، وثمة مؤشرات مقلقة فى الحالة الراهنة، فلماذا هذا التأخير غير المبرر فى إعلان النتائج؟ ولماذا هذه الطريقة فى الإعلان؟ فبين الحين والآخر يخرج تصريح رسمى أو تسريب صحفى بأن قائمة كذا قد تقدمت فى محافظة كذا، وهو عادة ما يكون من قبيل تحصيل الحاصل، لكننا لا نسمع حديثا عن نسب على الإطلاق، ويبدو الأمر أحيانا وكأن الجهة المسئولة عن الفرز تتعامل مع النتائج بطريقة بالونات الأخبار، ناهيك عن أن اللقطات المصورة من داخل لجان الفرز تشى بكثير من الفوضى وتبعث قليلا من الاطمئنان.

تذكرت من خبرتى المحدودة فى مراقبة الانتخابات التشريعية المصرية الأخيرة (2005)، عندما كنت عضوا بالمجلس القومى لحقوق الإنسان فى دورته الأولى كيف حرمت فئات واسعة من الإدلاء بأصواتها لاعتبارات بعضها مقصود وبعضها غير مقصود، فهؤلاء لم يجدوا أسماءهم فى اللجان التى يفترض أن يدلوا بأصواتهم فيها، وباشروا رحلة تيه طويلة بحثا عن مقار لجانهم بلا جدوى، وأولئك وجدوا أسماءهم، غير أنه كان ينقصها اسم من أربعة أسماء تشير إليها هوياتهم، فرفض القاضى المشرف على اللجنة بإصرار السماح لهم بالإدلاء بأصواتهم رغم كل ما قدموه من براهين على تطابق الاسمين، وفريق ثالث من نساء فى طابور منظم يتقدمه شخص ضخم الجثة يمسك بيده «شومة» مخيفة يهدد بها كل من يحاول أن يفهم كنه ما يجرى...

وفى المقدمة من الطابور امرأة بادرت بسؤالى: لقد ضاع منى ما أعطونى من النقود، فهل بمقدورى أن آخذ عنها بديلا؟ وصاحب «الشومة» يراجع بغلظة مع الواقفات فى الطابور أنهن سوف تنتخبن رقم 1و2، وعندما هممت بسؤال إحداهن عن كنه هذا الاختيار أجابت: واللهى يا ابنى لا أعرف.

هذا ما قالوه لى، فيما كانت «الشومة» تقترب منا بخطى حثيثة، وفريق رابع حيل بينه أصلا فى المرحلتين الثانية والثالثة للانتخابات وبين الاقتراب من لجنته بالعنف أو بالردع، ناهيك عن مشكلة دقة الجداول الانتخابية أصلا، وعن أن الحزب الوطنى انفرد وحده بامتلاك نسخة كاملة من هذه الكشوف وخريطة دقيقة لمقار اللجان قيل إنه أبلغ أنصاره بها ليلة الانتخابات أو قبلها، وتبقى بطبيعة الحال اتهامات التزوير بعد إعلان النتائج والتى كان بعضها على الأقل لا يفتقد إلى أساس قوى.

لهذا كله فإن على المرء ألا يبنى آمالا كبارا على نتائج انتخابات كهذه، وإنما الواضح أن السعى من أجل التغيير يحتاج إلى جهد جهيد يسبق الانتخابات بكثير ولا يقتصر على محتواها السياسى فحسب، وإنما يشمل بالضرورة جوانبها التنظيمية والإجرائية.

ولنتذكر أنه فى الحالات التى بدا فيها أن الانتخابات يمكن أن تحدث تغييرا جذريا أو ملموسا فى النظام السياسى فى بلد عربى قامت القيامة حتى أجهضت نتائج هذه الانتخابات، ففى الجزائر تدخل الجيش فى 1992 ليمنع فوز جبهة الإنقاذ بالأغلبية، وفى اليمن أدى تقدم حزب الإصلاح على الحزب الاشتراكى فى أول انتخابات تشريعية بعد الوحدة عام 2003 إلى بدء قلق الأخير على موقعه فى بنية السلطة فى دولة الوحدة التى كان شريكا أساسيا فى تأسيسها عام 1990 مع المؤتمر الشعبى العام، وهو ما فتح الباب لتوترات بين الطرفين انتهت بحرب الانفصال عام 1994 ونجاح السلطة المركزية فى الدفاع عن الوحدة.

وفى مصر اختلفت نتائج المرحلتين الثانية والثالثة عن مثيلتها فى الأولى فى الانتخابات التشريعية لعام 2005 على ضوء التقدم غير المتوقع للإخوان المسلمين فى المرحلة الأولى، وفى غزة أدى فوز حماس بالأغلبية التشريعية فى انتخابات نزيهة عام2006 إلى سلسلة من التوترات بينها وبين فتح انتهت بصدام مروع بين الفصيلين فى قطاع غزة وتأكيد حماس سيطرتها على القطاع فيما بقيت السيطرة على الضفة لمن خسروا الانتخابات، والبقية تأتى. فهل كتب علينا نحن العرب أن يبقى البون شاسعا بيننا وبين الديمقراطية إلى هذا الحد؟ سؤال يبدو أن إجابته لا تحمل لنا كثير اطمئنان على المستقبل.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية