داعش.. الذي كان صديقي - وليد فكري - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:27 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

داعش.. الذي كان صديقي

نشر فى : الثلاثاء 18 مارس 2014 - 1:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 18 مارس 2014 - 1:40 م

سامح الله صديقي محمد أبوالغيط الذي أوجع قلوبنا منذ أسابيع بمقاله بعنوان "لماذا حلت اللعنة على داعش؟" بالذات في تلك الفقرة الموجعة التي قال فيها: "سيظل لدينا من يردد أنها تمثيلية إلى أن يتم أسره بواسطة صديقه، حديث الانضمام إلى داعش أو سواها، والدواعش كثيرة".

فالذي قاله باعتباره نبوءة هو في حقيقة الأمر بالنسبة لي ذكرى قاسية، لم يستطع توالي الأحداث الجسام إخفاء ندوبها الغائرة في روحي..

•••

الإسكندرية – 28 يونيو 2013 – جمعة "كشف الحساب لمرسي وجماعته"

المسيرة الحاشدة المنطلقة من منطقة "فيكتوريا" تقترب من مستقرها في سيدي جابر.. تبلغنا أنباء هجوم شباب الإخوان المسلحين بالأسلحة النارية على بدايتها التي بلغت نقطة الوصول.. نسارع لبلوغ مكان الحدث حيث تدور المعركة الدامية..

يتقدم صديقي "إبراهيم" (19 سنة) عبر محطة القطار الفاصلة بين الموقع المحدد مسبقًا للتجمع ومقر الإخوان في المبنى الواقع خلفها.. يحاول مع بعض الشباب من النشطاء والصحفيين الوصول لأقرب نقطة آمنة من حيث يتمركز مطلقو النار على المسيرة لاستطلاع الأمر.. يفاجأ برصاصة ترتطم بعمود مجاور له.

يستجمع شجاعته متقدمًا خطوة تالية، ليتفاجأ أن مطلق الرصاصة هو أحد أصدقاء طفولته وصباه.. تثبته المفاجأة في مكانه، فمن أطلق النار كان يراه بوضوح ويعرف أنه ليس بلطجيًا بل هو إبراهيم الذي اعتاد استضافة صديقه الإخواني في بيته حتى عهد قريب.. يلوّح الفتى للصديق الذي بدون تردد، يعاجله برصاصة تالية تمر عبر ساقه وتُسقِطه ينزف المرارة والصدمة عبر جرحى الدخول والخروج وجرح ثالث في نفسه الغضة، التي تلقت من الحياة درسًا قاسيًا فيما يستطيع التعصب أن يفعل ببعض من يربطهم بنا عهد العيش والملح..

يُنقَل إبراهيم للمستشفى، حيث يتلقى الإسعافات العاجلة، وفي المساء يجد على صفحته في موقع الفيسبوك رسالة من صديقه هي أشد إيلامًا من الرصاصة "ألف سلامة عليك.. مش تخلي بالك من نفسك؟ بس إنتو إيه اللي جابكم عندنا؟ مع إني أنا وهو كنا قبلها بيوم متفقين إن لو حصل صدام ماحدش فينا ينزل قصاد التاني عشان ما نتحطش في موقف إننا نحارب بعض.. وأنا ماكنتش رايح غير عشان أبص وأشوف إيه اللي بيحصل؟!"

أستمع إلى القصة من الفتى.. فتكِر بي الذكرى إلى أيام ليست ببعيدة..

•••

الإسكندرية – محيط مسجد القائد إبراهيم – الجمعة 14 ديسمبر 2012.

كأغلب الأحداث الدامية، تبدأ المعركة بسرعة لا تُصَدق وتنهال أحداثها بسرعة القدر المعتادة في النزول بضربات مطرقته على الرؤوس.. خطبة لاهبة للمحلاوي في تأييد الإخوان.. اعتراض من بعض المصلين فتعصُب بعض مؤيدي المحلاوي وتطور الأمر إلى احتجاز وتعذيب للمعارضين في داخل المسجد ومعارك ضارية في محيطه بين الفئتين الغاضبتين كلا منهما لمن تؤيد، بينما تتناثر الأخبار والاتهامات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين قائلين، إن المحلاوي وأتباعه إرهابيون مجرمون ومحتجزون للرهائن وآخرون يتهمون من احتُجِزوا أنهم قد انتهكوا حرمة المسجد ويدينون من توجهوا للسعي لإخراجهم بتهم محاصرة المسجد، ومحاولة اقتحامه وإحراقه ومنع الصلاة به.

ولأنني إنسان متشكك بطبيعتي، فقد هرعت لمكان الأحداث لأجد أرض معركة بالمعنى الحرفي للكلمة: سيارات محترقة وبقايا زجاج وحجارة متناثرة وحشود غاضبة تحيط بالمكان وقوات من الأمن المركزي تتخذ مواقعها في مداخل المسجد والشوارع المحيطة به.

بعد بعض من الوقت، يخرج المحتجزون محمولون إلى سيارات الإسعاف وعلى وجوههم وأجسادهم آثار الاعتداء.. يبقى الحشد في مكانه مطالبًا المحلاوي بتسليم من شاركوا في تعذيب هؤلاء إلى الشرطة، فيكون رد الشيخ عنادًا وغطرسة تزيد إصرار الجمع الغاضب على مطلبه، ويضيف إليه المطالبة بالقبض على المحلاوي نفسه.

يمر الوقت بطيئًا بين محاولات من بعض الأطراف لحل الأزمة ومنع الصدام الدامي خاصة مع تواتر أنباء عن حشود من المنتمين للتيار الديني، تستعد لمهاجمة أولئك الذين تجاسروا، على حد قولهم، على "انتهاك حرمة المسجد بمحاصرته" (وكأن ممارسة التعذيب فيه ليست بانتهاك).. تقع بعض المناوشات بين بعض المتظاهرين وبعض شباب الإخوان في الشوارع المحيطة.. في المساء يستقر الوضع نسبيًا ولكن تبقى السيادة للتحفز والتوتر..

ألتقي مصادفة بصديق من سكان المنطقة يخبرني أن حشدًا من الملتحين المسلحين قد اجتمع على بُعد شارع منا.. يخبرني كذلك أنه رأى أحدهم يحمل راية "الجهاد" (علم مكتوبة عليه الشهادتين) ..تبدو المعركة وشيكة.. أتوجه معه بصحبة بعض الأصدقاء بعضهم من الصحفيين، حيث أشار وأهمس لأحدهم "خليك شاهد عشان لو جرى لي حاجة.. أنا مش رايح أقف مع ده أو ده.. أنا رايح أحاول أمنع الدم"

•••

كلما تذكرتُ المشهد التالي صعدت الحموضة إلى حلقي وشعرت بتلك الوخزة في صدري.. ففي مشهد يعود للقرون الوسطى رأيتُ حشد اللُحَى الشابة يتقدم عبر الشارع الكبير وفي مقدمته شابًا يصرخ بحماس "تكبير!" فيتلقى الرد "الله أكبر"..

أشرتُ له بيدي أن يتقدم مني فسارع بخطواته وهو يصرخ ويهوي بسيف في يده إلى الأرض فسارعت بلغة الإشارة أن قلت له "اهدأ.. أريد فقط أن أتحدث إليك".. تقدمت منه وقلبي يكاد يخترق ضلوعي..

-"عايز إيه؟" قالها في عدوانية وقد أحاطت بي ورفاقي كوكبة من رفاقه..

-"أولا أنا مش مع أي طرف.. أنا صحفي وعايز أفهم انتو عايزين إيه؟"

-"عايزين نخلّص الشيخ ونأدب الناس دول"

-"تأدب الناس دول؟ يعني بالعقل كده.. وارد إنك تعوّر أو تقتل حد فيهم؟"

هز كتفيه باستهانة مجيبًا :"عادي!"

-"آه.. طيب يعني لو قضاء ربنا جالك دلوقتي حتقابله وأنت في نيتك تقتل مسلمين زيك!"

أجاب أحد رفاقه :"دول مش مسلمين! طالما وقفوا الوقفة دي هنا يبقوا كفرة ودمهم حلال"

وقبل أن أجيبه دفعني وأكمل وجماعته تقدمهم وقد سمعت أحدهم يقول "يا عم سيبك من الإعلام الكافر"..

بينما أحاول اللحاق بهم سمعتُ صرخات لأفاجأ بهم يحيطون بصديقي الصحفي محمد جبر وينهالون عليه بالضرب بسبب تصويره لهم.. انقضضنا عليهم أنا ورفاقي في محاولة لتخليصه من أيديهم التي أدمت وجهه وهم يحاولون الوصول للكاميرا التي كان يحميها بأقصى ما يستطيع جسده الضئيل.. ما أذكره أني وبعض من معي قد احتضنناه وانحنينا فوقه لوقايته ضرباتهم، وأنا أصرخ فيهم "من لكم بلا إله إلا الله؟".. لا أعرف كيف استطعنا تخليصه منهم والهرب به إلى شارع جانبي .. ما أن ابتعدنا عنهم حتى دفعني وهو يصرخ بي :"لو سمعتك تاني بتدافع عن عمر مش حعرفك!!" سألته مبهوتًا :"عمر؟ ماله؟" فأجاب ثائرًا "هو اللي رافع العلم بتاعهم!"

عمر.. عمر صديقي وأحد من أصفهم بـ"أخي الروحي" يحمل راية الجهاد لتلك "الكتيبة" من الهمج؟!

عمر.. داعش الذي كان صديقي..

•••

مشاهد تتوالى على ذاكرتي.. مرحنا ساعة الإفطار في رمضان ونحن نسارع لوضع الطعام على المائدة، وعمر ينبهني بابتسامته البريئة التي لا تفارق وجهه أنني قد أحرقت شيئًا ما في المطبخ.. ألبوم صور قد التقطها لنا على الفيسبوك لي ولبعض الأصدقاء وقد لطخت المانجو وجوهنا.. مباريات لعبة الأونو معه وتفنن كلا منا في إصدار الأحكام الفضائحية على الخاسر.. ضحكنا عندما التقينا صدفة في ميدان التحرير أثناء أحداث مجلس الوزراء 2011، وكلا منا يخفي قلقه من الإصابات البالغة للآخر.. جلساتنا في غرفة مكتبي وهو يسر لي بألمه مما يحدث في سوريا ورغبته تقديم المساعدة بأي شكل للمنكوبين من أهل هذا البلد العزيز.. شكواه من متاعبه العائلية وحكاياته عن تلك الأيام التي قضاها بين صفوف جماعة الإخوان المسلمين قبل أن يُنبَذ منها قبل الثورة بسبب كثرة أسئلته واعتراضاته، لينضم بعدها لبعض الحركات الثورية المدنية.. صوره مع أصدقائنا المشتركين من الثوار وتلك الصورة التي يعتز بها كثيرًا في إحدى وقفات رفض توريث مبارك الحكم لابنه..

"عمر هو اللي كان رافع العلم بتاعهم!" هوت الصفعة عليّ ممزقة دفاعي عنه منذ أسابيع قليلة، عندما اتهمه البعض بأن حنينه لانتمائه الإخواني القديم وولائه لعمه القيادي الإخواني السكندري الشهير، قد دفعاه لمهاجمة وتسليم بعض الثوار للأمن المركزي خلال اشتباك انتهت به مظاهرة حاشدة عند مقرهم الرئيسي بالمدينة.. "لو دافعت عن عمر مش حعرفك تاني! عمر هو اللي كان رافع العلم بتاعهم".. ألقاها صديقي الصحفي في وجهي ثم أردف "ده أنا لسة مقابله قبل الهجوم بالظبط وأخدني بالحضن وسلم عليّ!"

يا الله!! ألم أدعك ألا تحمّلني ما لا طاقة لي به؟!! أستغفر الله العظيم.. لله الأمر من قبل ومن بعد..

•••

يومها قمتُ بخطوة رأيتُ، وما زلت أرى أن ضميري يلزمني بها.. قمت بكتابة ما كان من عمر ونبهت الأصدقاء ورفاق الثورة أن صديقنا ورفيقنا الذي أحببناه لم يعد كذلك.. رد وليته ما فعل:"هو أنا عملت إيه؟ دة أنا كنت رافع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله".. هكذا برر موقفه.. هكذا قدم العذر عن تزعمه مجموعة هاجمت حشدًا ضم أقرب الناس له بالسلاح الناري والأبيض.. "عمر؟ دة لسة كان معانا البارح في قعدة.. والنهاردة شفناه رافع العلم وماسك ببقه طرف الجلباب وبيحدفنا بالطوب!".. هذا ما قاله رفاقنا والصدمة تمزقهم..

انتهى اليوم الكئيب.. وعلمتُ أن في نهايته قام بعض الرفاق الجدد لعمر باختطاف بعض رفاقه القدامى وترويعهم ثم إطلاق سراحهم.. تصادف أن قابلت أحد هؤلاء "المجاهدين" الذين صار يرافقهم فقال لي معتذرًا "يا باشا أنا راجل كنت بلطجي وقعدت في السجن كذا سنة وبعدين طلعت فقلت أتوب وبقيت بصلي في الجامع.. في يوم جالي شيخ قال لي:تحب تعمل حاجة عشان ربنا؟ قلت له: يا ريت.. قال لي: طب ياللا بينا.. وحصل اللي حصل!".. عمر الذي كنتُ أعرفه لم يكن ليجالس هؤلاء ولو بشكل عابر فكيف صاروا رفاقه وإخوته وصانوا روحه؟!

اختفى عمر.. ثم علمتُ أنه قد عبر الحدود بشكلٍ ما بعد أن تدرّب على حمل السلاح في بعض المناطق النائية.. أنباء مؤكدة بلغتني بعدها أنه قد تنقل بين بعض البلدان منها سوريا والعراق بل وأفغانستان منضمًا لصفوف "المجاهدين".. أحاديث من أصدقاء عمره القدامى أنه قد صار يكتب على صفحته على الفيسبوك كلامًا يصف فيه أساطير الإرهاب والتطرف كالظواهري بـ"حكيم الأمة".. آخر عهدي بما يتعلق به هو صورة رفعها على صفحته بها رجل مقيّد معصوب العينين مكتوب عليها "ذبحًا" وتحتها تعليق له أن "ما أجمل أن يبدأ اليوم بذبح أعداء الإسلام بعد صلاة الفجر".. هكذا بينما يبدأ البعض يومه بالحديث عن احتساء القهوة وسماع الست فيروز يتحدث عمر عن الذبح في الصباح الباكر..".

"الدواعش كثيرة".. حقًا قيل.. و"داعشنا" لم يكن مجرد خبر نقرأه في الصحف بل كان صديقًا لنا تجمعنا مائدة طعام واحدة وميدان واحد وجلسة فضفضة واحدة.. كان يبيت في بيوتنا كلما ضاق ببيته، يبثنا آلامه ويسر لنا بأحلامه ويحدثنا عن حبه بخجله المعهود وابتسامته الرقيقة الدائمة.. عمر، أقصد داعش، قد حسم موقفه واختار بكامل إرادته أن يصنف إخوة روحه ورفاق عمره كأعداء للدين فحمل الراية ضدهم ورفع السلاح عليهم..

منذ يومين رأيتُ صورة لأحد دواعش سوريا يحمل سكينًا ويشير بعلامة التوحيد وتحت قدمه قد اصطفت بعض الرؤوس المجتثة عن أجسادها.. ورغمًا عني دققتُ في وجهه لعلي أرى عمر.. ثم ليرحمنا الله، دققتُ في الرؤوس وقد جالي بخاطري أن ربما لا قدّر الله أن منها رأس أخي وصديقي القديم..

أكتب كل ما سبق وقد اضطررتُ للجلوس على أحد المقاهي لكتابته، فكلما جلستُ إلى مكتبي محاولا ترتيب أفكاري للكتابة وجدتني أقوم وأطوف بكل موضع من بيتي جمعتني فيه ذكرى باسمة عزيزة بصديقي السابق، وأنا أحاول استيعاب فكرة أنه قد صار ما هو عليه، وأتساءل عما إذا كانت نفس الذكرى تعاوده بمثل ما تعاودني من ألم عميق أم أنني ورفاقه السابقون في ذهنه مجرد أعداء آخرون للإسلام يتحرق شوقًا لأن تُلتَقَط له صورة "النصر" وقد اصطفت رؤوسهم تحت قدمه..

التعليقات