العلاقات المصرية بحماس - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:22 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

العلاقات المصرية بحماس

نشر فى : الخميس 18 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 18 أبريل 2013 - 8:00 ص

ظهرت «حماس» كتنظيمٍ مقاومٍ فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى من رحم مناخ التسوية الذى بلغ ذروته بعقد معاهدة السلام المصرية ــ الإسرائيلية فى مارس 1979، ثم امتد عربياً بعد أن كانت الدول العربية قد أقامت الدنيا ولم تقعدها عقب المعاهدة، واتخذ ذلك شكل قبول هذه الدول «مبادرة فاس» فى قمة 1982 التى كان محتوى التسوية فيها أفضل من محتوى الأفكار التى كان السادات قد توصل إليها فى مسار التسوية، وكان من شأن هذه التطورات أن تضيع القضية الفلسطينية أو تشوه معالمها، ومن هنا جاء منطق المقاومة القادر على وقف هذا المسار أو تعويقه. ولهذا مثَّل ظهور «حماس» المقاوِمة دون شك إحراجاً للسياسة المصرية ذات الالتزامات تجاه إسرائيل، وربما زاد من هذا الإحراج أن فكر «حماس» جاء «مطلقاً»، فالمقاومة نقيض الاستعمار، ومن هنا كانت استعادة فلسطين مطلوبة من «البحر إلى النهر».

 

بدأت «حماس» تقاوم وتنجز، وبلغ إنجازها ذروته عندما أجبر الاستعمارى العتيد أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلى آنذاك فى 2005 على سحب قواته من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات القريبة منه فى واقعة غير مسبوقة حتى لا تكون تحت رحمة صواريخ المقاومة. صحيح أن القوات الإسرائيلية كانت تستطيع العودة إلى القطاع فى أى وقت، وقد فعلت ذلك مرات عديدة، غير أن مغزى انسحابها وتفكيك المستوطنات القريبة من القطاع يعنى أن ضربات المقاومة قد وصلت إلى مستوى القدرة على إلحاق الضرر بالخصم، لكن «حماس» لحسابات خاصة بها ارتأت أن تدخل معترك السياسة الرسمية فى 2006، وربما يكون السبب الأساس لذلك هو الرغبة فى ألا تكون القرارات المتعلقة بالمقاومة بيد سلطة منحازة تمامًاً إلى نهج التسوية، وفازت «حماس» بالأغلبية فى كلٍ من الانتخابات المحلية والتشريعية فى غزة والضفة معًاً، وأصبح من حقها أن تشكل الحكومة، وابتداءً من هذه اللحظة أصبحت «حماس» أقرب إلى منطق «الدولة» منها إلى «المقاومة»، فبعد أن كانت تتبع أسلوب «الكر والفر» المعروف فى حركات التحرر الوطنى باسم حرب «العصابات» أصبحت لها مقار رسمية يسهل ضربها، وركب قادتها «المرسيدس»، وغير ذلك من مستلزمات الحكم، وأصبح يتعين عليها أن تؤسس نفسها كقوة حاكمة، ولكن الأخطر من ذلك كان الصدام الدموى المروع الذى وقع بين «حماس» و«فتح» فى قطاع غزة فى 2007، وتم فيه طرد قوات «فتح» من القطاع فيما اعتبرت «السلطة الفلسطينية» فى رام الله ذلك انقلابًاً وأسقطت اعترافها بحكومة «حماس»، وهكذا دخلت القضية الفلسطينية نفقًاً مظلمًاً بعد انقسام «فتات الأرض الفلسطينية» بين أهم فصيلين فلسطينيين، ليُضاف الانقسام الجغرافى لحركة التحرر الفلسطينى إلى الانقسام السياسى.

 

●●●

 

أصبحت السياسة المصرية مطالبة فى هذه الظروف بأن تتوسط بين الفصيلين من أجل تحقيق مصالحة بينهما على الأقل لضبط سلوك «حماس»، لكن هذه السياسة كانت متهمة دائمًاً وبحق بأنها فى جهود الوساطة هذه أقرب إلى «السلطة الفلسطينية» منها إلى «حماس»، خاصة وقد التزمت تلك السياسة قانونياً ــ ولأسباب شديدة التفاهة ــ بالحصار على غزة مع أنها كانت تستطيع إيجاد مبررات قانونية قوية لعدم الالتزام. وفى أعقاب ثورة يناير كان من الطبيعى أن تتخلص السياسة الخارجية المصرية من بعض المواقف المهينة وعلى رأسها الموقف من حصار غزة الذى وصفه الدكتور نبيل العربى، أول وزير خارجية مصرى بعد الثورة، بأنه «جريمة حرب»، لكن متغيراً آخر دخل فى العلاقة المصرية «بحماس» وهو انتماؤها لتنظيم «الإخوان المسلمين» أو كونها عضواً فى تنظيمهم الدولى، وفى المرحلة الانتقالية لم يكن تأثير هذا المتغير ظاهرًاً وقويًاً، لكن فوز «الإخوان» فى انتخابات رئاسة الجمهورية وممارسة رئيس الجمهورية المنتخب مهامه رسميا اعتبارا من نهاية يونيو 2012 أحدث فروقاً مهمة إذ بدأت العلاقات المصرية بحماس تأخذ منحى مهماً زاد فيه التعاون وأحياناً عمليات «التدليل»، وبالإضافة إلى المضى قدمًاً فى تخفيف إجراءات المرور من المعابر الذى كان قد بدأ قبل ولاية رئيس الجمهورية المنتخب بدأت عمليات تزويد غزة بالوقود ومصادر الطاقة، وهذا كله بالإضافة إلى الانحياز السياسى «لحماس»، لكن الأمور بدأت تأخذ منحى خطيرًا بعد ذلك. وعلى سبيل المثال فإن الحديث عن إقبال الفلسطينيين على شراء الأراضى فى شبه جزيرة سيناء وتسجيلها قد أثار مخاوف قطاعات واسعة من المصريين بأن تكون هذه مقدمة لفكرة الدولة الفلسطينية البديلة فى شبه الجزيرة المصرية، ووصلت الأمور إلى درجة من الخطورة عندما بدا أن المؤسسة العسكرية المصرية تتهم «حماس» بالضلوع فى قتل الشهداء المصريين على الحدود فى العام الماضى للتمويه على القرارات التى اتخذها رئيس الجمهورية بعزل القائد العام للقوات المسلحة ورئيس أركانه وإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإحكام قبضته على الجيش.

 

وإلى هذا الحد كانت كل هذه الاتهامات المبطنة ــ والتى نفتها حماس فى حينه ــ بلا طابع رسمى، غير أن «حماس» كان واضحاً أنها تجرأت فى علاقتها بمصر، فطلب قادتها رسميًا وقف هدم الأنفاق الذى تراه قيادة القوات المسلحة ضروريًاً لحماية الأمن القومى المصرى. يضاف إلى ذلك الواقعة الخطيرة الخاصة بتهريب القماش الذى تُصنع منه ملابس القوات المسلحة المصرية إلى داخل القطاع، وقد اعتُرف بأن غرض التهريب هو صنع ملابس للمقاومة من هذا القماش، وهى مسألة بالغة الخطورة أمنيًاً، ولذلك اضطرت تلك القوات إلى تغيير ملابس أفرادها بالكامل، والغريب أن مصادر فى جماعة «الإخوان المسلمين» ذكرت أن هذا القماش سوف تُصنع منه ملابس أطفال، وبغض النظر عن تضارب التفسير مع مصادر «حماس» فى غزة فإن معناه أن «الجماعة» كانت على علم بالواقعة، وأخيرًاً وليس آخرًا كانت هناك قضية الفلسطينيين الذين وصلوا مطار القاهرة قادمين من طهران دون أن تحمل جوازاتهم أى تأشيرات تدل على ذلك فيما كانت بحوزتهم وثائق لم يُعرف محتواها الدقيق أيضًا، ولكن قيل مرة إنها يمكن أن تستخدم فى أعمال إرهابية وأخرى بأنها وثائق عادية، وكان واضحًا أن ثمة ضغوطا رئاسية أدت إلى الإفراج عنهم، وهو أمر يتجاوز الخيال، ولو وقع فى عهد مبارك/ العادلى لما خرج أولئك من محبسهم.

 

●●●

 

هكذا تحولت السياسة المصرية من وسيط غير محايد لصالح «السلطة الفلسطينية» إلى وسيط غير محايد لصالح «حماس»، وهو ما يقلل من قدرتها على إنجاز المصالحة، والأخطر من ذلك أن الرأى العام المصرى لا يشعر بالرضا والاطمئنان تجاه ما يجرى، خاصة وأن ثمة استقطاباً حاداً يجعل الرأى العام فى عدد من فصائله على الأقل غير مستريح لسياسات «الإخوان المسلمين»، ومن الخطورة بمكان أن تدخل قضية أمن قومى مصرى ذات أولوية أولى معترك الخلاف السياسى بين فصائل سياسية، وقد يدفع هذا القوى المعترضة على سياسة «الإخوان المسلمين» أو الموالية لهم إلى تبنى مواقف تتناقض ومتطلبات الأمن القومى المصرى، وإنما يجب أن يكون الشعب المصرى على قلب رجل واحد فى هذه القضية، وهو ما يغيب الآن ــ ربما للمرة الأولى ــ بسبب الاستقطاب السياسى الحاد الذى تعرفه الساحة السياسية المصرية حالياً، فأنصار «الإخوان المسلمين» يظاهرون «حماس» وخصومهم يتشككون فى نواياها، ولذلك فإن الحكم الحالى مطالب بعدم الإتيان بتصرفات تستفز الشعب المصرى كى يحافظ على وحدته المطلوبة فى مواجهة الخطر الإسرائيلى الذى يبقى الخطر الأول على أمن مصر وشعبها.

 

 

 

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

 

ومدير معهد البحوث والدراسات العربية

 

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية