المصريون.. من ديمقراطية مشوهة إلى فزع الحرية - محمد العجاتي - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:07 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

المصريون.. من ديمقراطية مشوهة إلى فزع الحرية

نشر فى : السبت 19 مايو 2012 - 8:40 ص | آخر تحديث : السبت 19 مايو 2012 - 8:40 ص

عندما رفعت الثورة المصرية شعاراتها كان فى صدارة هذه المطالب: الحرية. وعندما تحركت القوى السياسية لتحقيق هذه المطالب اختصرت مفهوم الحرية فى أحد وسائله الاساسية ألا وهى: الديمقراطية ثم عادت إلى اختصار الديمقراطية فى احد آلياتها وهو: صندوق الانتخاب. إن هذا الاختصار المخل لا يعد خطوة فى طريق الديمقراطية كما يدعى البعض، فعلى الرغم من أن عددا غير مسبوق من الدول شهد تحولا ديمقراطيا على مدى الثلاثين سنة الماضية عبر انتخابات منتظمة، فإن عدد النظم غير الديمقراطية التى وصلت للحكم مازال كبيرا، على سبيل المثال، احتفظت النظم الشمولية وما بعد الشمولية بالسلطة فى كوريا الشمالية، كوبا، الصين، لاوس وفيتنام، وكرست العديد من النظم الدينية والعرقية العسكرية على العديد من الدول عبر الآلية الانتخابية، بل وجعلت منها مصدرا للشرعية مثل الحال فى إسرائيل وإيران، علاوة على أن العديد من الدول شهدت عملية من التغير السياسى فى الحكم ولم تسفر أى من هذه التحولات إلا إلى انهيار الدولة واستمرار الحروب الأهلية كما كان الحال فى ليبيريا وكمبوديا والصومال وأفغانستان وزائير.

 

●●●

 

فى بعض الحالات الأخرى أدى التحول فى النظام السياسى إلى ظهور نظم أخرى متحايلة على الديمقراطية. ومن هنا بدأ طرح مفهوم جديد هو نظام «الانتخابى السلطوى» «ELECTORAL AUTHORITARIANISM»، وهى تلك النظم التى تتيح تعددية حزبية على كل من المستويين المحلى والقومى، فى حين أنها تجرد الانتخابات من أى فاعلية ممكنة له ويفرز ذلك نظاما انتخابيا سلطويا حتى وإن تعددت الانتخابات المقامة، وهو ما يؤكد أن الانتخابات الحرة والنزيهة إذا لم تتوافر لها البيئة المناسبة والشروط الواجبة، قد تتحول من آلية للتحول الديمقراطى إلى مصدر لتكريس وشرعية نظم شمولية، كما كان الحال فى تجربتنا فى عهد مبارك.

 

فالديمقراطية هى مكون أساسى فى الحرية إلا أنها ليست كافية للوصول إلى الحرية، والصندوق هو آلية أساسية للديمقراطية لكنه وحيدا لا يحقق هذه الديمقراطية. فالحرية ممارسة ركيزتها الاساسية التنوع وقبول الآخر ولكن يبدو أننا بسبب سنوات من نظام يدعى الديمقراطية ولا يمارسها، لم يغيب ثقافة الديمقراطية وإنما شوه المفهوم وهو ما قادنا إلى حالة فزع من الحرية يشهدها مجتمعنا الآن. فنرى فزعا من التنوع كلما دعت قوى الثورة إلى التجمع فى الميادين عبر اعتبار أن تعدد المنصات خطر يتهدد هذه التجمعات والإصرار على فكرة المنصة الواحدة، علما بأن تعدد المنصات فى ميدان يجمعها معا يعبر فى الحقيقة عن التنوع والقدرة على وجود هذا التنوع فى ساحة واحدة تتحاور معا ويكون الميدان إطار جامع لها، أما فكرة التوحد فهى ليست فقط أسطورة لا يمكن تحققها وإنما كذلك مناقضة لمفهوم الديمقراطية. هذه الحالة تنتقل من مستوى الحراك الثورى إلى مستوى الممارسة السياسية، حيث ينظر الجمهور إلى الأحزاب السياسية باعتبارها عنصرا مفتتا ولا ينتقدون الممارسات الحزبية بل فكرة التحزب فى حد ذاتها وهى الأخرى أسلوب تنظيمى للممارسة الديمقراطية وبدونه لا يمكن إبراز الاختلافات بين الرؤى والتوجهات المختلفة التى يعد التنافس بينها هو محرك الديمقراطية وبدونه تفقد حتى آلية الصندوق أى قيمة لها.

 

●●●

 

لا تقتصر هذه الحالة على الجمهور العام وإنما نراها فى خطاب النخبة والتى تنتقد أداء الإعلام ونواب البرلمان واختلافات الأحزاب باعتبار أنها تشتيت للمواطنين ولا تقدم لهم الحقيقة وكأن الحقيقة واحدة ومطلقة وأن الخبر فى كل وسائل الإعلام يجب تناوله بنفس الكيفية وذات التوجه، أما المؤسسات المختلفة من المجلس العسكرى إلى مجلس الوزراء إلى العديد من التنظيمات السياسية والتى تفتقد بسبب طبيعتها أو ثقافتها للديمقراطية فهى تعتبر أى نقد يوجه لها تطاولا وتعتقد أن أى توجه مناوئ لها مؤامرة وتتوحد كمؤسسات فى مواجهة أى رأى مخالف أو توَجه معارض لها. قد يكون هذا مفهوما فى نظام مثل النظام السعودى الذى لم يتحمل ما حدث أمام سفارة دولته فى مصر باعتباره نظاما لا يمتلك هذه الثقافة من الأساس، ولكن أن تكون هذه ذهنية فاعلين سياسيين يدعون قيادة مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية فهذا يعد نذير شؤم ومبشر بأننا نعيد إنتاج ذهنية النظام السلطوى. فالاحتماء بمقولات عن أهمية التوحد والتوافق وشعارات من نوعية «إيد واحدة» فى كل مناسبة، وعدم الإيمان بطبيعة واهمية التنوع والاختلاف لا يمكن أن تقيم نظاما ديمقراطيا وبدون قبول الرأى الآخر والقدرة على تنظيم ساحات الحوار بين الرؤى والتوجهات المختلفة لا يمكن أن ننتقل إلى الحرية وذلك لن يتم إلا بتنظيم هذه الرؤى والتوجهات عبر تنظيمات على غرار الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى والنقابات ودعم ساحات الحوار المتمثلة فى البرلمان والإعلام والاتحادات النقابية وغيرها. ولذلك يجب تطوير البيئة الحاضنة لذلك على مستوى التشريعات والثقافة، ودعم ذلك لا يتم عبر قوانين قمعية إنما من خلال تشريعات تحرر التنظيمات وتنظيم وليس السيطرة على ساحة الحوار. فمن الغريب أن يكون الحديث عن تشريع لتنظيم المظاهرات والاعتصامات قبل الحديث عن قانون الحريات النقابية الذى يسمح للعمال بمختلف فئاتهم من تنظيم نفسهم بشكل حر يمكنهم من التعبير عن ذاتهم ويفوضوا من خلاله من يتفاوض نيابة عنهم، قانون احزاب ديمقراطى لا يحجر على تكوين الأحزاب بأعداد عضوية للتأسيس وشروط مالية مجحفة، وقانون للمجتمع المدنى يحرر هذه المنظمات من قيود الجهة الإدارية والأمنية ويفعل دوره فى المجتمع.

 

أما على مستوى الساحات فهناك أفكار مثل الهيئة المستقلة الضابطة لأداء الإعلام كبديل لوزارة إعلام توجه الرأى العام وأجهزة تقمع الإعلام الحر، لائحة للبرلمان تخرجه من سيطرة الغالبية وتجعله ساحة للحوار وليس وسيلة لسيطرة حزب الأغلبية أى كانت، بعد كل هذه التشريعات يمكننا الحديث عن دور لقانون لتنظيم المظاهرات والاعتصامات والإضرابات أما قبل ذلك فسنكون فى طريقنا لعمل تشريع لينتهك ولا يلتزم به أحد، وباستكمال هذه المنظومة وعبر الممارسة سنخرج مصر ومواطنيها ومؤسستها من ذهنية السلطوية لثقافة الحرية.

محمد العجاتي باحث والمدير التنفيذي لمنتدى البدائل العربي
التعليقات