فى الثالث من أبريل 1954 عقد بتوجيه من الرئيس جمال عبدالناصر، تحت مظلة الجامعة العربية، مؤتمر لجميع القيادات الحزبية فى المغرب والجزائر وتونس سعيا إلى توحيد جهودها واكتشاف قدراتها على تنفيذ مخطط عبدالناصر لمباشرة كفاح مسلح فى المغرب العربى، وفى اليوم الأول للاجتماع تبارى ممثلو الأحزاب فى الخطابة السياسية، وفى اليوم التالى فوجئ الحاضرون بشاب يجلس وسط ممثلى أحزاب الجزائر يطلب الكلمة فسمح له.
تحدث الشاب معتذرا باللغة الفرنسية ملقيا اللوم فى ذلك على الاستعمار، ثم انطلق يتحدث فى انفعال صادق وصراحة تامة ونقد موضوعى لكل ما سمعه ولمسه من تعامله السابق مع جميع الأحزاب، منتهيا إلى أنه يعبر عن شباب الجزائر الذين قرروا اعتماد الكفاح المسلح كطريق إيجابى لتحرير وطنهم، وإلى أنه لا يطلب سوى السلاح من أجل القتال.
عم الاجتماع صمت رهيب تخللته بعض همهمات الاحتجاج، ثم بدأ الهجوم المضاد عليه إنكارا لأى أمل فى نجاح الكفاح المسلح بالجزائر، ولم يعضد الشاب فى موقفه سوى «محمد ضفير» ممثل حزب الشعب الجزائرى الذى أسر إلى «فتحى الديب»، رجل عبدالناصر فى المغرب العربى وصاحب المذكرات التى أنقل عنها هذه المعلومات، أن الشاب يدعى «مزيانى مسعود»، وأنه وصل حديثا للقاهرة بعد هروبه من المعتقل إثر القبض عليه لرئاسته التنظيم العسكرى السرى لحزب الشعب. ثم حدثت «الشرارة» وكان اللقاء بين ممثلى مشروع التحرر العربى لثورة يوليو وبين «مزيانى مسعود» باعتباره شريكا أمثل فى هذا المشروع.
لم يكن «مزيانى مسعود» سوى الزعيم الجزائرى أحمد بن بيلا، وقد اتخذ له اسما مستعارا كى يؤمن هروبه إلى القاهرة بعد أن تفهم ورفاقه حقيقة ثورة 23 يوليو وأهدافها وقرروا التوجه إليها بكل آمالهم وأمانيهم فى أن يجدوا لديها الدعم المطلوب، وقد كان، وتقرر أن تكون ساعة الصفر فى انطلاقة الثورة الجزائرية هى الواحدة صباح يوم 30 أكتوبر 1954، غير أن العمليات الأولى للثورة انطلقت لظروف طارئة فى الساعة نفسها من صباح اليوم الأول من نوفمبر، أى قبل خمسة وخمسين عاما بالتمام والكمال من «موقعة 14 نوفمبر الكروية» بين مصر والجزائر.
ولم تتوقف ثورة المليون ونصف المليون شهيد إلا بعد أن حققت الاستقلال الكامل للجزائر، بل وزلزلت أركان الجمهورية الفرنسية الرابعة بفضل صلابة قادة الثورة وصدق نواياهم وعمق إيمانهم واكتسابهم ثقة ثورة يوليو فى مصر، التى لم يتردد قائدها فى اتخاذ القرار التاريخى بدعمها.
وفى الثانى عشر من يونيو 1967، أى بعد الهزيمة العسكرية لمصر وسوريا والأردن أمام إسرائيل بأيام قليلة وصل الزعيم الجزائرى هوارى بومدين إلى موسكو رافضا أى حفلات تكريم على غداء أو عشاء، قائلا للقادة السوفييت «إنه لم يجئ... لكى يتغدى أو يتعشى وإنما هو يريد أن يفهم».
وكان بومدين بما عرف عنه من حس قومى عروبى أصيل صريحا كل الصراحة فى إلقاء أسئلة على القادة السوفييت هى أقرب للاتهامات منها إلى الأسئلة «ما هى حدود الوفاق بينكم وبين الأمريكيين؟»، ويجيب قائلا: «إننا نراه وفاقا من جانب واحد، أنتم تتصرفون بأقصى درجات الضعف، والآخرون يتصرفون بأقصى درجات القوة»، وعندما اعترض كوسيجين ـ رئيس الوزراء السوفييتى ـ عليه عاد بومدين فأكد ما يقول منبها إلى أنه لن يجامل أحدا، وأن فى هزيمة العرب هزيمة للسوفييت، وأن ميزان القوى العالمى بعد الهزيمة بات لغير صالحهم، فإن كانوا لا يدركون ذلك فتلك مصيبة، وإن كانوا يدركونه ولا يفعلون شيئا فالمصيبة أعظم.
وتدخل «برجينيف» السكرتير الأول للحزب الشيوعى مشيرا إلى أن الاتحاد السوفييتى قدم لأصدقائه العرب ما يحتاجون إليه من السلاح، ولكنهم لم يحسنوا استعماله ففقد بومدين أعصابه قائلا إن «معلوماته كلها تؤكد أن السلاح الإسرائيلى كان متفوقا فى الكم والعدد»، وعندما جرؤ كوسيجين على أن يشير إلى أن السوفييت قدموا للعرب أسلحة بأسعار مريحة وأنهم لم يسددوا حتى ربع تكاليف ما حصلوا عليه استبد الغضب ببومدين وقال إنه تحسب لهذه الملاحظة وأحضر معه تحويلا لوزارة الدفاع الروسية بمبلغ 100 مليون دولار مخرجا صك التحويل من ملف أمامه.
احمر وجه كوسيجين قائلا لبومدين: «لست تاجر سلاح حتى تعاملنى بالشيكات»، فرد بومدين بأنه لم يبدأ وإنما كوسيجين هو الذى تحدث عن نصف الثمن وربع الثمن. (نقلا عن محمد حسنين هيكل ـ حرب الثلاثين سنة: الانفجار ـ 1967).
هكذا كانت تجرى العلاقات بين بلدين عربيين شقيقين جمعهما مصير واحد ونضال مشترك ضد الاستعمار والهيمنة: عطاءٌ دون مّن، وتساند فى وقت الشدة. فما الذى جرى يا ترى خلال الأربعين سنة الماضية حتى ينزلق المشروع القومى التحررى إلى هذا الدرك الأسفل من الابتذال والبذاءة والغوغائية؟
ما الذى جرى حتى يظهر من بين الشعبين المصرى والجزائرى اللذين أدعى أننى أعرفهما حق المعرفة من يتطاول على القيم العليا والرموز السامية والمعانى النبيلة لعلاقات لا يجب أن تفسدها حفنة قليلة من محترفى الشهرة والباحثين عن المكسب والساعين إلى الفساد فى الأرض؟ ما الذى جرى حتى تختزل الأوطان فى مباراة لكرة القدم لن ينتصر الفائز فيها فى معارك الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة الحديثة؟ ما الذى جرى حتى تصور تلك المباراة وكأنها موقعة حربية، وحتى تظهر على أغلفة مجلة مصرية عرفت طيلة عمرها بالوقار المهنى عبارات مثل «حرب داحس والغبراء» و«أصعب 90 دقيقة فى حياة المصريين» (وكنت أحسب هذا الوصف أحق بأن يطلق على اللحظات التى أعقبت الهزيمة العسكرية فى 1967، أو تلك التى تعاظم فيها الأمل بعد العبور العظيم فى 1973) وغير ذلك من المبالغات التى تقابلها مثلها فى منابر صحفية جزائرية؟
ما الذى جرى حتى تنتشر البذاءات المتبادلة على المواقع الإلكترونية بل وتقع الهجمات من كل طرف على مواقع الطرف الآخر؟ ما الذى جرى حتى يختزل المشروع الوطنى لكل من الشعبين فى مباراة كرة قدم وحتى يكتب كاتب فى كبرى الصحف المصرية مشهدا الله سبحانه وتعالى أن شعب مصر لا يريد من دنياه شيئا سوى الفوز فى المباراة؟ وحتى يظهر بعد الفوز مذيع شهير فى موقف «احتفالى» راقص مشين لا يحسده عليه أحد؟
تكسرت النصال على النصال، وأحسب أن كلا الطرفين مسئول عما جرى بل وللأسف عما سوف يعانى منه نهر العلاقات بين مصر والجزائر من تلوث فى مقبل الأيام، ولست فى الموقع الذى يمكننى من أن أوزع المسئولية عما حدث ويحدث على الطرفين، ولا أعتقد أن لذلك فائدة، فالأجواء مشحونة يساعد عليها وعى غائب بحقائق التاريخ والسياسة، وإعلام مشوَه ومشوِه ـ مرة بكسر الواو وأخرى بفتحها ـ يتبارى فيه دخلاء على الإعلام من أجل شهرة زائفة تزيد من تهافت الإعلانات التجارية على برامجهم، وتجعل لهم سعرا فى سوق النجوم على حساب أوطانهم، وتهاون رسمى فى علاج مقدمات الأزمة واتخاذ مبادرات كان من شأنها أن توجه الأمور فى سيرها الصحيح أو تكاد، وفئة ضالة من مستخدمى وسائط ثورة الاتصالات الحديثة تكتسب بذاءاتها انتشارا واسعا بفضل هذه الثورة، وتعد للأسف معبرة دون حق عن الرأى العام فى شعبين أعرف حق المعرفة أنهما شعبان عظيمان لا يمكن لأى منهما أن ينزلق هذا المنزلق.
لقد سهرت الجماهير المصرية حتى الصباح بعد فوز فريقها فى مباراة القاهرة ابتهاجا بالنصر، وهو شعور طبيعى لأى مصرى، لكن المصارحة مع النفس واجبة، فلم يكن الأمر كله ابتهاجا وإنما انطوى على غوغائية واضحة من قبل شرائح بعينها، وليسمح لى الصحفيون الأجلاء الذين اكتفوا بشكر جمهور مصر العظيم أن أضيف إلى معلوماتهم من واقع المشاهدة المباشرة أن هذه الشرائح كانت توقف السيارات الخاصة وتجبرها على أن تحمل من الأفراد «المبتهجين» ما لا تطيق، وأنها كانت تسلط اللهب على زجاج الحافلات السياحية، وتتلذذ بالرقص أمام سيارة إسعاف ملهوفة على أن تصل إلى مريضها أو تصل به إلى المستشفى، وتتعمد السير عكس الطريق بما يشل حركته تماما، ناهيك عن أعمال الشغب والاعتداء، وليس هذا من البهجة فى شىء.
وليُسمح لى أيضا بأن أنوه إلى أن هذا «العنف» الظاهر أو المكتوم ليس وليد مباراة الجزائر فحسب، وإنما هو يحدث للأسف فى مباريات محلية كثيرة، ولن أنسى أن جمهور إحدى فرق كرة القدم الكبيرة قد انقسم بعد هزيمة فريقه إلى قسمين تفرغ أحدهما للاعتداء على فريقه وكل ما يمت إليه بصلة، والثانى لمطاردة لاعبى الفريق الخصم إلى درجة تعقب أحد اللاعبين إلى مسكن خاص أجاره ساكنوه والاعتداء على ذلك المسكن. وإن ما حملته الأنباء عما جرى فى الجزائر بعد المباراة يشير إلى أننا فى هذا الصدد سواسية والعياذ بالله.
عندما تنشر هذه السطور يكون مصير «موقعة 14 نوفمبر» قد حسم فى الخرطوم إلا أن تكون الأمور قد تطورت إلى الأسوأ إلى حد تأجيل المباراة، غير أنه أيا كانت نتيجة «الحرب» فإن بهجة المنتصر سوف تبقى مشوبة بغصة، وسوف يتعين علينا بعدها أن نبحث عن إجابة لسؤال ما العمل؟ لأن الضرر لن يلحق لوقت لا يعلمه إلا الله بالعلاقة بين الشعبين المصرى والجزائرى فحسب على ضوء هذا النزوع الهائل وغير المبرر للعنف، وإنما قد يمتد لعلاقات عربية ـ عربية أخرى.
بل إن الأخطر من ذلك أن ما جرى يبعث برسائل خطيرة لكل من يعنيه الأمر بخصوص سيناريو «الفوضى» إن تحقق لا قدر الله.