عندما هممت بمتابعة المعركة التى صارت معتادة حول مد أجل العمل بقانون الطوارئ المطبق منذ1981 فضلت أن أبدأ هذه المتابعة بقراءة ما تيسر لى من بيان رئيس الوزراء أمام مجلس الشعب فى الحادى عشر من هذا الشهر الذى طالب فيه بمد حالة الطوارئ لمدة عامين يتجاوز القانون فى ثانيهما الثلاثين من عمره بما يتناقض مضمونيا مع المعنى اللغوى لكلمة «طوارئ».
كانت خطتى أن أبدأ بمعرفة وجهة نظر الحكومة ثم أرى كيف دافع عنها أنصارها، وهاجمها خصومها، لكننى قبل أن أنتهى من قراءة البيان المنشور فى كبرى الصحف القومية خيل إلى أننى قرأت هذا الكلام من قبل.
كانت كلمة السر فى هذا التخيل هى التعبير، الذى استخدمه رئيس الوزراء بقوله إن الحكومة «تطلب مد حالة الطوارئ وهو كره لها، ولا تريد العمل فى ظل أوضاع استثنائية، لكنها فى الوقت نفسه لا تريد التفريط فى منجزات الوطن، التى لم يكن تحقيقها سهلا فى ظل الأوضاع المضطربة التى تحيط بنا، وموجة الإرهاب التى تجتاح العالم، وتتربص بمصر».
أصابنى هاجس عظيم: أين قرأت هذا الكلام من قبل؟ وبعد مدة لم تطل، هدانى تفكيرى إلى احتمال أن يكون قد قيل فى مناسبة مماثلة، سارعت بمحاولة الحصول على مضبطة جلسة مجلس الشعب، التى تم مد العمل فيها بقانون الطوارئ فى مايو 2008 لمدة عامين مقبلين، ووجدتها لحسن الحظ متاحة على شبكة المعلومات الدولية، وصدق حدسى إذ وجدت رئيس الوزراء يقول فى تلك الجلسة منذ عامين كاملين ما نصه: «لم تتجه الحكومة إلى هذا الحل (أى إنهاء حالة الطوارئ والاكتفاء بالقوانين العقابية والإجرائية القائمة لمواجهة الإرهاب) لأن رياح الإرهاب عاتية من حولنا، والأعداء يتربصون بنا، والقوانين العادية لا تكفى لردعهم وتوقى خطرهم، وقد حسمت الحكومة فى النهاية أمرها، واختارت أن تطلب من مجلسكم الموقر مد حالة الطوارئ، وهو كره لها، فالحكومة لا ترغب فى العمل فى ظل قوانين استثنائية».
نزل بى بعد الهاجس كرب عظيم. أيعنى هذا أن مصر فى سنتين كاملتين لم يكن بمقدورها أن تغير من أمر نفسها شيئا، ومن ثم من قدرتها على مواجهة الإرهاب لدرجة أننا لا نجد حتى ألفاظا جديدة نعبر بها عن موقف جامد؟ وربما يتصل بهذا تلك القصة المذهلة، التى تشير إلى الإخفاق على مدى نحو خمس سنوات على الأقل فى وضع مشروع قانون للإرهاب «يحقق التوازن بين حريات المواطنين واستقرار المجتمع وأمنه وسلامته» بما يمكن من إنهاء حالة الطوارئ، كما وعد رئيس الجمهورية فى برنامجه الانتخابى لعام 2005، وها هى المدة الرئاسية الخامسة للرئيس تكاد تنتهى دون نجاح فى وضع قانون للإرهاب تنتهى به حالة الطوارئ،
ولقد تحدثت الحكومة باستفاضة عن الصعوبات الهائلة، التى تعترض عمل اللجنة المشكلة لهذا الغرض، حيث إنها تستعرض العشرات من القوانين، وتريد أن تصل إلى توازن دقيق بين استقرار المجتمع وحرية الفرد، ولا تريد فى الوقت نفسه أن تصل إلى صياغة تضطر للعدول عنها بعد حين بما يصيب «استقرارنا التشريعى» بالضرر، مع أن نماذج القوانين التى عدلت بسرعة لافتة أو قوضت المحكمة الدستورية العليا أساسها الدستورى أكثر من أن تحتويها هذه السطور.
ولا يدرى المرء لماذا لم تفكر الحكومة وهى تواجه هذه الورطة «الهائلة» فى إعداد مشروع قانون الإرهاب فى أن تستعين بالجماعة القانونية المصرية على اتساعها، وهى تضم بحمد الله من الهامات العالية والقدرات الشابة ما يمكنها من أن تنقذ الحكومة من ورطتها اللهم إلا إذا كان المطلوب هو سيادة توجه معين على أعمال هذه اللجنة. والخلاصة للأسف أن مصر لم تستطع فى نحو خمس سنوات أن تتقدم خطوة ملموسة واحدة نحو إعداد هذا القانون الذى لا أعول عليه كثيرا لأننى أعتبر أن الأزمة المصرية صارت أعقد بكثير من حكاية قانون الطوارئ الذى بات عرضا من أعراض الأزمة وليس آلية لحلها.
قررت بعد ذلك أن أقوم برياضة ذهنية مثيرة ما دام الأمر كذلك ــ أى أنه لا جديد تحت الشمس وأن الليلة كالبارحة ــ وأن أبحث عن مبررات مد العمل بقانون الطوارئ فى عام 2010 فى أوراق عام 2008، وتأكد الانطباع نفسه لدى من خلال القراءة المتأنية لمضبطتى الجلستين التاسعة والتسعين والمائة من دور الانعقاد العادى الثالث من الفصل التشريعى التاسع لمجلس الشعب بتاريخ 26 مايو 2008، وتولد فى ذهنى عدد من الأسئلة المشروعة من خلال متابعة المعركة البرلمانية، التى سبقت إقرار مد العمل بقانون الطوارئ فى مايو 2010 ومطابقتها مع المعركة المماثلة، التى دارت منذ سنتين فى الشهر نفسه من عام 2008.
ارتبط أول الأسئلة فى ذهنى بفلسفة قانون الطوارئ أو منطقه: هل هو الحل أو المشكلة؟ عندما يقترب عمر حالة الطوارئ فى بلد من الثلاثين عاما وتبقى المشاكل كما هى (الإرهاب الذى «يأتينا من الخارج» ويتربص بنا) أليس من حقنا أن نسأل سؤالا مشروعا عما إذا كان قانون الطوارئ يمثل علاجا ناجعا أم لا؟ خاصة أن عمليات إرهابية مأساوية قد حدثت فى ظله (حوادث الأقصر وسيناء على سبيل المثال)، ويقول المسئولون دائما إن القانون على الرغم من ذلك مكن الشرطة من إحباط عمليات أخطر، وهو أمر يحتاج إلى شفافية أكبر ونقاشا أكثر تعمقا مما دار حتى الآن، لكن الأهم من ذلك أن العلاج عندما يطول قد يفقد تأثيره، بل قد يضعف من مناعة الجسم.
ولنتصور أن إنسانا قد دأب يوميا على تناول المضادات الحيوية لمدة ثلاثين عاما خوفا من أن تصيبه نزلة برد حادة قد تودى مضاعفاتها بحياته، وهو مع ذلك يصاب بنزلات البرد الحادة هذه من حين لآخر، ويشفى منها بصعوبة، لكنه يتمسك بدأبه على تناول المضادات الحيوية التى لا شك أنها سوف تنال من مناعة جسده على نحو عظيم.
أما السؤال الثانى فيتعلق بالإصرار الواضح من قبل أنصار استمرار العمل بقانون الطوارئ على أن الإرهاب يأتى من الخارج، ولذلك لا يفله إلا قانون الطوارئ، ويصور هذا الخارج عادة فى صورة كارثية حتى لا يشك المرء لحظة فى أنه سوف يفقد حياته من فوره إن هو غادر «حضَّانة» الطوارئ، كما أن معارضى مد العمل بقانون الطوارئ يصورون عادة باعتبارهم عملاء لحساب أسياد خارجيين، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن السبب فى أن هذه الاتهامات لا تثار إلا بمناسبة السعى لمد العمل بقانون الطوارئ، ولو كانت هذه الاتهامات صحيحة ومستندة إلى أدلة دامغة لتعين على السلطات أن تلقى بهم فى غياهب المعتقلات إعمالا لقانون الطوارئ. ويتصل بمقولة إن الإرهاب لا يأتينا إلا من الخارج عبر عملائه الداخليين سؤال آخر حول السبب فى أن هذا الإرهاب يتجه إلى مصر بالذات.
سيقولون إن ذلك يحدث لدورها «المحورى» فى المنطقة، وقد يكون هذا صحيحا، لكن ثمة سؤالا آخر: لماذا تلجأ مصر ضمن قلة من الدول ــ قدرها د.عبدالمنعم سعيد فى مقال له بالأهرام فى 15/5/2010 بسبع عشرة دولة ــ إلى قانون الطوارئ؟ ذلك أن الأسرة الدولية باتت تضم ما يقارب المائتى دولة، وهو ما يعنى أن نسبة العمل بقانون الطوارئ لا تصل إلى 10% من دول العالم، فلماذا نكون بالضرورة ضمن هذه الدول ولهذه المدة الطويلة؟
الأخطر من هذا أن تجاهل المصادر الداخلية للإرهاب، التى تضرب بجذورها فى الواقع الاجتماعى والاقتصادى والثقافى والسياسى المصرى والاكتفاء بالحديث عن مصادره الخارجية أو التركيز عليها يعنى أن مسئولية مواجهته ملقاة على عاتق المؤسسات الأمنية وحدها، ولا شك أنه من الخطأ والظلم فى آن واحد أن نحمل هذه المؤسسات أوزار مجتمع بأسره لا يملك رؤية واضحة لمستقبله، ويهتز أداؤه الاقتصادى والسياسى وتتباعد الشقة بين طبقاته وفئاته الاجتماعية، وتعجز المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية فيه عن القيام بدورها الواجب فى محاربة الإرهاب الحقيقى.
وثمة سؤال ثالث لا يقل خطورة عما سبق يتعلق بمفهوم الإرهاب، ذلك أن المناقشات الممتدة عبر السنين حول قانون الطوارئ ومد العمل به تكشف عن أن عديدين من أنصار هذا المد يختلط لديهم مفهوم الإرهاب بغيره من المفاهيم، فهم تارة يتحدثون ــ مشكورين ــ عن الخطر الإسرائيلى، وتارة أخرى عن خطر اجتياح فلسطينى للمعابر الحدودية بين مصر وقطاع غزة، وكل هذه مخاطر لا تحتاج قانون طوارئ لمواجهتها لأن التحسب لها ومواجهتها هو العمل الرئيسى للقوات المسلحة المصرية التى لا تحتاج إلى وجود قانون للطوارئ كى تقوم بما يتعين عليها أن تقوم به من مهام،
كذلك فإن مواجهة خطر الاجتياح الفلسطينى تتطلب يقظة واستعدادا أمنيين، وربما تغييرا فى السياسات المتبعة أو تعديلا لها، وسعيا لإعادة التفاوض حول شروط معاهدة السلام، التى تقلل إلى الحد الأدنى قدرة مصر على الدفاع عن حدودها ضد مخاطر الاستباحة أيا كان مصدرها ولا علاقة لهذا بقانون الطوارئ.
كذلك فإن خلط البعض من أنصار مد العمل بقانون الطوارئ بين الإرهاب وبين الحركات الاحتجاجية الاجتماعية ذات الصلة بالمطالب الاقتصادية خطير، ولو اعتبر هذا الخلط أساسا تبنى عليه استراتيجية مواجهة هذه الحركات فسوف تكون النتيجة كارثية، وفى الواقع أن الاستراتيجية المثلى للتعامل الحكومى مع هذه الحركات هى استراتيجية سياسية، وقد أمكن لآليات التفاوض بين الحكومة والمحتجين أن تعمل بنجاح فى عديد من الحالات، كما أن توسيع نطاق المشورة مع جماعات المصالح قبل إصدار قانون ما سوف يكون بدوره آلية مفيدة.
أما إن خرجت هذه الحركات عن طابعها السلمى واتجهت إلى العنف فإن الحكومة لا تحتاج إلى قانون طوارئ كى تواجهها. وخطورة هذا الفهم الواسع للإرهاب وخلطه بصفة خاصة بين الإرهاب والحركات الاحتجاجية الاجتماعية أنه يقوض التطور الإيجابى شديد المحدودية، الذى ارتبط بمد أجل العمل بقانون الطوارئ لعامين آخرين اعتبارا من آخر مايو الحالى، لأنه فى ظل هذا الخلط سوف يصبح جميع المحتجين فى مصر ــ وما أكثرهم ــ تحت رحمة قانون الطوارئ.
وأخيرا فإن ثمة فكرة ساذجة كانت تخطر لى فى كل مرة يتقرر فيها مد العمل بقانون الطوارئ: لماذا لا نجرب أن نخرج المريض إلى الهواء النقى بدلا من حبسه ثلاثين سنة فى غرفة العناية المركزة؟ ألا يمكن أن تكون هذه الغرفة بحد ذاتها مصدرا للعدوى فيما يجدد الهواء النقى طاقة المريض؟ بعبارة أخرى لماذا لا نجرب مرة واحدة رفع حالة الطوارئ ونحل محل قانون الطوارئ ما نملكه من ترسانة قوانين يرى الكثيرون من رجالات القانون فى مصر أنها أكثر من كافية لمواجهة خطر الإرهاب؟ فإن سارت الأمور على ما يرام سعدنا كل السعادة رغم ما قد نكتشفه من أننا ضيعنا عمرا طويلا فى وهم التداوى بقانون الطوارئ، وإن حدث «طارئ» جديد يعكر صفو «استقرارنا» و«رفاهيتنا الاقتصادية» لا قدر الله تصبح الحكومة فى موقف قوى يمكنها من أن تعيد فرض حالة الطوارئ علينا والعياذ بالله.