لولا المبالغة لقال المرء إنه ما من مصرى إلا ويسأل عما سيحدث يوم 30 يونيو وما بعده، ويلفت النظر أن هذا السؤال لا يرتبط بمستوى اجتماعى أو انتماء سياسى محدد، وإنما هو شامل للمجتمع ككل، ويتساءل المواطن العادى عما يمكن أن يحدثه 30 يونيو من إنجازات أو فوضى سياسية أو متاعب تتعلق بحياته اليومية، وهو أمر منطقى فنحن إزاء حركة شعبية نجحت فى جمع توقيعات حوالى 15 مليون مصرى يطالبون بانتخابات رئاسية مبكرة، ويطمحون إلى أن يتخلى رئيس الجمهورية عن الحكم فى هذا اليوم.
إن حركة «تمرد» تثبت مجددا بعد حركة «كفاية»، على سبيل المثال، قدرة الشعب المصرى على الإبداع النضالى رغم الثلاثين سنة التى عاشها فى ظل الاستبداد، ويفكر بعض القيادات التى تنتمى إلى حركة «تمرد» فى أحداث ذلك اليوم بطريقة مبسطة، فسوف تخرج جماهير «تمرد» يوم 30 يونيو وتجبر رئيس الجمهورية على التخلى عن الحكم لدرجة أن مساحة كافية تعطى للنقاش حول ترتيبات المرحلة الانتقالية بعد رحيل مرسى، ومن الحقيقى أن حركة «تمرد» قد بدأت جهدا غير مسبوق ونجحت فى جمع ملايين التوقيعات يفوق عددها عدد الأصوات التى حصل عليها الدكتور مرسى فى الانتخابات الرئاسية، إلا أن التعاملات السياسية على أرض الواقع تأخذ منحى أكثر تعقيدا بكثير من السيناريو المبسط السابق، ولا شك أن هذا التنبؤ بمسار التفاعلات ينطوى على صعوبات فائقة. ولنتحدث الآن عن بعض العوامل التى يحتمل أن تؤثر فى ذلك المسار.
●●●
وأول هذه العوامل يتعلق بعدد من سينزلون إلى الشارع يوم 30 يونيو، ويفترض أن يكون هذا العدد هائلا، غير أننا لا يجب أن ننسى أن نسبة ــ لا ندرى مقدارها تحديدا ــ من الملايين التى وقعت على استمارة تمرد تنظر إلى هذا العمل نظرة أقرب إلى الإدلاء بالصوت فى الانتخابات، وليس كل من يشارك فى الانتخابات يقوم بمظاهرة بعد الإدلاء بصوته. من ناحية أخرى فإن جماهير ثورة يناير احتاجت ثمانية عشر يوما كى تخلع مبارك، والأهم من هذا أن هذه الجماهير كانت موحدة على هدف إسقاطه، وهو عكس الحال الآن، وقد يقتصر أثر هذا الانقسام على محاولة إحباط هذه الحركة، لكنه قد يمتد إلى مقاومتها بدرجة من درجات العنف، ولقوى التيار الإسلامى وعلى رأسها جماعة «الإخوان المسلمين» سوابق فى هذا الصدد، غير أننى استبعد أن تبادر هذه القوى باستخدام العنف، لأن سوابقها فى هذا الخصوص لم تكن ناجحة، إذ أثبتت قوى التيار المدنى دوما قدرتها على المقاومة، بل وتمكنت غير مرة من أن تكون لها اليد الطولى فى المواجهات.
غير أن قوى التيار الإسلامى قد تضطر إلى توظيف درجة عالية من العنف إذا شعرت بأن التطورات تسير فى غير صالحها فى ظل حيدة من قبل الشرطة إن تحققت وحيدة مؤكدة من قبل القوات المسلحة، غير أن هذا السيناريو سوف يكون خطرا على مستقبل التيار الإسلامى وشرعيته، خاصة إذا نجحت جماهير «تمرد» وقيادتها فى الحفاظ على سلمية التفاعلات، إذ سوف يكشف الاستخدام واسع النطاق للعنف عن أن شرعية التيار الإسلامى زائفة أو على الأقل باتت كذلك، وستكتمل الفضيحة إذا فشل هذا العنف فى تحقيق الغرض منه وهذا وارد. من ناحية أخرى قد يؤدى هذا إلى انقسام حقيقى داخل الشرطة، وقد يطرح العنف واستخدامه إذا زاد عن حده احتمال تدخل القوات المسلحة وهو مطلب شعبى ليس فى صالح التيار الإسلامى على سبيل اليقين.
وأغلب الظن أن الأمور لن تُحسم يوم 30 يونيو، وإنما سوف تمتد المواجهات إلى ما بعد ذلك، ويتوقف نجاح حركة «تمرد» فى تحقيق أهدافها على استمرار قدرتها على الحشد أو ابتكار أساليب نضالية تتناسب وتطورات الموقف، وكذلك على وجود قيادة متماسكة، وقد نذكر بأن ثورة يناير قد سُرقت بسبب تشتت القيادات الشابة التى فجرتها، ومن ثم عجزها عن توجيه الثورة فى المسار السليم. وثمة احتمال فى ألا تأتى حشود 30 يونيو على مستوى التوقعات، وبالتالى يتعثر تحقيق حركة «تمرد» لأهدافها، وبينما من الممكن أن تكون الحشود متوسطة، فإنه من المستحيل أن تكون محدودة بعد كل هذه التعبئة، بالإضافة إلى أن متابعة تطور حركة تمرد يظهر مدى التفاعل الشعبى معها، وهناك إحساس عام لدى المواطن العادى بانعدام كفاءة الحكومة الحالية. ولما كان رئيس الجمهورية هو المسئول الأول عن اختيار الحكومة فمن المنطقى أن يتركز الغضب على أدائه.
●●●
نخلص مما سبق إلى أن نجاح حركة «تمرد» فى تحقيق أهدافها يوم 30 يونيو يتوقف على قدرتها على الحشد وكذلك على قدرتها التنظيمية وبالذات وجود قيادة قادرة على الحفاظ على وحدة الحركة وتوجيهها فى المسار السليم، ولا شك أن هذه القيادة موجودة لكن المشكلة تكمن فى الاتفاق عليها بين القوى السياسية المختلفة، وثمة مؤشرات للأسف على أن قوى المعارضة ليست على قلب رجل واحد، وهو ما يجعلنا نهيب بقيادات الحركة أن تبذل كل ما فى وسعها من أجل أن يكون عائدها متناسبا مع الجهد الذى بذل فى الإعداد ليوم 30 يونيو وكذلك مع مستوى طموحات القوى الشعبية التى أبدت حماسا منقطع النظير للحركة وأهدافها، ورأت فيها طريقا لخلاص الوطن مما يعانيه من جراء حكم ردئ عاجز.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
ومدير معهد البحوث والدراسات العربية