مهلاً أيتها (الديمقراطية) - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:48 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مهلاً أيتها (الديمقراطية)

نشر فى : الخميس 20 أكتوبر 2011 - 9:55 ص | آخر تحديث : الخميس 20 أكتوبر 2011 - 9:55 ص

هل تذكرون الجدل الواسع الذى دار فى أعقاب الثورة بين أولئك الذين رأوا أن التعجيل بالانتخابات، وإن كانت له ميزة سرعة الوصول إلى سلطة مدنية إلا أنه لن يكون فى صالح قوى الثورة الحقيقية التى لم تبن تنظيماتها بعد ــ ناهيك عن تفعيلها وترسيخها ــ والفريق الآخر الذى كان يطالب بسرعة إجراء الانتخابات على أساس أنه ليس مسئولا عن عجز قوى الثورة عن تفعيل حضورها فى المشهد الانتخابى أو عن ظاهرة الأحزاب الكرتونية، التى عرفتها مصر قبل الثورة؟ توقف هذا الجدل كما توقف النقاش الأهم حول «الدستور أولا» أم الانتخابات أولا، وبدأ الجميع الآن السباق المحموم للترشح فى انتخابات مجلس الشعب المقبلة، وهو سباق «دُهِست» فيه المبادئ من أجل بضعة مقاعد فى هذه الانتخابات. لا يتصدر «شباب الثورة» هذا المشهد بما يتناسب ودورهم فيها للأسف، وإنما هم يبدون كالأشباح فى خلفيته غير قادرين على وقف الانزلاق نحو الخطر الذى يمكن أن تسلم فيه الثورة نفسها لخصومها بسلاسة مفرطة. ولعل بعض هذا الشباب قد بدأ التفكير فى «ثورة على الثورة» تحقق ما طمح إليه فى 25 يناير. تبدو الانتخابات المقبلة إذن محاطة بمخاطر هائلة أتخير منها ثلاثة فى هذا المقال.

 

●●●

 

هناك أولا أن الانتخابات سوف تجرى فى ظل انفلات أمنى فادح نعرف جميعا أبعاده، وإذا كانت «الدولة» غير قادرة حتى الآن على فرض إرادتها على «الباعة الجائلين»، وفق صحيح القانون، وإذا كانت الانتخابات التشريعية المصرية قد تميزت دوما فى ظل النظام السابق بالعنف شبه الشامل من جميع الأطراف المعنية، مع أن دولا «عربية» فى ظروف أسوأ من ظروفنا بكثير أجرت انتخابات غير مرة دون عنف كلبنان فى إطار تعقيداته الطائفية والعراق تحت الاحتلال الأمريكى، وفلسطين تحت الهيمنة الصهيونية، والسودان قبيل انفصال جنوبه ــ إذا كان الأمر كذلك، فماذا نحن فاعلون فى انتخابات يفترض أن نتائجها سوف تكون محددة لمستقبل الوطن لحقبة لا يعلم أمدها إلا الله سبحانه وتعالى. ويكفى أن مجلس الشعب القادم سوف يكون هو العامل الأهم فى صياغة الدستور الجديد إذا بقيت الأمور على ما هى عليه.

 

لن تكون معالجة الانفلات الأمنى بحشد القوات أمام اللجان الانتخابية، خاصة أنها قد تُستدرج إلى مصادمات ترتكب فيها أخطاء تذكر بما وقع فى أحداث ماسبيرو الأخيرة، الأمر الذى يوسع الفجوة بين الشعب من ناحية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة ووزارة الداخلية من ناحية أخرى، وإنما الحل فى استعادة هيبة الدولة بصفة عامة أولا حتى تعود إلى المستوى الطبيعى لأية دولة مستقرة. سيقولون إن الأمر سيستغرق وقتا، وإننا بحاجة إلى تسليم إدارة البلاد لسلطة مدنية، وهنا أتساءل: حتى ولو كان هذا على حساب الثورة؟ والمفروض كنهج بديل أن تتصاعد الضغوط المؤسسية على المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليجعل استعادة هيبة الدولة أولوية قصوى، ويتخذ الخطوات اللازمة فى هذا الصدد مع وزارة الداخلية فى إطار زمنى محدد توافق عليه قوى الثورة.

 

●●●

 

تأتى بعد ذلك قضية العزل السياسى، ولا أعرف ثورة لم تعزل خصومها سياسيا ولو إلى حين، وحديث العزل ليس وليد اليوم، وإنما بدأ مع نجاح أولى خطوات الثورة فى الإطاحة بمبارك ونخبته الضيقة، وأثير فى سياق هذا الحديث الأخذ بقانون الغدر الذى صدر فى أعقاب ثورة يوليو 1952 أو بأى قانون ملائم يعزل أولئك، الذين أفسدوا الحياة السياسية، لكن حسم هذا الموضوع تأخر كثيرا حتى بدأت عملية الترشح الفعلى للانتخابات، ووفقا لما فهمته فإن العزل السياسى لن يطبق إلا بحكم قضائى نهائى وملزم، ويعنى هذا أنه قد لا يكون هناك عزل أصلا بسبب ممارسات للإفساد السياسى لا نملك إزاءها إلا شواهد من الواقع وليس وثائق تدين من شارك فى هذه الممارسات، ويعنى هذا مثلا أن من دبروا من داخل الحزب الوطنى لضرب المتظاهرين وهتك أعراض الفتيات وغير ذلك من أعمال «البلطجة» السياسية والأخلاقية يمكن أن يدخلوا مجلس الشعب ويكملوا مدتهم فيه قبل أن تصدر بشأنهم أحكام عزل إن صدرت.

 

يثير هذا الوضع تساؤلات خطيرة: فهل يعقل أن يتقدم أحد من الذين زُورت لهم انتخابات 2010 للانتخابات الحالية؟ ولا أقصد بذلك أعضاء فى الحزب الوطنى المنحل فحسب وإنما أيضا تلك الأحزاب الكرتونية التى رضيت بالمشاركة فى مهزلة التزوير مقابل مقعد أو مقعدين، ومن ثم المشاركة فى بناء هيكل ديمقراطى شائه لمجلس2010، وهل يعقل أن يتقدم واحد من المنتمين إلى تشكيلات الحزب الذى دبر كل هذا لانتخابات «الثورة»؟ وهل يعقل أن يطبق العزل على هذه القلة الشريفة من أعضاء الحزب الوطنى التى مارست معارضة حقيقية للحزب وسياساته فى مجلس الشعب الأسبق فعوقبت بعدم تبنى الحزب لها فى انتخابات 2010؟ إن المسألة أعقد بكثير مما يتصور البعض، وكانت تقتضى دراسة متعمقة تأخذ وقتها الكافى، ويشارك فيها خبراء قانونيون وسياسيون وغيرهم، حتى تصدر أحكام (أو قرارات) بخصوص العزل السياسى دون أن تهمل أحدا يستحق العزل، أو تظلم أحدا لمجرد أن حظه العاثر أوقعه فى براثن الحزب الوطنى دون أن يفرط فى مبادئه. ما زال الأمر ممكنا ــ أى صدور قرارات العزل استنادا إلى دراسات حقيقية لأوضاع كل من يكون معرضا لقرار العزل تنتهى بتوصيات محددة ترفع إلى جهة صنع القرار. لكن الأمر يقتضى تغييرا فى الخطة لن يسمح به المتعطشون لتسلم السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

 

●●●

 

قضيتنا الثالثة هى قضية «موقع الفلول من الانتخابات المقبلة»، إذ إنه نتيجة تأخر القرار الخاص بالعزل السياسى أصبحت هذه الفلول ضيفا ثقيلا على الانتخابات المقبلة، وإن رحبت بهم أحزاب خربة الذمة طمعا فى مقاعد أكثر فى المجلس القادم، ويتنوع وجود «الفلول» ما بين الترشح على المقاعد الفردية نفسها التى فازوا فيها بالتزوير فى الانتخابات الأخيرة، إلى الترشح من خلال تلك الأحزاب الملعونة التى سبقت الإشارة إليها إلى إنشاء أحزاب خاصة بهم (أين كانت لجنة شئون الأحزاب من فكر الثورة وأهدافها وهى ترخص لهذه الأحزاب؟)، ولقد وصلت الصفاقة ببعض هذه الفلول إلى حد تهديد مؤسسات الثورة تحت شعار «اتقوا شر غضبة الصعيد»، وهى تهديدات جوفاء لا تعكس إلا ضياع هيبة الدولة، وكان أهل الصعيد الحقيقيون هم أول من كشف حقيقتهم، وأخيرا وليس آخرا يصل الأمر إلى أن «يبشرنا» بعض الصحف بأن الفلول قد أغلقوا هذه الدوائر أو تلك عليهم، فعن أى ثورة نتحدث؟

 

●●●

 

يتطلب الأمر لتدارك عواقب هذه الانتخابات الخطيرة عددا من المهام لعل بعضها قد اتضح فى السطور السابقة، وأتمنى أن تأتى فرصة للتفصيل فيها فى المقال القادم، وأعلم أن الشرر سوف يتطاير من عيون الساعين إلى «المقعد النيابى» بأى ثمن حتى ولو كان التضحية بالثورة، وأعلم أن فريقا ثانيا سوف يكون لسان حاله أن الوقت قد فات وأن السيف قد سبق العزل، وسوف يرى تيار ثالث فى روح هذا المقال دعوة لإدامة الحكم العسكرى مدة أطول مع أن مد الفترة الانتقالية فى حدود زمنية متفق عليها بين القوى المحسوبة على الثورة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة خير من القضاء على الثورة. أعلم كذلك أن شيئا مما طالبت به فى هذا المقال لن يتحقق، لكن الكلمة تبقى واجبة حتى ولو كانت مجرد «صرخة فى واد». وللأسف فإننى أعلم أخيرا أن نهجنا «الديمقراطى» الحالى قد يجعل من ثورة يناير الثورة الوحيدة فى التاريخ التى سلمت قيادتها بسذاجة مفرطة إلى خصومها الذين ضحى شباب الثورة وأنصارها بدمائهم دون تردد من أجل إسقاطهم من المشهد السياسى المصرى، فيا لها من ثورة!

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية