بعيدا عن المعركة السياسية الكبرى الدائرة حاليا حول المرحلة الانتقالية ونظام الانتخابات بين الفردى والقائمة ثمة معركة أخرى لا تقل أهمية لتطويع الحكومة من خلال الإضرابات، ومن يطلع على خارطة هذه المعركة يهاله امتدادها إلى أكثر القطاعات حيوية فى المجتمع المصرى. فى هذا الأسبوع وحده يبرز إضراب المعلمين والأطباء وسائقى هيئة النقل العام فى القاهرة الكبرى، ناهيك عن الإضراب الموعود لأساتذة الجامعات فى مطلع العام الدراسى بعد أيام. يلتف الجميع حول مطالب مادية تتمثل فى زيادة الأجور والحوافز وتأمين المستقبل كما فى المطالبات المتكررة بتثبيت العمالة المؤقتة، وكذلك مطالب معنوية مثل محاربة الفساد وإقالة القيادات المنتمية إلى النظام السابق.
يذكر الجميع أن ظاهرة الإضرابات والوقفات الاحتجاجية قد برزت فى الحياة السياسية المصرية قبل الثورة بوتيرة متزايدة وإن يكن بحضور جماهيرى أقل مما هو عليه الآن، ولا شك أن هذه الظاهرة مثلت جزءا مهما من مقدمات الثورة، ولذلك قد يبدو غريبا أن تستمر بوتيرة أعلى وحضور جماهيرى أكثر على نحو لافت بعدما يفترض أنه نجاح للثورة، لكن وجه الغرابة فيما يجرى حاليا قد يزول عندما نتذكر أن ثورة يناير حتى الآن «عنوان» بلا مبنى أو معنى، إذ إنه باستثناء الإعداد لعملية بناء نظام ديمقراطى ــ نرجو لها جميعا النجاح على الرغم من القلق المتزايد بشأنها ــ لم يتغير شىء جذرى حتى الآن على أرض مصر لا فى السياسة الداخلية ولا الخارجية، ولا تبدو «حكومة الثورة» متمتعة برؤية ثورية جسورة وإرادة لا تلين لوضعها موضع التطبيق، وإنما يظهر أن نهجها حتى الآن نهج إصلاحى خجول.
لا تقف مسئوليات مؤسسات الثورة عند هذا الحد، وإنما تمتد إلى الكيفية التى تواجه بها ظاهرة الإضرابات، فهى تواجهها بسياسات ردود الأفعال، والتراخى فى تنفيذ الوعود حال هدوء الأوضاع، والمعالجة الأمنية مثل التهديد بتوقيع العقوبات على المضربين، وقد نستثنى من هذا الطريقة التى يتعامل بها د. عمرو حلمى وزير الصحة مع إضراب الأطباء، فهو يجتمع بهم ويستمع إليهم، وفى الوقت نفسه تجب الإِشارة إلى السلوك الرشيد من قبل منظمى الإضراب بتفهم احتمال عدم إمكانية الاستجابة لمطالبهم المادية وتشديدهم بالمقابل على المطالب «المعنوية» مثل إقالة القيادات الفاسدة والاعتراف بمشروعية الإضراب، ولو أن المعالجة الحكومية قد اتسمت عموما بروح المبادرة، والاستجابة للمطالب المادية المشروعة (مثل تثبيت العمالة المؤقتة التى يعلم الجميع ملابساتها) فى حدود القدرات المتاحة مع خطاب سياسى موجه للمضربين يبنى على الشفافية الكاملة، ويضع جدولا زمنيا لتنفيذ المطالب المشروعة، ويستجيب لما هو غير مادى منها كتغيير قيادات الصف الثانى التى تم تعيينها فى ظل النظام السابق ووفقا لمعاييره، لو أن هذا أو غيره قد حدث لتغير واقع الحال عما هو عليه الآن بكثير.
لكن المسئولية لا تقع على عاتق مؤسسات الحكم وحدها وإنما يشاركها المضربون فى حملها. من حيث المبدأ فإن الإضراب حق قانونى، ومطالب المضربين مشروعة فى معظمها (لأن ثمة من يضربون من أجل مطالب عبثية). لكن هذا بالتأكيد ليس هو الوجه الوحيد للمشكلة، وهناك من يركز على الخسائر التى يتحملها الاقتصاد الوطنى من جراء الإضرابات، وهناك أيضا من يرد عليهم بأن الحكومة هى السبب فى هذه الخسائر لأنها لا تحسن التعامل مع الظاهرة، غير أن قضيتى مختلفة تماما فكون الإضراب حقا لا يلغى المسئولية الاجتماعية والوطنية للمضربين، وأسمح لنفسى لتوضيح وجهة نظرى هذه بأن أعرض تجربتى «كمعلم جامعى» قضى عشرات السنين فى هذه المهنة.
قد لا يعرف القارئ غير المتخصص أو غير المتابع أن الجامعات المصرية تعمل فى ظل ظروف هزلية من منظور الوقت المتاح للعملية التعليمية، فالفصل الدراسى عادة ما يبدأ متأخرا لأسباب عديدة، وهى هذا العام إجراء انتخابات القيادات الجامعية التى كان ممكنا أن تجرى فى الشهر الماضى بشىء من حسن التدبير، ثم هناك الإجازات العديدة التى تستغرق ما لا يقل عن أسبوع وقد يزيد، وهى فى الفصل الدراسى القادم إجازة 6 أكتوبر وعيد الأضحى، ثم هناك أسبوع يخصص لامتحانات نصف الفصل الدراسى، ومهلة زمنية تعطى للطلاب قبل الامتحانات تتوقف فيها المحاضرات من الناحية العملية، والوقت الممتد فى جداول الامتحانات بسبب تشابكات المقررات التى يدرسها الطلاب نتيجة «تطوير» العملية التعليمية، ناهيك عن مظاهرات الطلاب فى مناسبات محددة وسفر بعض الأساتذة فى مهام علمية قصيرة. فى هذه الظروف أذكر أن بعض الفصول الدراسية لم يكن يكمل الشهرين عمرا. وبعد هذا نتحدث عن تدهور «المنتج الجامعى»، فكيف يكون الحال إذا أضفنا إلى ما سبق أسبوعا أو أسابيع يضرب فيها الأساتذة، وكيف ينعكس هذا كله على العملية التعليمية المناط بها إعداد الأجيال علميا لبناء المستقبل. وأقولها صراحة إننى كأستاذ جامعى لا يمكننى ــ على الرغم من موافقتى المطلقة على مطالب المضربين ــ أن أمتنع عن التدريس لطلابى فى هذه الظروف التى يحتاجون فيها إلى العلم والقدوة.
وما يقال عن التعليم الجامعى يمكن أن يقال أكثر منه بكثير عن التعليم ما قبل الجامعى، وسنكتشف ببساطة أن الخلل فى بنية العملية التعليمية واحد، والمحاذير واحدة، والتوقف عن القيام بالوظيفة التعليمية هو امتناع عن المساهمة فى إعداد أجيال تبنى مستقبل مصر على أساس من العلم. أما الأطباء فأقل ما يقال عنهم إنهم مسئولون عن سلامة المواطن وحياته، وسائقو النقل العام بمقدورهم أن يحدثوا شللا جسيما فى مفاصل القاهرة الكبرى، وأن يزيدوا معاناة المواطن محدود الدخل بتعريضه لاستقلال وسائل النقل الخاصة.
هل يعنى ما سبق أن يرضى المضربون عن الظلم والضيم وهدر الحقوق؟ بالتأكيد لا يمكن أن يكون هذا مقابلا عادلا لمن يفون بمسئوليتهم الاجتماعية والوطنية، وإنما يكمن الحل فى وسائل لا أقول إنها مبتكرة، وإنما هى قادرة على توصيل الرسالة وممارسة الضغط على الحكومة دون إضرار بالمجتمع أو الوطن، وقد اعتصم عمال المحلة فى إحدى معارك نضالهم فى مصانعهم دون أن يتوقف الإنتاج أو تتعرض معداتهم لأى تخريب، مع أن التوقف والتخريب ربما كانا أكثر فاعلية فى الضغط على الحكومة، وقد يلجأ المضربون إلى الإضرابات الرمزية: ساعة يوميا أو يوما فى الأسبوع مع الاستعداد للتصعيد التدريجى إذا لم يفلح هذا الأسلوب الحضارى فى إجبار الحكومة على الاستجابة لمطالبهم المشروعة، وقد يبدأ منظمو الإضرابات بالتفاوض الجماعى مع الجهات الرسمية مع التلويح باللجوء إلى الإضراب الفعلى حال إخفاق المفاوضات، وبالتأكيد فإن ثمة وسائل أخرى معروفة فى الخبرات النضالية النقابية يستطيع الراغبون فى ممارسة حق الإضراب أن يطلعوا عليها وأن يختاروا ما يلائمهم منها. أما الإخلال بالمسئولية الاجتماعية والوطنية فأعتقد أنه يجب أن يظل خطا أحمر.
إن تأمين حاضر الوطن وبناء مستقبله على أسس سليمة هما مسئوليتنا جميعا.. الحكومة بحسن التعامل مع ظاهرة الإضرابات، والمضربون بتقدير مسئولياتهم تجاه المجتمع والوطن، وما لم نتكاتف جميعا فى حمل مشكلات الوطن وحلها بالروحية السابقة فإن علامة الاستفهام سوف تسقط من عنوان هذا المقال لتصبح الدولة المصرية بالفعل خارج نطاق الخدمة!