للمرة الثانية فى أقل من عقد ونصف عقد من الزمان تتعرض غزة لعدوان إسرائيلى تدميرى بعد عدوان 2008 /2009، لكن الموقف الاستراتيجى فى المنطقة قد تغير، أو على الأقل يشهد إرهاصات تغير، وذلك بعدما عُرِفَ «بالربيع العربى» ووصول جماعة «الإخوان المسلمين» إلى سدة الحكم وكذلك حزب النهضة فى تونس، فضلا عن وجودهم المؤثر فى كل من ليبيا واليمن. وهو ما يعنى أن ثمة قاسما «أيديولوجيا» مشتركا يربط بين هذه البلدان ــ أو مصر وتونس على الأقل ــ بحكومة «حماس» فى غزة حيث يفترض أن حركة «حماس» هى فى الأصل فرع فلسطينى «للإخوان المسلمين»، لكن لهذا التغير حدوده بطبيعة الحال على نحو ما سنرى فى السطور القادمة.
كنت قد أشرت فى مقال نشر فى باب «وجهات نظر» بجريدة الاتحاد الإماراتية فى السادس من هذا الشهر بعنوان «نذر صراع إقليمى قادم» إلى سيناريوهات عدوان إسرائيلى مرجح على غزة، وكان أحد هذه السيناريوهات هو ما ورد نصا فى المقالة «أن تقدر القيادة الإسرائيلية أن ثمة نموا نوعيا فى القدرات العسكرية لفصائل المقاومة وعلى رأسها «حماس»، فتقوم بضربة إجهاض واسعة النطاق تشبه عدوانها على القطاع فى أواخر 2008 ــ رغم أنها لم تتمكن آنذاك سوى من التدمير دون أن تحقق أيا من أهدافها الاستراتيجية، وسوف ترد فصائل المقاومة بقصف صاروخى قد يكشف عن امتلاكها صواريخ أكثر تقدما وأكثر قدرة على إلحاق الضرر بأهداف إسرائيلية»، وقد كان. يشبه هذا العدوان سابقه فى 2008 /2009 من زوايا عديدة، فالقصف الوحشى تكرر بحذافيره، وكذلك مظاهر تدمير العمران، وسوف يشبهه أيضا بإذن الله فى عجز إسرائيل عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية التى حددها وزير خارجيتها المتطرف باستعادة الهدوء لجنوب إسرائيل، واستعادة الردع مع فصائل المقاومة فى غزة، والقضاء على مخزون «الإرهابيين» من الصواريخ.
•••
لكن التغير حدث على أكثر من صعيد، فقد كشف العدوان عن قدرات أكبر للمقاومة بالفعل، وتحسن دقة توجيه صواريخها ومن ثم زيادة فعاليتها فى إلحاق أضرار بالأهداف الإسرائيلية، ناهيك عن أن هذه الصواريخ أصبحت أطول مدى بحيث وصلت إلى أهداف على بعد 12 كم جنوبى تل أبيب. وقد دخل بعض المحللين كالعادة فى جدل مؤداه أن صواريخ المقاومة لن تنجح فى تأسيس علاقة ردع متبادل مع إسرائيل. ويذكرنا هذا الجدل بالسخرية المُرّة التى نالتها صواريخ المقاومة فى بدايتها المتواضعة، بل واتهامها بأنها لن تجلب سوى الدمار على غزة، ولا يسمح المكان بالتعليق التفصيلى على ما يراه هؤلاء ولكن الإشارة تكفى، لأن عليهم أن يقرأوا تاريخ حركات التحرر الوطنى الذى يشير دون لبس إلى أن نضالها بدأ من وضع مزرٍ لميزان القوى بينها وبين عدوها، لكنها تطورت بالتدريج تسليحا وأداء إلى أن وصلت فى نقطة زمنية معينة إلى حد القدرة على إلحاق ضرر بالخصم لا يستطيع أن يتحمله «سياسيا». لم تهزم هذه الحركات جيوش الاحتلال وإنما أثبتت قدرتها على الصمود بل والنمو، بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه من قدرة على إلحاق أضرار غير مقبولة «سياسيا» بالخصم.
أما التغير الثانى فكان فى الموقف المصرى ثم العربى، وهو تغير منطقى بالنظر إلى المناخ الجديد فى مصر والوطن العربى، ووصول من كانوا تاريخيا من أوائل من حاربوا إسرائيل ومشروعها إلى سدة الحكم، وقد تمثل التغير فى الموقف المصرى فى تحركات دبلوماسية فورية وخطاب سياسى مختلف عن مثيله فى النظام السابق. أما التحرك الدبلوماسى فتمثل أساسا فى سحب فورى للسفير المصرى فى تل أبيب، وهى خطوة صحيح أن النظام السابق قد اتخذها مرتين ردا على الاجتياح الإسرائيلى للبنان فى 1982 والسلوك الإسرائيلى تجاه انتفاضة الأقصى 2000، غير أن «الفورية» قد ميزت التحرك المصرى الدبلوماسى عكس النظام السابق الذى كان يتباطأ طويلا فى اتخاذ هذه الخطوات حتى تفقد أهميتها، بالإضافة إلى أن الخطوات تمت فى ظل خطاب سياسى جديد، فوزير خارجية مصر يصف ــ للمرة الأولى منذ معاهدة السلام ــ العمليات الإسرائيلية فى غزة بأنها «إجرامية»، ورئيس الجمهورية يرسل تهديدات مبطنة لإسرائيل بأن «مصر» لم تعد مصر السابقة وكذلك العرب والمسلمين، مع تصريحات مفادها أن مصر لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدى إزاء العدوان الإسرائيلى، وكلها مواقف أعادت لمصر بعد غياب طويل زمام المبادرة فى التحركات الدبلوماسية العربية ــ بغض النظر عن فاعليتها ــ فدارت مداولات مجلس وزراء خارجية الدول العربية يوم السبت الماضى حول التحركات والأفكار المصرية أساسا.
وكما أن التغير فى الموقف المصرى واضح فإن حدوده واضحة، ويمكن إبداء ملاحظتين فى هذا الصدد أولاهما أن تصريحا واحدا لم يصدر عن أى من قيادات الجيش المصرى بخصوص عمل عسكرى مساند للمقاومة الفلسطينية، وهو أمر مفهوم ومقبول، وإنما أشير إلى تحركات عسكرية مصرية لا شك أن الهدف منها هو تأمين سيناء ضد مخاطر امتداد العدوان الإسرائيلى إلى الأراضى المصرية ــ ولو من قبيل المطاردة الساخنة، وقد أشار مقال «نذر صراع إقليمى قادم» الذى سبق التنويه إليه إلى هذا الاحتمال. أما الملاحظة الثانية فهى أن جهود التهدئة المصرية تجرى على قدم وساق من أجل وقف العدوان محاطة بدعم عربى، وقد صرح رئيس الجمهورية بأن مؤشرات نجاح جهود الوساطة المصرية باتت واضحة غير أنه لا يمكن ضمان أى شيء ــ على حد قوله، وهذا الشق بالذات من التحرك المصرى تكرار حرفى لسلوك النظام السابق فى مواجهة أى عدوان إسرائيلى وبالذات على غزة.
على الصعيد العربى بدت مؤشرات التغير أقل وضوحا ومع ذلك فهى مهمة. لا شك أننا نذكر الانقسام العربى المروع الذى وقع إبان عدوان إسرائيل على غزة 2008 /2009 بين من يُحمِّل «حماس» مسئولية ما وقع ومن يعتبر إسرائيل هى الفاعل الحقيقى فى العدوان، كما هى فى كل أعمالها العدوانية ضد ما تبقى من فلسطين ومن يظاهرها من الدول العربية، لكن العرب فى هذه المرة بدوا على قلب رجل واحد، وهو أمر مهم على الرغم من أن محصلة الموقف العربى فى اجتماع مجلس وزراء الخارجية يوم السبت الماضى لم تخرج عن ردود الفعل التقليدية من إدانة للعدوان إلى تحركات فى مجلس الأمن معروفة حدودها سلفا بسبب «الفيتو» الأمريكى. وربما كان الأمر الوحيد الخارج عن المألوف نسبيا فى ذلك الاجتماع هو تصريح الأمين العام للجامعة العربية بخصوص ضرورة مراجعة مبادرات السلام، وهو تصريح نأمل فى أن يكون نقطة انطلاق لاستعادة العرب سقفهم المشروع دبلوماسيا بدلا من المبادرات التى ثبت عقمها وعجزها.
•••
يشير كل ما سبق إلى أنه على الرغم من مؤشرات التغيير الإيجابى فإنها لم تفض ــ ولن تفضى ــ فى حد ذاتها إلى قدرة مصرية-عربية على وقف العدوان الإسرائيلى، اللهم إلا إذا نجحت جهود التهدئة المصرية، وإن كان نجاحها يعنى تنازلات متبادلة وليس انتصارا للضحية فى مواجهة الجانى. ما زالت آفاق العدوان مفتوحة، والحديث عن تحوله إلى عملية اجتياح برى شامل متواتر، وإن دار حولها جدل سياسى وعسكرى فى إسرائيل، ويعتقد أن خبرة إسرائيل فى عدوان 2008 /2009 سوف تجعلها تفكر طويلا قبل القيام بعملية برية واسعة النطاق، وأيا كانت التطورات فى الأيام القليلة القادمة فإن إسرائيل لن تحقق أيا من أهدافها الاستراتيجية كما كان حالها فى 2008 /2009، بل إن «حماس» على العكس سوف تخرج رابحة من المنظور السياسى بعد أن انتهت عزلتها العربية، ودنت بوادر رفع الحصار عنها.