الانتخابات البرلمانية القادمة: علامات إنذار مبكر - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:29 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الانتخابات البرلمانية القادمة: علامات إنذار مبكر

نشر فى : الخميس 23 سبتمبر 2010 - 10:05 ص | آخر تحديث : الخميس 23 سبتمبر 2010 - 10:05 ص

 اقترب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة، وهى ليست كالانتخابات السابقة عليها سواء بالنظر إلى حالة الحراك السياسى المتسارع التى تمر بها مصر، أو إلى تراجع الأداء الحكومى بشكل لافت فى عديد من القطاعات الخدمية التى تمس الحياة اليومية للمواطنين، أو لأن المجلس القادم سوف يكون هو المعاصر لانتخابات رئاسية جديدة بكل اللغط المثار حولها.

ولهذه الاعتبارات فإن «مجلس الشعب» القادم يجب أن يكون مناصرا وقويا من وجهة نظر الحزب الحاكم، عاكسا للتنوع الذى تشهده الحياة السياسية من وجهة نظر المعارضة، وهناك علامات مبكرة تنذر بسوء قادم فى هذه الانتخابات معظمها ليس بجديد وإن بدا تفاقمه واضحا فى عديد من الحالات على نحو ما سنرى، مع أن المفروض أن نتقدم إلى الأمام ولا نتراجع إلى الخلف، وأود أن أركز على أربع فقط من هذه العلامات تتعلق بالعنف ودور المال وظاهرة ترشيح الوزراء وانقسام المعارضة.

فى العنف كم يشعر المرء بالأسى وهو يرى دولا تواجه تحديات هائلة كاحتلال أجنبى أو تفكك مجتمعى تجرى انتخاباتها البرلمانية دون عنف يذكر، مع أن العنف بات ملمحا من ملامح حياتها اليومية كما هو الحال فى الانتخابات البرلمانية التى أجريت فى السنوات الأخيرة وصولا إلى هذه السنة فى كل من الأراضى الفلسطينية المحتلة ولبنان والعراق، مع أن درجة العنف التى شهدتها هذه البلدان عموما وفى السنوات الأخيرة خصوصا لا يمكن مقارنتها بحال مع درجة العنف فى الحياة السياسية المصرية.
ومشكلة العنف لدينا أنه ليس عنفا سياسيا فحسب بين الحزب الحاكم وقوى المعارضة، وإنما هو «عنف مجتمعى» حتى يكاد المرء يخشى من وصول الأمور إلى حالة «حرب الجميع ضد الجميع» التى وصّفها مفكر العقد الاجتماعى الشهير توماس هوبز.

علامة الإنذار هنا أن سحب العنف بدأت تتجمع مبكرة حتى قبل فتح باب الترشح، بل لقد سقط أول ضحاياها بالفعل، فماذا يكون عليه الحال فيما هو قادم من مراحل؟ والمشكلة أن الانتخابات ستجرى هذه المرة دون إشراف قضائى «شامل» كما كان عليه الحال فى الانتخابات السابقة (وإن لم يحمها من تهمة التزوير)، وبالتالى فإن الاحتجاجات على النتائج سوف تكون أكثر وأشد حدة، وأن الانتخابات ــ عكس المرة السابقة أيضا ــ ستجرى دفعة واحدة مما يشكل عبئا إضافيا على قوات الأمن فى كبح العنف.

يأتى بعد ذلك دور المال، وهو معروف فى الدنيا كلها، ومعروف لدينا وعلى نحو متزايد فى الانتخابات الأخيرة بعد أن أصبح عدد من أصحاب المليارات يمولون الحزب الحاكم، ويطمحون إلى دور سياسى يتناسب وثقلهم الاقتصادى، والمشكلة التى لا شك فيها أن المال يزيف إرادة الناخبين خاصة فى ظل ضعف الوعى أو غيابه، وتفاقم الفقر لدى غالبية الشعب المصرى. فى هذه المرة هناك ما يقلق أكثر، لأن الحزب الوطنى فرض أصلا «رسم جدية» على الراغبين فى الترشح، وبعضهم جاد على الحزب بأكثر مما هو مطلوب بكثير، وقرأنا تقارير صحفية ــ لم يتم تكذيبها ــ عن عيديات وزعت فى صلاة عيد الفطر بلغ مقدارها فى دائرة واحدة من مرشح واحد ربع مليون جنيه، وقرأنا كذلك عن هدايا عينية يقدمها وزراء تقدموا للترشيح لا ندرى مصدر تمويلها تحديدا، وغير ذلك الكثير، وكلها مؤشرات تعنى أن دور المال ماضٍ فى طريقه إلى «التغول» فى الانتخابات القادمة على حساب إرادة الناخبين.

أما عن ترشيح الوزراء فهى ظاهرة ليست بالجديدة بدورها، لكن هذا لا يعنى التسليم بصحتها، أو على الأقل التسليم بصحتها فى كل الأحوال.

فى النظم البرلمانية يشترط أن يكون الوزير نائبا منتخبا فى السلطة التشريعية، أما فى نظامنا السياسى الخليط بين النظامين الرئاسى والبرلمانى فليس هذا شرطا، ومن المعروف أن ميزة ترشيح الوزراء بالنسبة للحزب الحاكم تكمن فى توفير كوادر معروفة للجماهير وقادرة على منافسة الخصوم الأقوياء، خاصة أن المواطن العادى قد يفضل أن ينوب عنه مسئول تنفيذى يستطيع تحسين الخدمات المقدمة إليه عن أن يمثله معارض مشاكس قد تعاكسه الحكومة دوما بعدم الاستجابة لطلباته.

لكن السؤال المهم هنا فى ظل التراجع المستمر والملحوظ فى الأداء الحكومى وبالذات فى قطاعات خدمية تمس الحياة اليومية للمواطنين: هل من الأفضل للحزب الحاكم أن يتفرغ وزراؤه لتحسين الأداء فى وزاراتهم، ومن ثم كسب شعبية أكثر للحزب الحاكم؟ أو توزيع وقتهم بين عملهم التنفيذى ومعاركهم الانتخابية ودورهم البرلمانى بافتراض أنهم سيفوزون طبعا؟ الأمر الذى يؤثر على أدائهم فى المجالين، ناهيك عن احتمال تشويه صورتهم لدى الجماهير إذا شابت فوزهم تهمة تزوير واضح، بالإضافة إلى أن هناك دائما شبهة استغلال الوزير موقعه التنفيذى فى معركته الانتخابية لجلب المزيد من الخدمات لدائرته، ومن السهولة بمكان القول إن هذه الخدمات كانت مخططة سلفا فى ميزانية الحكومة أو البرنامج الانتخابى لرئيس الجمهورية، ولكن التحقق من ذلك قد لا يكون ممكنا فى كل الأحوال.

تبقى أخيرا علامة إنذار مبكر تأتى من صفوف المعارضة نفسها، وتتعلق بانقسامها اللافت، ولا شك أن قوى المعارضة فى الحياة السياسية المصرية ما زالت ضعيفة، وأحد الأسباب الرئيسية لضعفها عدم قدرتها على تكوين ائتلاف حقيقى فيما بينها، ومن يتابع حركة هذه القوى فى السنوات الأخيرة سوف يسهل عليه رصد هذا الملمح بوضوح. يحدث ذلك على الرغم من التقارب ــ إن لم يكن التطابق ــ فى الأهداف الكبرى لهذه القوى، وأحد تجليات هذا الانقسام يبدو واضحا فى مسألة مقاطعة الانتخابات، فبعض الأحزاب والقوى السياسية يدعو إلى المقاطعة ويتمسك بها فيما يرفضها الآخرون، الأمر الذى يهبط بتأثير المعارضة إلى الحد الأدنى.

ولا شك أن للمقاطعة أصولا، وأول هذه الأصول أنك لكى تنجح فى مقاطعتك يجب أن تكون المقاطعة شاملة بحيث يصبح وضع الحزب الحاكم فى مصر شبيها «بلجنة ملنر» فى عشرينيات القرن الماضى التى لم تجد «هرة» تفاوضها بإيعاز من الزعيم سعد زغلول، لكن مقاطعة الانتخابات البرلمانية القادمة سوف تكون بعيدة تماما عن الشمول، ليس فقط لأن ثمة قوى سياسية مهمة لن تقاطعها كالإخوان والوفد، وإنما أيضا لأن الانتخابات ظاهرة «مجتمعية» جنبا إلى جنب مع كونها ظاهرة «سياسية»، ولذلك يدخل ممثلو «العصبيات» و«القبائل» و«الأسر» الانتخابات لأسباب لا علاقة لها بالموقف من الحزب الحاكم، وإنما بالمكانة والدور القيادى فى مجتمعاتهم المحلية، وإذا كانت «المقاطعة» على النحو المتوقع لن تمنع الانتخابات أو المشاركة فيها فإنها من ناحية أخرى سوف تحرم القوى المقاطعة من فرصة نشر برنامجها السياسى والدفاع عنه، وكسب نقاط سياسية فى المعركة ضد الحزب الحاكم نتيجة أى مخالفات صارخة تتم فى الانتخابات.

هذه وغيرها من علامات إنذار مبكر بصدد الانتخابات البرلمانية القادمة أعلم أنها مجرد «صرخة فى وادٍ»، لأن المدة الباقية على إجراء الانتخابات لا تكفى لتصحيح الصورة بافتراض وجود نية التصحيح أصلا، ولذلك فإن المتاح يتراوح بين الترقب المشوب بالإحباط من ناحية توقعا لسوء قادم، والأمل من ناحية أخرى فى أن يبقى حلم التقدم إلى الأمام ممكنا دائما على الرغم من كل شىء.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية