نافذة على التاريخ - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:44 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

نافذة على التاريخ

نشر فى : الخميس 24 يناير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 24 يناير 2013 - 8:16 ص

لم أنزل ميدان التحرير يوما واحدا أو حتى ساعة إبان الأيام العظيمة لثورة يناير. لم يكن ذلك راجعا إلى عضوية أصيلة فى «حزب الكنبة» وإنما شاء حظى أن أكون قد أجريت عملية جراحية قبيل الثورة مباشرة، وكانت أيام الثورة هى ذاتها أيام نقاهتى، ولذلك كانت متابعتى لأحداثها من خلال التليفزيون والصحافة، لكن المفاجأة أن نوافذ منزلى التى تطل على شارع الهرم وشرفته كانت وسيلة ليس فقط لمتابعة أحداث الثورة وإنما التنبؤ بمسارها. كنت كغيرى أتابع الاستعدادات ليوم 25 يناير، وتوقعت أن يكون يوما مشهودا يضاف إلى أيام النضال ضد نظام «شاخ» فى موقعه ــ اقتباسا من تعبير للأستاذ هيكل سبق الثورة بمدة ليست بالقليلة، لكن المشكلة تمثلت فى أنه لم يكن نظاما «شاخ» فحسب، وإنما كان تجسيدا لأسوأ معانى الاستبداد، وما ارتبط بذلك من تزوير فادح وفاضح لإرادة الشعب، وقبضة أمنية لا ترحم، ناهيك عن زواج الثروة بالسلطة وإسقاط العدالة الاجتماعية فى ساحة الفعل، إذ ظلت شعاراتها تتردد على ألسنة رجال السلطة لكن إفقار الطبقات الشعبية تفاقم على نحو مخيف، ولكننى ككثيرين غيرى لم أكن أتوقع أن يكون 25 يناير هو يوم انطلاق الثورة العظيمة. بل إننى سمعت بأذنى وشاهدت بعينى نفرا من الشباب الذين لعبوا دورا قياديا فى التمهيد لـ25 يناير يرون المعنى نفسه، وقال أحدهم إن غاية ما كانوا يتمنونه هو الإطاحة بوزير داخلية النظام وحامى جميع ممارساته السابقة. لكن «كيمياء» الشعوب صعبة الفهم، وعلى الرغم من أن آخر سنتين فى عمر النظام ــ وبالذات سنته الأخيرة ــ كانتا دالتين على أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة إلا أن أحدا لم يكن يستطيع أن يجزم بأن يوم 25 يناير هو يوم وفاته.

 

•••

 

تناهت إلى سمعى أخبار اليوم الأول لما أصبح بعد ذلك ثورة عظيمة، وكان واضحا أنه كان يوما غير عادى من أيام النضال ضد النظام، لكن ذلك لم يكن كافيا للجزم بأن ذلك يمثل بداية لثورة ناجحة، فهناك اعتبارات الصمود ووضوح الرؤية وتصاعد الحشد، لكن «نافذتى» على شارع الهرم كانت أولى مصادر تفاؤلى بأن ثمة شيئا جديدا يوشك أن يولد من رحم 25 يناير، ففى اليوم التالى ــ 26 يناير ــ انتبهت إلى أصوات حشود سارعت إلى متابعتها من النافذة فإذا بها ــ من واقع الخبرة الماضية ــ حشود ضخمة تفصل بينها مدد زمنية قصيرة تمضى جميعها فى اتجاه ميدان التحرير. لكن الأهم من ذلك أن هتافاتها تعكس إرادة التغيير: «الشعب يريد إسقاط النظام»، وهذا هدف ثورى وليس «احتجاجيا». لفت نظرى كذلك شعار «سلمية» الذى كانت تردده كلما اقتربت منها قوات الشرطة، والغريب أنها كانت تتجنب المواجهة ربما إحساسا بضآلة إمكانات العنف الذى تستخدمه عادة فى مواجهة الحشود الضخمة التى جعلنى تعاقبها ثم شعاراتها أتيقن من أن تنظيما لابد وأنه يقف خلف ما يحدث.

 

سارت الأمور على المنوال نفسه فى اليوم الثالث -27 يناير- كما ظهر لى من «نافذتي»، لكن اليوم الرابع كان شيئا آخر. استمرت الحشود، لكننى فى عصر ذلك اليوم سمعت أصواتا مدوية. سارعت إلى النافذة فإذا بها مجموعة من رجال الشرطة لا يزيد عددها عن خمسة عشر فردا يقودهم ضابط شاب تطلق قنابلها المسيلة للدموع فى مواجهة أحد الحشود الضخمة المتجهة إلى ميدان التحرير. بلغ بى الفضول مبلغه فخرجت إلى الشرفة غير أننى لم أحتمل الرائحة لأكثر من ثوانٍ قليلة، وكاد الدوار يصيبنى، فدخلت من الشرفة مسرعا وقلت لنفسى ليست هذه أبدا هى القنابل التى خبرناها فى السبعينيات من القرن الماضى، وكان ممكنا للمرء أن يحتملها ويتعايش معها. لكن المثير أن هذه الحشود ابتعدت عن مجموعة القصف هذه بمسافة وهى تردد «سلمية.. سلمية». استمر القصف بعض الوقت ثم سكت، وكان واضحا أن ذخيرة المجموعة قد نفدت فانسحبت مسرعة إلى الخلف بغير تنظيم، وتهافت أفرادها على ركوب العربة التى حملتهم إلى المكان. وعلى الفور تقدم الحشد من موقعه الخلفى بسرعة مرددا شعاراته وشق طريقه إلى حيث يريد.

 

•••


 لكن ما حدث هذا كان مؤشرا على ما وقع بعده، وهو عجز الشرطة عن مواجهة الموقف وانسحابها مع حلول الليل من مواقعها، ونزول الجيش صاحب التقاليد الوطنية العريقة إلى الشوارع لحفظ النظام، وتصورت أن الأمر قد انتهى، وتابعت التطورات من مصادرها الأصيلة دون أن تغفل عينى أو أذنى عما يحدث فى شارع الهرم. ساد هدوء تام فى تلك الليلة، غير أننى فى الثانية صباحا على وجه التقريب سمعت أصوات حركة غريبة فى الشارع. سارعت إلى نافذتى فإذا بعديد من الأفراد يسيرون جميعا فى اتجاه الغرب ويحملون على رءوسهم أو يدفعون بأيديهم أغراضا متنوعة، فهذا يحتضن قدر طاقته كرسى فوتيه ضخم، وذلك يمسك فى يده بأباجورة، وثالث بمروحة ورابع ببوتاجاز، وكان واضحا أن بعضهم يئن بما يحمله ولكنه مع ذلك يسرع الخطى حتى يصل بغنيمته إلى بر السلام، وأدركت على الفور أنه «اليوم الثالث» لكازينو الليل، فمنذ حوالى ثلث القرن تعرض للموقف نفسه أثناء انتفاضة يناير 1977، وما زلت أذكر الصور التى سجلت لذلك الحدث، وأدركت أنها تكاد أن تكون مطابقة لما أراه بعينى الآن. وتكرر الأمر نفسه فى أحداث الأمن المركزى ١٩٨٦ لكن القصة لم تكن قد تمت فصولها بعد، فبعد ساعة تقريبا أصمت الآذان أصوات أعداد هادرة من مدرعات الجيش معظمها يسير باتجاه التحرير، لكن بعضها كان واضحا أنه مكلف بحفظ الأمن فى المنطقة، فأخذ يتحرك بانتظام فى اتجاهى الطريق وهو يطلق بغزارة فى الهواء رشاشاته الثقيلة ذات الأصوات المزعجة التى كانت ليلتها أحلى الأصوات بقدر ما كانت تعنى أنه ما زال للدولة ــ وليس للنظام ــ من يحميها.

 

فى الليلة التالية ظهرت مجموعات من الشباب التى حلت بمبادرة ذاتية محل الشرطة فى وظيفة الحماية، واستمر وجودها إلى ما بعد نجاح الثورة، وكانت أصوات تسامر هؤلاء الشباب فى ساعات الليل الأخيرة وساعات الفجر الأولى مبعث اطمئنان حقيقى، ولفت نظرى أن ثمة تنسيقا بين تلك المجموعات وبين دوريات الجيش التى كانت تسارع إلى المكان كلما اشتبه الشباب فى فرد أو سيارة، واستمرت أيام الثورة، وكان لقواها الرافضة فى ميدان التحرير فضل وضوح الرؤية الذى حال دون انخداع قطاعات من الشعب بمحاولات التسوية الهزيلة التى تقدم بها مبارك متأخرا كعادته، حتى وصلنا إلى يوم تنحيه الذى كان بحق يوما من أيام مصر والوطن العربى. وسادت الفرحة كل مكان، ولم يعد ممكنا للسيارات التى تطلق صفاراتها ابتهاجا أن تتحرك فى أى من اتجاهى شارع الهرم إلا بصعوبة بالغة، وتحققت أمنية قديمة لدى بأن يحدث فى السياسة ما يحدث فى الانتصارات «الكروية» الكبرى، فقد كانت الجماهير تملأ الشوارع بعدها، لكن السياسة لم تكن تحركها بحال.

 

•••

 

تفاءلنا جميعا بالمستقبل، لكن انقسام الثوار، وسوء اختيار الكوادر المنوط بها تحمل مسئولية ما بعد الثورة، ومحاولات فصيل بعينه الانقضاض عليها ــ كلها أمور أشاعت الإحباط، ومرت التطورات المتلاحقة فى اتجاه بدا معاكسا للثورة والحالمين بها، فبعد قوى سياسية وجماهير موحدة تنجز المهمة الثورية فى حماية الجيش، إذا بالانقسام يعم والأسافين تدق بين الشعب وقواته المسلحة، وبعد الأمل فى ديمقراطية حقيقية إذ بنا مهددون بواحد من أسوأ النظم الفاشية، وبعد الأمل فى عدالة اجتماعية حقيقية تنصف الطبقات المقهورة إذا بكل شىء يبقى على حاله، وبعد الأمل فى تنمية وطنية حقيقية إذا بالتبعية الاقتصادية للنظام تزداد وطأتها على نحو ينذر بالخطر. فما أبعد الليلة عن البارحة!

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية