في انتظار العقل - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:57 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

في انتظار العقل

نشر فى : الخميس 24 نوفمبر 2011 - 9:50 ص | آخر تحديث : الخميس 24 نوفمبر 2011 - 9:50 ص

حاولت إخفاء وجهى أو إغماض عينَىَّ وأنا أتابع عمليات قمع المتظاهرين فى يومها الأول فى ميدان التحرير لكننى لم أستطع. شعرت بالعار وأنا أشاهد نفرا من جنود الأمن المركزى ينهالون بالعصى الغليظة على أحد المتظاهرين، أو ذاك الجندى الذى يسحل فتاة من شعرها على أرض الميدان، أو ذلك الآخر الذى يجر جثمان أحد الشهداء على الأرض إلى أن يلقى به بجوار الرصيف. حدثتنى نفسى بأن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا جنود الثورة، وإنما بدا لى أنهم يصفون حسابات قديمة مع المتظاهرين، لكن الأخطر من سلوكهم هو طبيعة الأوامر التى يجب أن يكونوا قد تلقوها من رؤسائهم، والشحن الذى تعرضوا له حتى يفعلوا ما فعلوه. أقول قولى هذا وأنا ممن يختلفون مع مطالب أساسية للمتظاهرين، ويدين الاعتداء على المؤسسات السيادية والممتلكات العامة، ويستنكر «السباب» الموجه للمجلس الأعلى للقوات المسلحة وقيادته، لكن كرامة المواطن المصرى يجب أن تبقى خطا أحمر.


لم يقتصر الأمر على مشاعرى السابقة فحسب وإنما تداعت إلى ذهنى علامات استفهام كثيرة على رأسها سؤال محير: لماذا هذه الازدواجية فى المعايير؟ لقد ظلت مجموعات من أهل قنا تمارس ـ وهى تعترض على تعيين محافظ قبطى ـ كل أنواع الخروج على القانون وقطع للطرق الحديدية والبرية إلى أعمال أخرى دون أن يقترب منها أحد إلى أن تمت الاستجابة لمطلبهم، وكان بمقدورهم أن يحققوا الهدف نفسه بحصار مبنى المحافظة، وظل المحتجون من أهل دمياط على وجود مصنع موبكو يشلون ميناء دمياط ويقطعون الطرق التى تصلها بغيرها، ويحاصرون مدينة رأس البر، ويتسببون بذلك فى خسارة هائلة للاقتصاد ناهيك عن المعاناة الإنسانية إلى أن قامت «لجنة حكماء» بحل الأزمة، وهنا يثور سؤال محير: هل انتهاك القوانين وتعطيل المصالح والتسبب فى معاناة الناس حلال للطير من كل جنس حرام على متظاهرى التحرير؟

 

●●●

 

لكن الأمر يحتاج بالإضافة لما سبق إلى مناقشة مطالب المتظاهرين، وأبرزها تشكيل حكومة إنقاذ وطنى ومجلس رئاسى مدنى يتسلم السلطة من المجلس العسكرى. وهنا نحتاج إلى أن نمعن النظر قليلا فى المطلبين. أما عن حكومة إنقاذ وطنى فإن المنطقى أن يختار المتظاهرون رئيسها كما اختاروا رئيس الحكومة الحالية باعتباره «قادما من ميدان التحرير» ثم انقلبوا عليه الآن، وبصفة عامة فإن الخبرة السابقة والمناخ السائد يشيران إلى أن المتظاهرين يتوقعون أن تكون لهم اليد العليا فى تشكيل هذه الحكومة رئيسا وأعضاء، والسؤال هنا هل يمثل هؤلاء المتظاهرون الشعب المصرى بكل أطيافه؟ وما هى تداعيات إسقاط الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة على إجراء الانتخابات (التى تحل بنا بعد أيام قليلة) التى تقرب ـ مهما كان رأينا السلبى فيها ـ يوم تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، وهو مطلب رئيس للقوى السياسية؟

 

أما تشكيل المجلس الرئاسى المدنى فهو مطلب مستحيل فى تقديرى، فمن البديهى أن تشكل «القوى الثورية» هذا المجلس، وبما أن الجميع يعطى نفسه الآن صفة الثورية، هذا مع أن عديدا من القوى الورقية كان شريكا أصيلا فى عمليات التدليس لإظهار النظام السابق وكأنه نظام تعددى، فإن جميع القوى السياسية سوف تطالب بالمشاركة فى قرار التشكيل، وهنا لابد أن نُذَكِّر بالإخفاقات المتتالية التى صادفتها هذه القوى فى محاولات تشكيل ائتلافات انتخابية فهل يعقل أن تتوحد آراؤها بصدد تشكيل المجلس الرئاسى المدنى؟ وإذا كان تحليلى هذا خاطئا فلتُقدم هذه القوى على التوصل إلى تشكيل متفق عليه وتعلنه على الملأ. ونأتى بعد ذلك إلى آلية تسليم السلطة للمجلس المدنى بعد الاتفاق عليه، فهل يتصور أحد أن يسلمه المجلس الأعلى للقوات المسلحة الراية ببساطة وهو يعلم أن هذه الخطوة قد تغرق البلاد فى بحر من الفوضى سوف يشمل الجميع وأولهم القوات المسلحة؟ وما هى الشرعية التى سوف يستند إليها هذا المجلس فى تصديه للأوضاع المتردية التى سوف يرثها؟

 

●●●

 

إن الموقف جد خطير وأحد احتمالات تطوره يشبه سيناريو ثورة يناير ولكن مع صعوبات أكثر بكثير، منها أن قطاعات واسعة من الرأى العام لا تؤيد مسلك متظاهرى التحرير أو على الأقل تتحفظ عليه، وهذه القطاعات تتمثل أساسا فى العاملين ورجال الأعمال الصغار الذين يؤثر عدم الاستقرار على قوتهم القومى، ناهيك عن العاملين فى قطاع السياحة وغير ذلك من القطاعات التى تتأثر سلبا بالظروف الراهنة. غير أن عدم التأييد هذا أو التحفظ يمكن أن يتضاءل بالتدريج إذا ما استمرت المعالجة الأمنية الفجة لما يجرى. كذلك فإنه من صعوبات تطور الموقف الحالى فى اتجاه مشابه لسيناريو ثورة يناير أن الإخوان والسلفيين غير متحمسين لذلك، إما لأنهم لم يكونوا أصحاب المبادرة بالأحداث، أو لأن ذلك السيناريو سوف يوقف العملية الانتخابية التى يتحرقون لها شوقا كى يحصلوا على شرعية سياسية وقانونية لتولى مقاليد السلطة فى مصر.

 

إن المبادرة بمواجهة الأزمة الراهنة يجب أن تأتى من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى يفترض أن له اليد العليا فى اتخاذ القرار. وأسمح لنفسى كمواطن ينتابه خوف حقيقى على مستقبل الوطن أن أشير إلى بعض النقاط التى يمكن أن تكون مع غيرها «دليلا» للمجلس فى معالجة الأزمة:

 

على المجلس أن يضع نهاية حاسمة للتباطؤ فى حل المشكلات وإرجاء حلولها فإن هذا الأسلوب يؤدى إلى تراكم لأوضاع خاطئة يأخذ فى التفاقم حتى ينفجر، وإن ما يجرى فى التحرير الآن يمكن أن يكون نتيجة لهذا الأسلوب الذى يكفى أن ندلل عليه بالموقف من قانون العزل السياسى الذى تأخر صدوره حتى استكملت عمليات الترشح لمجلس الشعب مما يسبب مشاكل لا حدود لها قد تصل إلى الطعن فى دستورية مجلس الشعب القادم إن تَكَوَّن.

 

يجب أن يؤمن المجلس إيمانا جازما بأن الحلول الأمنية لا تجدى على الإطلاق خاصة إذا كان الاعتراض الشعبى واسع النطاق، بل هى تزيد عادة من اشتعال الموقف، وأعتقد أنه قد أصبحت لنا خبرة كافية فى هذا الصدد اعتبارا من ثورة يناير على الأقل. صحيح أن المعالجة الأمنية قد تكون مطلوبة فى ظروف معينة، ولكن الحلول الجذرية تكون دائما بيد السياسة وحدها، وقد فشلت المعالجة الأمنية لأحداث دمياط الأخيرة بينما تمكنت «لجنة حكماء» من حل الأزمة.

 

تتصل بالسياسة فكرة «القيادة» فلا يعقل أن ينقضى أكثر من تسعة شهور على نجاح ثورة يناير فى الإطاحة بمبارك دون أن يخاطبنا أو يحاورنا رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو بعض أعضائه، ومن الوهم تصور أن البيانات المذاعة أو الرسائل التى يوجهها المجلس عبر صفحته على موقع «الفيس بوك»، أو ظهور بعض أعضائه فى برامج حوارية فى محطات تليفزيونية مختلفة، أو عقد مؤتمرات صحفية يمكن أن تغنى عن الحديث المباشر الصادق مع الجماهير للدفاع عن السياسات المتبعة وشرح المخاطر الراهنة وعرض السياسات المستقبلية.

 

من الضرورى أن يتم تحقيق فورى فى الكيفية التى سقط بها هذا العدد من الشهداء، وأن تستكمل التحقيقات بالسرعة نفسها فى الأحداث السابقة المماثلة، وعلى رأسها أحداث ماسبيرو، وليتحمل كلُ مسئولية ما فعله.

 

يجب أن يتوقف المجلس تماما وكل الجهات المعنية عن ترديد نظرية المؤامرة الخارجية فى تفسير ما يحدث، فهو اتهام خطير يحتاج أدلة قاطعة يجب أن تفضى إذا توفرت إلى بلاغ للنائب العام وإلا أصبح الاتهام نوعا من أنواع التشهير غير المقبول.

 

يجب بالفعل إعادة النظر فى الحكومة القائمة ليس فقط على ضوء مطالب المتظاهرين وإنما بسبب التردى فى الأداء فى بعض مكوناتها بحيث لا تبقى فى الحكومة الجديدة إلا العناصر التى أثبتت كفاءة ظاهرة، وأعتقد مخلصا أن الظروف قد تجاوزت دور رئيس الحكومة الحالية ووزيرى داخليته وإعلامه على الأقل، وذلك على الرغم من احترامى الحقيقى لهم على الصعيد الشخصى.

 

أخيرا وليس آخرا فإن استحقاق الانتخابات التشريعية قد اقترب كثيرا، وإجراؤها فى ظل الظروف الراهنة مخاطرة كبرى، وعلى الرغم من كل التصريحات بأن الانتخابات لن تؤجل، وكذلك من أن الإخوان والسلفيين سوف يتصدون بشراسة لأى تفكير فى تأجيل الانتخابات، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يجب أن يتعامل بمرونة تامة مع توقيت الانتخابات، فإرجاؤها خير من إجرائها فى الظروف الراهنة، ويجب أن يدخل فى حوار عاجل وصريح مع القوى السياسية المختلفة حول هذه المسألة.

 

●●●

 

فى يناير كان مبارك هو هدف الهجوم الأول واليوم فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو خط الدفاع الأخير عن الدولة المصرية، والله نسأل أن يسارع العقل بأن يحل بيننا لعلنا نتوصل إلى كلمة سواء تنقذ الوطن وتحافظ على ثورته (تم الانتهاء من هذا المقال صباح الثلاثاء الماضى). 

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية