حصاد عام من عمر الوطن - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:56 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

حصاد عام من عمر الوطن

نشر فى : الخميس 24 ديسمبر 2009 - 9:42 ص | آخر تحديث : الخميس 24 ديسمبر 2009 - 9:42 ص

 تتوالى المشكلات والأزمات فى عمر الوطن وتتراكم يوما بعد يوم، وقد يؤدى هذا إلى تغييب الصورة الشاملة لما يجرى عن ذهن المرء، فماذا لو حاولنا فى السطور التالية أن نترك «الصفحة الأخيرة» وأن نعود إلى أول السجل فى محاولة لجرد الحياة المصرية فى عام؟.

على الصعيد الداخلى لاشك أن معاناة المصريين قد استمرت بدليل حركات الاحتجاج الاجتماعى ذات المضمون الاقتصادى التى امتدت بطول العام الذى كاد ينصرم. يذكر القارئ الكريم دون شك إضراب الصيادلة وسائقى النقل العام والمقطورات واعتصامات خبراء وزارة العدل وموظفى مصلحة الضرائب العقارية فى أمور تتعلق كلها بمطالب اقتصادية،

ويذكر أيضا أن هذه الحركات قد نجحت جميعها نجاحا شبه مطلق فى فرض مطالبها التى عادة ما كانت الدولة تتجاهلها بداية ثم تلجأ إلى التهديد والوعيد ثم تستجيب. كانت الرسالة واضحة للجميع: من أراد أن يحقق مطالبه فلينتزعها انتزاعا، وفهم الكل الرسالة على التوالى، ومن هنا تتابع حركات الاحتجاج بوتيرة منتظمة.

لكن اللافت أن هذه الحركات لم تأخذ أبدا الطابع الوطنى العام. أى كان الاحتجاج «فئويا» فى كل مرة وليس «وطنيا»، والدليل على ذلك أن الحركة الوحيدة التى يمكن أن تضفى عليها صفة الوطنية فى عام 2009، وهى الحركة التى دعت لإضراب 6 أبريل لم تحقق نجاحا يذكر، كما قد نضيف بشىء من التجاوز الضريبة العقارية التى وحدت المصريين فى رفضها، ومع ذلك لم تفض إلى أية حركة احتجاجية فى الشارع المصرى،

وإنما اقتصر الاحتجاج على الحروف المطبوعة فى الصحف المستقلة والمعارضة، بل لقد بدا المصريون متزاحمين على تقديم الإقرارات الضريبية المطلوبة فى خشية واضحة من سيف الغرامة، ولعل هذا الملمح من ملامح حركات الاحتجاج المصرية فى الآونة الأخيرة عامة وفى 2009 بصفة خاصة يستحق وقفة تأمل جادة ليس هذا مكانها الآن.

عاشت مصر فى 2009 أيضا مع أحداث العنف الطائفى التى باتت تتكرر بوتيرة كئيبة خاصة وأن أسباب معظمها إما يعود إلى فهم مغلوط للدين من قبل متعصبين مسلمين أو مسيحيين يؤدى إلى هذه الصدامات المتكررة، وإما إلى علاقات عاطفية طبيعية أو مفتعلة بين فتى مسلم وفتاة مسيحية أو العكس، وقد تترتب على بعضها سلوكيات غير سوية تفضى إلى تهديد مستقبل وطن،

ويعنى هذا أن هناك احتقانا ينبغى الاتفاق على أسبابه ومحاولة علاجه وإلا ما كان تاجر مسيحى قد قتل مسلما لخلاف حول «زجاجة مياه غازية» فى إحدى القرى المصرية. والغريب أن المؤسسات الدينية الرسمية إسلامية كانت أو مسيحية التى لا تترك أمرا من الأمور إلا وتفتى فيه قد نأت بنفسها عن هذا الملف الشائك إن لم يكن بعضها قد تورط فيه، ناهيك عن أن المعالجة السياسية اقتصرت على الأساليب المألوفة (مجالس الصلح) والتصريحات التى يبرز فيها الوعظ بدلا من الحلول.

وقد لا يقل خطورة عما سبق أن عنف 2009 لم يكن طائفيا فحسب وإنما طال المجتمع بأسره، فمن رب أسرة يقتل أسرته خشية إملاق، إلى عنف الشرطة تجاه الجماهير فى مناسبات مختلفة، إلى عنف المجرمين تجاه رجال الشرطة على النحو الذى أودى بحياة عدد منهم، إلى العنف بين ممثلين لمؤسسات الدولة كما فى اقتحام نائب فى الحزب الوطنى مع أنصاره مركز الشرطة فى دائرته لتحرير عدد من المحتجزين داخله إلى العنف داخل مؤسسات الحكم كما فى المشاجرات المتكررة فى وحدات مختلفة من الحزب الحاكم بسبب خلافات حول الانتخابات، إلى العنف الشعبى كما فى حوادث طوابير الخبز التى استخدمت فيها الرشاشات أحيانا، وحرب المولوتوف فى حى روض الفرج.


ويضاف إلى كل ما سبق طابع الإهمال الذى غلب على جوانب حياتية مهمة، ولعل أوضح ملامح هذا الإهمال تبدت فى الحوادث المرورية بصفة عامة ما بين الحادث المروع الذى وقع على طريق بلبيس ــ العاشر وأودى بحياة عشرين عاملا أو حادث قطار العياط الذى راح ضحيته ما لا يقل عن أربعين راكبا، أو حادث الاصطدام بين معديتين فى رشيد والذى لفه الغموض إلى حد بعيد، ناهيك عن حوادث أخرى عديدة فى جميع أرجاء مصر المحروسة تجعل من فوضى المرور وباء أشد فتكا من أى وباء آخر يعانى منه الوطن.

فى وضع كهذا يفترض أن تكون ردود فعل نظام الحكم مناسبة لمقتضى الحال، بحيث يتم إدخال التعديلات الواجبة فى المؤسسات والسياسات لمواجهة أوضاع كتلك المشار إليها على النحو السابق، لكن نظام الحكم بدا على العكس مثابرا على الاحتفاظ بدرجة عالية من درجات الجمود لعل أهم مؤشراتها أنه لم يشهد خلال العام وعلى الرغم من كل ما سبق من مشكلات وأزمات وكوارث إلا إقالة وزير الرى فى مارس لأسباب لا يعرفها الرأى العام يقينا حتى الآن فى مواصلة لتقليد راسخ فى الحياة السياسية المصرية، وتعيين وزيرة لشئون الأسرة والسكان، واستقالة وزير النقل بعد حادث قطار العياط.


من ناحية أخرى نجحت الدولة فى أن تخوض معارك التنظيمات المهنية بذهب المعز، فكسب المرشحون غير المعادين لها انتخابات نادى القضاة ونقابة المحامين ونقابة الصحفيين، وكان الاستثناء الوحيد فى هذا الصدد هو انتخابات نادى أعضاء هيئة التدريس فى جامعة القاهرة والتى اكتسحها الإخوان المسلمون، غير أنها سرعان ما أبطلت بقرار إدارى لكى تعاد الانتخابات على أسس جديدة تساعد على توفيق أوضاع هذه النوادى وغيرها من التنظيمات المهنية.


من ناحية أخرى حدث تخبط واضح فى إدارة الأزمات فى2009 ومن أهمها أزمة إنفلونزا الخنازير التى سارع مسئول رفيع بوزارة الصحة إلى التصريح فى أبريل بأن مصر بعيدة عن خطر إنفلونزا الخنازير، ثم بدأت عملية إعدام جماعية لخنازير مصر تحت وطأة فهم خاطئ مفاده أنها مصدر للعدوى أو وسيط لنقل المرض، ومع ذلك فسرعان ما بدأت إنفلونزا الخنازير تهاجم مصر كما هاجمت غيرها، وازداد عدد الإصابات والوفيات فى ظل قرارات متخبطة تمنع الموالد ولا تمنع غيرها من التجمعات، وتحض المواطنين على سلوكيات الوقاية والعلاج دون أن تكون المؤسسات الصحية للدولة قادرة على الوفاء بهاتين المهمتين،

وهو تخبط لم يفارقنا فى إدارة أزمة العلاقات مع الجزائر فى أعقاب «موقعة 14نوفمبر» حيث تركت إدارة الأزمة أساسا لمقدمى برامج مهترئة فى فضائيات خاصة وحفنة من المتعصبين الذين حولوا الأزمة إلى أزمة طالت العلاقات بين البلدين، بل طالت انتماء مصر العربى نفسه، وتم اتخاذ إجراءات تضر مصر أكثر مما تضر الجزائر، ولذلك سرعان ما وقع التراجع عنها، احتاج الأمر وقتا كى يكون لحكمة الرئاسة دور فى وقف تصعيد الأزمة وإعادة الجميع إلى رشدهم.


فى هذا المناخ كان طبيعيا أن تبدو ملفات المستقبل منطوية على قدر كبير من الغموض وعدم الحسم، وأول هذه الملفات وأقربها زمنيا هو ملف الخلافة السياسية الذى شاع فيه حديث التوريث بين مؤشرات تدل بوضوح على تصعيد جمال مبارك إلى مرتبة المرشح الرئاسى القادم وأخرى تبعث على الاعتقاد بأن الرئيس مبارك ما زال ينوى الاحتفاظ بمقعد السلطة طالما بقى فيه عرق ينبض وفقا لتعبيره، ومن ثم يكون هو المرشح الرئاسى القادم للحزب الحاكم، وظلت تصريحات جميع المسئولين فى هذا الحزب بعيدة عن حسم الملف.

غير أن معارضى مشروع ترشيح الحزب الوطنى جمال مبارك فى الانتخابات الرئاسية القادمة أو مشروع «التوريث» كما يسمى اختصارا قد دأبوا على الإشارة إلى توفر بدائل أفضل بكثير من هذا البديل، وطرحت فى هذا الصدد عدة أسماء كان من بينها اسما السيد عمرو موسى والدكتور محمد البرادعى، وفيما لم يستبعد الأول فى تصريحات له فكرة الترشح من حيث المبدأ وإن رآها سابقة لأوانها وتحتاج دراسة وحسابات فإن الثانى فاجأ الجميع بتعامله الجدى مع الفكرة، ووضع شروطا لقبولها وطرح رؤيته لما يجرى فى مصر ومستقبلها،

وطال ملف البرادعى ما طال ملف جمال مبارك من عدم حسم، ذلك أن الطريقة الجادة التى تعامل بها مع الموضوع قد تفضى به إلى فقدان فرصة الترشح أصلا إذا لم تتغير قواعد اللعبة طالما أنه رفض أن يرشحه حزب قائم أو أن يتسول إنشاء حزب من الحزب الوطنى الحاكم. غير أن النهج الذى اتبعه قد أدخل دون شك عوامل مهمة فى زيادة الحراك فى الحياة السياسية المصرية.

وثمة ملفات أخرى للمستقبل دون شك لا تقل خطورة عن الملف السابق، لكن مشكلتها أنها أبعد مدى كالملف النووى المصرى الذى أخفقت جميع محاولات إنقاذه من أيدى رجال الأعمال الذين يريدون حذف موقع الضبعة من خريطة هذا الملف انسياقا وراء مصالحهم الاستثمارية الهائلة فى الساحل الشمالى، وإن كانت معركة الضبعة لم تحسم حتى الآن، وبعض الملفات يتعلق بمستقبل بعيد على نحو يبرر للبعض إهماله كملف غرق الدلتا المحتمل بعد عقدين أو أكثر الذى اقتصر الجدل بشأنه على الخبراء والمختصين دون تدخل من قبل الدولة.


فى عام 2009 توقفت عند مشهدين نبع كلاهما من الإهمال. أولهما عن جرار بدون سائق اجتاح خمسة مزلقانات فى الإسكندرية فى أبريل، والثانى مترو بدون سائق أيضا سار بسرعة 60كم/ساعة من ألماظة إلى المطرية. توقف كلاهما بفعل الاصطدام العنيف بعد أن أحدثا ما أحدثاه من إصابات. وسألت نفسى: أيكون هذا تصويرا دقيقا لحال الحياة المصرية فى عام 2009 ومستقبلها القريب؟ ولكن مشهدا ثالثا استوقفنى كذلك، وهو ينطوى على أولئك الصيادين المصريين الشجعان الذين حرروا أنفسهم من قبضة القراصنة الصوماليين بعد أن تخلى عنهم الجميع. وسألت نفسى مجددا: أيكون هذا هو المخرج الوحيد؟












أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية