ثمة مؤشرات علنية لانقسامات فى النخبة الحاكمة، والنخبة التنفيذية تحديدا، وهى علامة سلبية على أداء نظام للحكم يفترض أنه يواجه سيلا من المطالب الجماهيرية المشروعة، وحراكا سياسيا واسعا. فى السابق كانت التقارير والشائعات تتحدث عن هذه المؤشرات، وكان التيقن من وجودها صعبا إن لم يكن مستحيلا، غير أنها باتت الآن علنية لا يمكن إنكارها. ويمكن الحديث فى هذا السياق عن ثلاثة مؤشرات، الأول والثانى منها مؤكدان، أما الثالث فهو موضع علامات استفهام جادة وخطيرة، ودلالته تفوق فى الأهمية دلالة المؤشرين الآخرين.
يتعلق المؤشر الأول بالخلاف الذى نشب منذ أسابيع بين وزيرى الإسكان والاستثمار، وإذا أردنا وضع هذا الخلاف فى سياقه الأوسع فهو خلاف بين وزير الإسكان ومجلس الوزراء الذى ينتمى إليه.
ويرتبط المؤشر الثانى بخلاف آخر نشب منذ أيام بين وزيرى الكهرباء والبترول على خلفية انقطاع التيار الكهربائى، وما يسببه ذلك من مخاطر وخسائر لا تحتمل. وأخيرا فإن المؤشر الثالث يخص الترشح لانتخابات الرئاسة القادمة فى2011، وتحديدا ما يسمى بحملة «الائتلاف الشعبى» لدعم جمال مبارك مرشحا فى هذه الانتخابات، والدلالات الخطيرة لهذا التطور.
بالنسبة للمؤشر الأول نذكر الاتهامات التى وجهت إلى وزير الإسكان باستغلال موقعه لبيع أرض ميدان التحرير وكذلك قرية آمون بثمن بخس لشركة تربطه بها علاقة بشكل أو بآخر، ومن المعلوم أن رئيس الجمهورية تدخل شخصيا فى الحالتين لوقف تنفيذ الصفقتين، ونذكر أيضا كيف صمت الوزير فى البداية، ثم بدأ يدافع عن سلامة تصرفاته دفاعا مستميتا، غير أن ما يعنينا هنا هو ما قيل عن مغادرته اجتماعا لمجلس الوزراء وهو غاضب، وفسر هذا المسلك آنذاك بأن وزير الإسكان عاتب على وزير الاستثمار لأنه لم يقف إلى جانبه، ويوضح الحقائق التى تبرئ ساحته، ولاحقا دافع وزير الاستثمار عن موقفه بما يفيد بأن وزارته قد «قامت بالواجب». لكن وزير الإسكان خرج بهذا الخلاف إلى ساحة الرأى العام، فأدلى بحديث صحفى مطول لمجلة «المصور» الأسبوعية -وهى مجلة «قومية» باستخدام المصطلحات السائدة فى الصحافة المصرية استمر فيه فى الدفاع عن موقفه، لكنه ضمّن الحديث شكوى أو عتابا محددا لوزارة الاستثمار ووزيرها للملابسات التى سبقت الإشارة إليها.
أما المؤشر الثانى فقد اكتملت حلقاته منذ أيام فى صورة الخلاف بين وزارتى الكهرباء والبترول على خلفية الانقطاع المتكرر والممتد للتيار الكهربائى. قيل فى البداية إن السبب فى هذا التردى فى الخدمات التى تقدمها وزارة الكهرباء للمواطنين هو شدة التحميل على شبكة التزويد بسبب الحرارة الشديدة، ثم بدأت التصريحات تتوالى والتقارير تتحدث عن أن السبب الحقيقى فى هذه الأزمة هو انخفاض كمية الغاز التى تضخها وزارة البترول لمحطات توليد الكهرباء، ولما كان المواطن العادى يعلم أن مصر تتوسع فى تصدير الغاز لدرجة أن حكومتها متهمة بقبول أسعار متدنية للتصدير ــ وبالذات لإسرائيل ــ فقد طاش صوابه لأسباب مشروعة، خاصة وقد أشارت التصريحات والتقارير نفسها إلى أن وزارة الكهرباء تضطر والأمر كذلك إلى استخدام مازوت غير مطابق للمواصفات كبديل للغاز يساهم فى إحداث أعطال بمحطات توليد الكهرباء.
لم تكن المسألة بسيطة، ولذلك فقد بدت خطوة رئيس الجمهورية بدعوة الوزيرين لاجتماع عاجل بحضور رئيس الوزراء خطوة ضرورية، وإن حملت معنى سوف نعود إليه لاحقا، وقد خرج الوزيران من الاجتماع ــ وفقا لتقارير صحفية ــ والأمور بينهما ليست على ما يرام، وذكرت التقارير نفسها أن ما يشبه المشادة قد حدث بين الوزيرين، وأن وزير البترول اتهم وزير الكهرباء بأنه قد «صعّد ضده»، وأن رئيس ديوان رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشورى قد تدخلا لتهدئة الطرفين حتى انتهت الملاسنة بينهما إلى تبادل القبلات! وكأنه خلاف شخصى وليس خلافا مؤسسيا، ثم عقد اجتماع ثنائى بينهما ذكرت التقارير الصحفية عنه أيضا أن الوزيرين قد اتفقا على أن «ارتفاع درجة الحرارة ونسبة الرطوبة» يؤثران على كفاءة معدات توليد الكهرباء فى مصر، والمصممة بحيث لا تتحمل أكثر من درجة حرارة معينة (!).
ونسبت بعض المصادر لوزير البترول قوله إن درجة الحرارة تؤثر أيضا على محطات ضخ الغاز، وكان السؤال الفورى اللاحق لهذا التصريح: لماذا تؤثر درجة الحرارة على ضخ الغاز المخصص لمحطات توليد الطاقة الكهربائية «المصرية» ولا تؤثر على ضخ الغاز لإسرائيل؟ (راجع المقال الرائع للسفير المناضل إبراهيم يسرى فى هذه الصفحة فى الثالث والعشرين من هذا الشهر). وقد علمنا فى هذا السياق أن الخلاف بين الوزارتين يعود إلى عام2004، بسبب توسع وزارة البترول فى تصدير الغاز بمتوسط سعرى أقل بكثير من متوسط سعر المازوت المستورد لمحطات توليد الكهرباء. وإذا كانت المسألة تعود حقا إلى الحرارة فلم إذن التعهد من قبل وزارة البترول بزيادة الكميات المخصصة لمحطات توليد الكهرباء؟ وأين دور «مجلس الوزراء» فى ترشيد سياسة وزارة البترول وقراراتها؟ خاصة وقد ذكر بعض المصادر أن وزير البترول لم يلتزم بتعهداته فى اجتماعات المجلس الأعلى للطاقة بزيادة نسبة استخدام الغاز فى محطات توليد الكهرباء. ولم كذلك الحديث عن تخفيض كميات الغاز المصرى المصدرة؟
ثمة دلالات خطيرة للمؤشرين السابقين معا يجب التوقف عندها، فهما يعنيان أولا «غياب» مجلس الوزراء كمؤسسة تقود عمل الوزراء وتنسق بينهم وتتابع قراراتهم، وقد يعتبر البعض هذا حكما قاسيا، وعلى أى حال يمكننا أن نستبدل بـ«الغياب» سمة «الضعف»، بمعنى أن مجلس الوزراء غير قادر على العمل كمؤسسة تضبط حركة المنتمين إليها، وفى أقل الأحوال، فإن ثمة خلافات أكيدة متكررة بين وزراء داخل المجلس يضطر رئيس الجمهورية شخصيا إلى التدخل لحلها، وليست هذه وظيفته، وإنما هى مهمة المجلس، فلو لم يكن مجلس الوزراء يعانى من إحدى السلبيات السابقة أو منها جميعا لما تدخل رئيس الجمهورية فى مسائل يفترض أن يتفرغ هو لما أشمل منها وأهم.
ترتبط بما سبق مسألة أخطر بكثير نتيجة للوضع السابق لمجلس الوزراء، وهى غياب الاستراتيجية أو الرؤية الشاملة فى العمل الوطنى، فما هى الظروف التى غابت فيها متابعة التزام وزارة الكهرباء بزيادة اعتماد محطات توليد الكهرباء على «الغاز المصرى»؟ ألم يحسب أحد التكلفة البديلة لزيادة الاعتماد على الغاز، وهى تكلفة استيراد المازوت التى قرأت فى إحدى الصحف أن وزارة المالية خصصت 6.3مليار جنيه لوزارة الكهرباء لتغطية فرق أسعار المواد البترولية لإنتاج الطاقة؟ وكيف نقرأ أن رئيس مجلس الوزراء قد طلب من كل وزارة أن تحدد احتياجاتها من الطاقة؟ فهل يعنى هذا غياب خطة شاملة أصلا للاحتياجات الداخلية من الطاقة؟ وأن وزارة البترول كان لها كامل الحرية فى أن تصدر ما تشاء بغض النظر عن حسابات هذه الاحتياجات؟ أسئلة أعتقد أن الإجابة عنها باتت ضرورية، وأيا كانت هذه الإجابة فمن الواضح أن الأمور تحتاج إلى مراجعة شاملة لاستراتيجية العمل الوطنى إن وجدت، وإلا فمتى يحين أوان المراجعة؟
أما المؤشر الثالث والأخير فهو أخطرها جميعا، ويتعلق كما سبقت الإشارة بالحملة «الشعبية» لترشيح جمال مبارك رئيسا لمصر فى الانتخابات القادمة فى2011، وقد كتب الأستاذ سلامة أحمد سلامة باقتدار كعادته فى هذا الموضوع ودلالاته الخطيرة، لكن تطورات الأمور تفتح الباب للمزيد، وهذه قصة أخرى تستحق المتابعة.