تلقيت تحذيرات كثيرة ممن أثق فى مشاعرهم الطيبة من معاودة الكتابة فى الأزمة الراهنة فى العلاقات المصرية ــ الجزائرية ما لم أنضم إلى «كتيبة الإعدام»، وهو مصطلح استخدمته دوائر إعلامية مصرية بما فى ذلك بعض المواقع الإلكترونية لوصف الفريق المصرى لكرة القدم قبل مباراة القاهرة فى 14 نوفمبر، لكن آخرين طالبونى بالاستمرار فى الكتابة ضمن «كتيبة العقل»، وهو الخيار الذى انحزت إليه.
لم تكن فى الأمر شجاعة تذكر، فالحمد لله أن كتيبة العقل تتضمن أناسا بوزن الرئيس مبارك، الذى أشار إشارة مهذبة وحازمة إلى كرامة المصريين باعتبارها من كرامة مصر، وإلى عدم التهاون مع من يسىء إليها، وكان بوسعه كسبا للشعبية أن يزايد على ديماجوجية بعض وسائل الإعلام أو على المشاعر الملتهبة للجماهير. تضم كتيبة العقل أيضا رجلا كعمرو موسى الذى صدم دون شك بهول ما جرى ويجرى، فأخذ يسعى لتهدئة النفوس ورأب الصدع.
وفى القلب من كتيبة العقل عديد من كتاب الرأى فى الصحف المصرية ــ بما فى ذلك بعض الصحف التى أصابها مس من الجنون ــ الذين حاولوا أن يبعثوا برسالة إلى قرائهم مفادها أن المشاعر الوطنية الثائرة بسبب ما جرى لا تتعارض مع المعالجة العاقلة لكل ملابساته.
فى الأسبوع الماضى حاولت أن أقدم وجهة نظر متوازنة بشأن المسئولية عما جرى، لكن ما حدث فى الخرطوم فاق أشد هواجسى هولا، ومس كرامة المصريين، وأشعرهم بالإهانة ناهيك عن الخديعة التى وقعوا فيها، والتى ذهبوا بموجبها إلى تشجيع فريقهم فى مباراة لكرة القدم فيما ذهب الآخرون لانتقام منظم شعر الكثيرون أن جهات رسمية جزائرية لابد وأن تكون ضالعة فيه.
بعدها انطلقت ردود الأفعال بلا حدود توزع المسئوليات عما جرى وتطالب بالقصاص، بل وتمارس ما فى مقدورها أن تمارسه من أفعال هذا القصاص، وفى هذا السياق ثمة عدد من الملاحظات التى يوجبها «العقل» عما جرى ويجرى.
أما الملاحظة الأولى فتشير إلى نهج «التعميم» الذى استخدمه الكثيرون فى معالجة الأزمة، فلم يفرق هؤلاء بين جماعات المشجعين، التى مارست أعمالا إجرامية بحق المصريين فى الخرطوم بدعم من جهات جزائرية لا نستطيع الآن تحديدها بدقة وبين الشعب الجزائرى، الذى أؤكد مع غيرى أنه شعب عظيم، وإن ضم بين أبنائه قطاعات جُبلت على العنف.
وبناء على هذا التعميم راح نفر من المصريين يطارد على سبيل المثال طلاب العلم الجزائريين فى القاهرة الذين أتوا إليها باعتبارها منارة عربية ينهلون من علمها فإذا ببعض أهلها ينقلبون عليهم، ويتحرشون بهم، ويحرمون التعامل معهم على النحو، الذى يضيع على مصر استثمارا بشريا ثقافيا من الطراز الأول يساعدها على تعزيز مكانتها فى الوطن العربى.
وللأمانة فإن شهامة المصرى الأصيل قد تجلت وفقا لروايات سمعتها بأذنى من طلبة جزائريين عن صاحب البيت، الذى آلى على نفسه بأن يشترى لهم احتياجاتهم من الأسواق، التى لم تعد تقبل التعامل معهم، أو الجارة الشجاعة، التى سدت باب مسكنها بجسدها النحيل فى وجه من أرادوا التحرش بهم قائلة لهم إن عليهم أن يقتلوها قبل أن يمروا، أو صاحب البيت الذى رفض عرض ساكنته الجزائرية بأن ترحل خوفا من أن تسبب له المشكلات قائلا إنها بمثابة ابنته ولا يمكنه أن يتخلى عن ابنته فى موقف كهذا، أو ذلك الذى وفر لأبنائه الجزائريين الذين قرروا الرحيل وسيلة انتقال آمن إلى مطار القاهرة.
تتصل الملاحظة الثانية بالنهج نفسه ــ أى نهج التعميم ــ فقد انتهز البعض الفرصة لكى يعمموا الحالة الراهنة للأزمة فى العلاقات المصرية ــ الجزائرية على علاقات مصر العربية كلها التى لم تأخذ مصر منها سوى الحصاد المر والكراهية، وهو كلام لا ينبغى أن يطلق على عواهنه، والواقع أنه آن أوان النظر إلى روابط مصر العربية من زاوية «المصلحة» وليس من زاوية «الأيديولوجية»، فليس صحيحا أن مصر تعطى فى علاقاتها العربية ولا تأخذ: دعمت مصر حركات التحرر الوطنى العربية، وبصفة خاصة فى الجزائر، فوجدتها تقف معها فى وقت الشدة بعد هزيمة 1967، وتقاتل إلى جوارها فى 1973، ناهيك عن الدعم المالى العربى لمصر وغيرها من دول الطوق بموجب قرارات قمة الخرطوم 1967.
ودعمت مصر ثورة اليمن فى الستينيات لتحصد تسهيلات عسكرية مع السلطات العسكرية فى باب المندب قبل حرب أكتوبر 1973، وتفوق تحويلات المصريين العاملين فى البلدان العربية بكثير دخل مصر من قناة السويس، إلى غير ذلك من الأمثلة. من حق كل مواطن مصرى بطبيعة الحال أن يختار لوطنه الوجهة، التى يوليها هذا الوطن اهتمامه، لكن من حق وطنه عليه أن تكون اختياراته مبنية على حسابات العقل والمنطق وليس على لحظات الانفعال والثورة الطارئة.
فى الملاحظة الثالثة حديث عن ردود الأفعال المصرية، التى استدرج بعضها فى أعقاب أحداث الخرطوم إلى مستوى الحضيض نفسه الذى تميزت به ردود أفعال جزائرية لهزيمة الفريق الجزائرى فى القاهرة، بينما تميز عدد من الصحف المصرية بالجمع بين الغضب للكرامة المصرية، التى أهدرت والمطالبة بإجراءات تعاقب على ما جرى وتحول دون تكراره فإن صحفا أخرى لجأت إلى البذاءة نفسها، التى سبقتها إليها صحف جزائرية عديدة.
فهذه صحيفة تطالب الشعب المصرى فى مانشيت مساحته نصف الصفحة الأولى بأن يضرب أى فريق جزائرى يلاعبه بالجزمة، وتعرض فى النصف الثانى لأقدام تدوس العلم الجزائرى، وقد وقع مثل هذا فى الجزائر قبل أن يحدث لدينا، لكن مصر أكبر من هذه الصغائر، ولذلك جاء رد فعل الدولة بالمقاطعة الرياضية للجزائر متحضرا يقول لسان حاله إن كانت هذه هى الرياضة فلا حاجة لنا بها.
أما حرق علم الجزائر أو إهانته على النحو الذى تم فى الجزائر بالنسبة للعلم المصرى فهو أمر يدفع إلى البكاء، ذلك أن كل من يعرف أبجديات تاريخ البلدين يدرك أن لمصر نصيبا من علم الجزائر، وأن للجزائر نصيبا من علم مصر بحكم النضال المشترك. هكذا فإن الذين أقدموا على هذه الفعلة الشنعاء يحرقون بأيديهم الجانب المضئ من تاريخهم.
تشير الملاحظة الرابعة إلى الأخطاء المصرية فى إدارة الأزمة، وهى عديدة يتحدث بها الرأى العام المصرى على نطاق واسع، فاختيار السودان مكانا للمباراة الفاصلة مع كل الحب والاحترام لشعبها العظيم لم يكن موفقا لأن السودان يواجه مخاطر أمنية داخلية، وهو فى غنى عن هذا العبء المضاف.
واختيار الجمهور الذى سافر بدا أقرب إلى الاستعداد لالتقاط الصور التذكارية بعد الفوز وليس إلى تشجيع الفريق الوطنى، وكان ممكنا على أى حال اتخاذ بعض إجراءات الحماية غير المباشرة المصاحبة للجمهور، وبلغ الشحن الإعلامى حدا غير مقبول بتصوير الحدث وكأنه إحدى المعارك الوطنية الكبرى، ولعلها كانت المرة الأولى التى استمع فيها لهذا الكم من أغنيات حرب أكتوبر فى مناسبة واحدة، وعندما وقعت الأزمة بدا وكأن فضائيات معينة تديرها وليست الدولة.
ومن هذه الفضائيات خرجت الدعوة إلى «قتل» الجزائريين فى القاهرة لأول مرة، وعندما بدأت ردود أفعال الدولة متأخرة انطوت على أخطاء فادحة كذلك المسئول رفيع المستوى الذى تحدث عن إرسال قوات مصرية خاصة إلى السودان لحماية المصريين هناك.
وهو أمر لم يتطلب من الرئيس مبارك سوى أجزاء من الثانية كى يبين خطأه فى حديثه إلى بعض أعضاء السلطة التشريعية، لأنه ببساطة يمثل اعتداء على سيادة السودان، ولا شك أن صاحبة الشأن «أى القوات المسلحة» لم تستشر فى مثل هذا التصريح، الذى سرعان ما ذهب إلى مكانه الطبيعى فى زوايا الإهمال والنسيان. غير أن الأهم من ذلك كله أننا لا نملك حتى الآن دليلا قانونيا واحدا على ما جرى فى الخرطوم باستثناء شهادة الشهود المصريين، فالصور التى نشرت عن الاعتداءات لا يوجد ما يثبت أنها قد التقطت بالضرورة فى الخرطوم.
ولم نر حتى الآن مقطعا واحدا لشريط فيديو يصور جزءا مما جرى، وهكذا، ولعل هذا يفسر الفتور الذى تتسم به حتى الآن ردود الأفعال الإعلامية عربيا وعالميا تجاه الرواية المصرية، ويوجب علينا الجدية فى إثبات ما جرى.
تتعلق الملاحظة الخامسة بتفسير ما حدث، ومن السهولة بمكان أن يتم هذا على خلفية من التعصب الكروى والخبرة الأليمة للجزائريين جراء خروجهم من نهائيات كأس العالم على أيدى المصريين فى 1989، لكن تفسيرا كهذا لا يمكن أن يكفى نظرا لهول ما وقع، ومن الواضح أن فى الأمر أبعادا سياسية واقتصادية. فعلى الصعيد السياسى لا شك أن كلا من النظامين المصرى والجزائرى كان بحاجة إلى هذا الانتصار. يؤكد هذا أن الحزب الوطنى يكاد يكون قد «أمم» المناسبة لصالحه استعدادا لحصاد ثمار الفوز.
أما على الساحة الجزائرية فلن أنسى أن مصدرا جزائريا غير رسمى أثق به قد ذكر لى قبل مباراة القاهرة بما يقارب الشهر أنها لن تمر على خير، وعندما أبديت دهشتى قال ما نصه إن الجزائر مقبلة على أكتوبر جديد «فى إشارة لأحداث أكتوبر 1988»، وأن شيئا لن ينقذ نظامها من هذا الخطر سوى حدث كبير يجمع الكل حوله، وأن من سوء حظ البلدين أن أول حدث يمكن أن تنطبق عليه هذه الشروط هو مباراة القاهرة، وقد صدقت النبوءة. كذلك لا شك أنه على الصعيد الاقتصادى تدور حرب شرسة حول كعكة الاستثمارات المصرية فى الجزائر.
التى يبدو أنها تجاوزت لدى البعض الخطوط الحمراء، وأن دوائر فرنسية وصينية بل وعربية صاحبة مصلحة أكيدة فى صدع كبير يصيب العلاقات بين البلدين، قد يفضى إلى تفريغ الجزائر من الاستثمارات المصرية، ومن أراد تفصيلا فعليه أن يعود إلى المقال الممتاز للأستاذ أسامة غيث فى صحيفة الأهرام عن الموضوع.
والآن ماذا عن المستقبل؟ للأسف فإن مقتضيات الأزمة قد استدعت على المدى القصير تقطيع المزيد من أواصر العلاقات بين البلدين وشعبيهما، وقد يكون فى هذا بعض الخير مؤقتا، لأن من شأن افتعال الحلول وفرضها على واقع ملتهب أن يفضى إلى نتائج عكسية، لكن الأمل يبقى فى المستقبل القريب فى أن ينجح الأمين العام للجامعة العربية فى وقف تصعيد الأزمة، وأن يتمكن السياسيون العاقلون على طرفيها بمؤازرة من المثقفين، الذين يقفون بحزم ضمن صفوف «كتيبة العقل» من إعادة ترميم الجسور وبناء ما تهدم منها ردا لاعتبار تاريخ لا يستحق منا أن نهينه وتأمينا لمستقبل لا ينبغى أن نضيعه.