استراتيجية ترامب الرباعية فى سياساته الخارجية - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الجمعة 28 فبراير 2025 7:36 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

استراتيجية ترامب الرباعية فى سياساته الخارجية

نشر فى : الخميس 27 فبراير 2025 - 7:30 م | آخر تحديث : الخميس 27 فبراير 2025 - 7:30 م

«لا أعتقد أننا سنعود إلى ما كنا عليه من قبل»، كانت هذه كلمات أليكس يونجر، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الخارجية البريطانى MI6، والتى جاءت فى حديث له مع شبكة BBC، فى إطار رده على حالة النظام الدولى بعد مرور 6 أسابيع فقط من رئاسة دونالد ترامب الثانية. وأضاف يونجر «نحن فى حقبة جديدة حيث لن يتم تحديد العلاقات الدولية بشكل عام من خلال القواعد والمؤسسات متعددة الأطراف، سيتم تحديدها من قبل الرجال الأقوياء والصفقات.. هذه هى عقلية دونالد ترامب، وبالتأكيد عقلية الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وإنها عقلية الرئيس الصينى شى جين بينج».
حتى اليوم، لم تفق دوائر السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية من صدمة تصويت الولايات المتحدة يوم الإثنين الماضى - إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا وعدة دول إفريقية تحكم بعضها ديكتاتوريات عسكرية - ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذى يدين العدوان الروسى فى الذكرى الثالثة لغزو أوكرانيا. وعكَس تصويت أمريكا مؤشرا واضحا لاستعداد ترامب للاستهزاء بالمعايير وثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، ودرجة التمرد والتخلى عن الشركاء.
• • •
منذ وصوله للحكم، يتساءل الكثير من الخبراء عن محركات الرئيس ترامب فى قضايا السياسة الخارجية، وضاعف من صعوبة السؤال غياب وجود إطار أيديولوجى ينزع إليه ترامب أو يلتزم به. وفى الوقت الذى تبدو فيه الفوضى والجهل كأكثر ما يميز مواقف ترامب تجاه قضايا السياسة الخارجية، ترجم بعض علماء السياسة سياسات ومواقف الرئيس الأمريكى كانعكاس لتبنيه مبدأ «أمريكا أولا»، أو سياسة «اللامبدأ فى السياسة الخارجية».
رغم منطقية تحليل بعض الخبراء ممن يصفون سياسة ترامب الخارجية بأنها تتسم بالعشوائية والفوضى، إلا أنه يمكن تقسيم هذه السياسات إلى أربعة عناصر تشمل ضغطا كبيرا ومستمرا على الحلفاء والأعداء، وقد تُسهل من فهم سياسة ترامب الخارجية.
أولا: ضغط استراتيجى على المنافسين، خاصة الصين وكوريا الشمالية وروسيا وإيران: يدرك ترامب أن هذه الدول تمثل تهديدا للهيمنة الأمريكية عالميا وإقليميا، إلا أنه يؤمن أن الصين وحدها هى التى بإمكانها تحدى الهيمنة الأمريكية عالميا، فروسيا دولة متوسطة القدرات، أما كوريا الشمالية فمنعدمة القدرات باستثناء السلاح النووى، بينما إيران مرهقة إقليميا وتخضع لعقوبات كافية. لذا، الصين هى محرك ترامب فى مختلف قضايا السياسة الخارجية، ومع ذلك فرض ترامب عقوبات على إيران، وهدد بفرض عقوبات على روسيا ودفعها لتحمل أثمانا باهظة إذا لم يتوقف القتال فى أوكرانيا. فى الوقت ذاته، لم يلتفت ترامب بعد لكوريا الشمالية. وعلى أى حال، لا يمكن استبعاد الخطر والتهديد الصينييْن من سياق كل مبادرات ترامب الخارجية سواء فكرة شراء جرينلاند أو السيطرة على قناة بنما أو حتى ضم كندا، ناهينا عن علاقة واشنطن بحلف الناتو.
ثانيا: ضغط جيواستراتيجى على الحلفاء: أقدم ترامب على الضغط غير المسبوق على حلفاء واشنطن الأهم فى حلف الناتو أو الحليفين الكبيرين فى شرق آسيا، اليابان وكوريا الجنوبية، أو حتى حلفاء واشنطن فى المنطقة العربية سواء مصر أو الأردن أو دول الخليج العربى. بالنسبة للفئة الأولى، فينادى ترامب بضرورة زيادة حجم الإنفاق الدفاعى لدول حلف الناتو ليصل إلى 5% من الناتج القومى الإجمالى. وبالنسبة للفئة الثانية، فهو يضغط على سول وطوكيو لتغطية تكلفة تواجد عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين فى بلادهما والتى تقدر بمليارات الدولارات سنويا، من ناحية أخرى لا يتوقف ترامب عن طلب أن تتكفل دول الخليج العربى بتمويل أى أفكار أمريكية فى المنطقة خاصة ما يتعلق بمستقبل غزة، كما يطالبها بدفع أموال مقابل مظلة الحماية العسكرية الأمريكية.
قبل سبعين عاما، قال الأمين العام الأول لحلف الناتو اللورد هاستينج إيسمى: «إن الحلف يهدف إلى بقاء روسيا خارج أوروبا، وأمريكا داخل أوروبا، وألمانيا داخل حدودها». وبعد مرور سبعين عاما على تأسيس الحلف ومرور ثلاثين عاما على انتهاء الحرب الباردة، أعاد الرئيس ترامب طرح سؤال كان يعد من المحرمات فى العاصمة الأمريكية حول جدوى وأهمية بقاء التحالف العسكرى الذى يجمع الولايات المتحدة بجارتها الشمالية كندا، و29 دولة أوروبية.
ثالثا: ضغط اقتصادى على المنافسين الاقتصاديين وخاصة الصين وظهر ذلك جليا فى الحرب التجارية الدائرة بين أكبر اقتصادين فى العالم، والتى نتج عنها فرض تعريفات وتعريفات مضادة من واشنطن وبكين.
منذ حملته الانتخابية الأولى لم يتوقف الرئيس ترامب عن اتهام الصين بممارسة سياسات تجارية غير عادلة تجاه السوق والمنتجات الأمريكية، فى حين ترى الصين أن ترامب يستهدف عرقلة الصعود الصينى السياسى والاقتصادى.
رابعا: ضغط اقتصادى على الحلفاء التجاريين الآسيويين والأوروبيين، والجارتين كندا والمكسيك. ولم يسلم أيضا حلفاء واشنطن من العقوبات والتعريفات التجارية الأمريكية: دخل ترامب فى مواجهات تجارية مع المكسيك وكندا، وفرض تعريفات قيمتها 25%، وعاد وأجل تطبيقها لمدة شهر واحد، كما فرض تعريفات على منتجات الحديد والألومنيوم، وتعهد بفرض تعريفات تصل إلى 25% على الواردات الأوروبية.
يرى ترامب أنه بذلك يحمى العامل والمنتج الأمريكى، بفرضه تعريفات جمركية وضرائب على المنتجات الواردة من كبار شركاء واشنطن التجاريين المنافسين منهم والحلفاء.
• • •
هكذا يبدو أن ترامب يتبنى سياسة خارجية قومية يراها أكثر إنصافا للمصالح الأمريكية المادية التى تجاهلتها الإدارات السابقة، ولا يريد أن تنفق واشنطن على تكلفة وجود قواعد عسكرية لحماية بعض الدول خاصة الغنية منها. كما لا ينتظر أن تغير الإدارات القادمة فى عصر ما بعد ترامب من هذا النهج الذى يلقى دعما من الحزب الجمهورى والبعض فى الحزب الديمقراطى. وربما تدشن قومية السياسات الخارجية فى عهد ترامب مبدأ أو عقيدة سياسية جديدة ينتهجها حكام البيت الأبيض فى المستقبل.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات