رحلة الاثنين وأربعين عامًًا - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:50 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

رحلة الاثنين وأربعين عامًًا

نشر فى : الخميس 27 أكتوبر 2011 - 8:20 ص | آخر تحديث : الخميس 27 أكتوبر 2011 - 8:20 ص

هاتفنى ابنى على غير توقع قائلا: هل علمت؟ فأجبت: بماذا؟ فذكر واقعة القبض على القذافى. سألته عما إذا كان الخبر مؤكدا فقال: أغلب الظن أنه كذلك. عاود الاتصال بعد دقائق قليلة ليخبرنى بمقتل القذافى، وكان من السهولة بمكان أن يستنتج المرء حقيقة ما وقع. شاهدت صور النهاية على شاشات التليفزيون لاحقا فتأكد استنتاجى. خرج الرجل من مخبئه غير مصدق، وكان عنف من يمسكون به واضحا، ثم حُمل إلى سيارة قيل إنها سيارة إسعاف حيث لفظ أنفاسه الأخيرة بفعل إصابته وفقا للرواية الرسمية. ليس بمقدورنا التأكد من صحة هذه الرواية، ولكن حتى لو لم يكن قد قُتل أثناء «رحلة إسعافه» أو قبلها فقد أكد تتابع الأحداث الطريقة التى تعامل بها الثوار مع خصمهم اللدود، فقد نقل جثمانه إلى مصراتة حيث الثأر شديد بين أهلها وبينه لفرط ما تعرضوا له من أذى على أيدى «كتائبه»، وقيل إنه سُحل فى شوارعها، ولكن المؤكد أن جثمانه نصف العارى قد عُرض للراغبين فى رؤيته شماتة وتشفيا.

 

●●●

 

ما كان المرء يتمنى أن تكون هذه هى الطريقة التى يضع بها الثوار اللمسات الأخيرة فى انتصار ثورتهم. يستطيع الثوار بحق أن يقولوا: لقد فعل بنا أكثر مما فعلنا به، ولكن الثورة حالة نبيلة فيما أن الطغيان انحطاط إنسانى، ولا أعتقد أن ديننا السمح يقر أيا من هذه الأفعال (اتقوا المثلة ولو بالكلب العقور)، ولا أذكر فى تاريخ الرسول عليه الصلاة والسلام سلوكا عنيفا اتخذه أو أقره تجاه خصومه الذين فعلوا به ما نعلمه جميعا (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وأتحدث عن الرسول الكريم تحديدا لأن نفرا من حكام المسلمين لاحقا بعد عصر الخلافة الراشدة كانوا يعلقون رءوس خصومهم عند أبواب المدن أو فى ساحاتها الرئيسية حتى تنهشها الجوارح.

 

أخطأ الثوار فى تقديرى لأن انتقامهم كان لحظيا، أما اعتقال الطاغية ومحاكمته فكان من شأنهما أن يحققا للثورة ما هو أكثر بكثير من تلويث أيديهم بدماء طاغية، كذلك فقد أخطأوا لأن للقذافى قاعدته القبلية التى لا يمكن إسقاطها من حسابات السياسة الليبية، وكان من شأن محاكمته إثبات الجرائم التى ارتكبها بحق الشعب الليبى، بما يجعل الموقف تجاهه وطنيا شاملا لا تستبعد منه هذه القبيلة أو تلك، ويجنب الثورة قلاقل يمكن أن تحدث فى مناطق نفوذه القبلى.

 

لا يذكر المرء حالة مماثلة لمصير القذافى فى التاريخ العربى المعاصر إلا ما وقع فى أحداث الثورة العراقية ضد النظام الملكى فى 1958، حيث سُحل أفراد الأسرة المالكة وأعوانهم الرئيسيون فى شوارع بغداد، ثم وقع الانقلاب على الثورة فى 1963، وقُبض على عبدالكريم قاسم رجلها الأول ورئيس وزرائها ونُفذ فيه حكم فورى بالإعدام رميا بالرصاص فى دار الإذاعة ببغداد، وكان القائمون بهذا العمل سعداء به لدرجة أنهم أرسلوا فيلما يصور وقائعه إلى الرئيس عبدالناصر الذى كانت خصومته شديدة مع قاسم، فهالته بشاعة ما وقع، ومنع إذاعة الفيلم فى التليفزيون المصرى.

 

●●●

 

حكم القذافى ليبيا اثنين وأربعين عاما بالتمام والكمال. بدأ حكمه بانقلاب عسكرى على النظام الملكى فى 1969 مع صحبه، كان شابا وسيما تتدفق منه المشاعر الوطنية والقومية، ونجح فى تخليص ليبيا من القواعد العسكرية الأجنبية، ولأن انقلابه وقع بعد عامين من هزيمة1967 فقد كانت له دلالات استراتيجية واضحة، لكن المؤكد أنه لم يكن يملك مشروعا محددا لوطنه وأمته، فانشغل بوضع أسس لنظام حكم غريب خلع عليه وصف «الجماهيرية»، لكنه أحدث فوضى عارمة يطول شرح أبعادها فى المستويات القاعدية بينما ظلت السلطة مركزة فى يديه، وكان من شأن هذا أن يكون للرجل خصومه الذين عاملهم بأقصى درجات العنف فى غياب كامل للقانون، وسمعت من زملاء لى كانوا يعملون فى ليبيا عن فظائع مشينة ارتكبها بحق معارضيه، وكذلك عن غرائب لا تصدق فى الممارسة السياسية اليومية، ولقد بلغ عصفه بمعارضيه حد تعقبهم بالاغتيال فى الخارج، ووصفهم بالكلاب الضالة (تدنى وضعهم إبان الثورة إلى جرذان).

 

لا أنسى فى ذروة القطيعة المصرية ــ العربية بسبب السلام المصرى ــ الإسرائيلى أننى كنت أسير يوما فى أحد شوارع روما وقت الظهيرة، وكانت الطريق شبه خالية من المارة، لأنه كان يوم عطلة، ورأيت عن بعد أحد تلامذتى الليبيين المحببين إلى قلبى، والذى تبوأ فى بلده منصبا أكاديميا مرموقا بعد ذلك. كنا نسير فى اتجاهين متقابلين، وتهيأت للقاء حار فإذا به يتجاوزنى كأنه لا يرانى.

 

أدركت على الفور خوفه من أن يكون ملاحقا، وأن يُتهم بلقاء من أتى من بلد «الخيانة». أصابنى هم ثقيل، وبحركة لا إرادية توقفت بعد أن تجاوز كلانا الآخر بنحو عشرة أمتار، ونظرت خلفى فإذا بتلميذى العزيز قد فعل الأمر نفسه، ثم هرول نحوى مسلما بحرارة ومعتذرا بصدق قائلا إننى لابد أقدر الظروف، لكنه كان حريصا على إنهاء اللقاء فى ثوان معدودة. قدرت هواجسه وتساءلت بينى وبين نفسى: إلى هذا الحد يبلغ الطغيان؟

 

حفلت سياسته العربية دوما بالغرائب، وحتى عندما كانت له أفكاره المعقولة كتبنيه حل «الدولة الواحدة» فى فلسطين كان حريصا على أن يطعمها بما هو غريب، فأسماها دولة «إسراطين»، وعندما اهتم بالفضاء الأفريقى استبشرنا خيرا بمن سيحيى دور مصر الضائع فى أفريقيا، لكن هذا التوجه كان مدخله إلى التمرد على العروبة. آمن بمبدأ يشبه «الثورة العالمية الدائمة»، لكن فهمه لهذا كان تعيسا، فقد بدد ثروة الشعب الليبى ما بين عمليات إرهابية دفع ثمنها غاليا فيما بعد كحادثة لوكيربى وبين دعم ما تصور أنه حركات تحرير ضد الإمبريالية فى مشارق الأرض ومغاربها، فضلا عن تدخله الفج فى عدد من الدول العربية على رأسها السودان.

 

ولولا هذا الإنفاق العبثى لتحولت ليبيا إلى جنة على الأرض: شعب قليل العدد وثروة كبيرة لا ينقصها إلا المشروع الوطنى الجامع. حرص بعد غارات أمريكية استهدفت ليبيا واستهدفته شخصيا على أن يسمى ليبيا «الجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى»، وكان ممثلوه فى كل مكان ينتابهم غضب عارم إذا لم يُعمل بهذا الاسم، وكنت أشعر دوما أن الأمة فى حالة كرب عظيم طالما بقى هذا الاسم.

 

●●●

 

لم يكن مسئولا وحده عما وقع، وإنما يُسأل عنه كذلك من سكتوا عنه اتقاء غضبه، ولا أنسى حين أعلن تخليه عن العروبة ميمما وجهه شطر أفريقيا تلك الوفود التى تقاطرت عليه فى خيمته تناشده أن يبقى «أمينا» للأمة، وكانت مفاجآتى صاعقة عندما رأيت بين هذه الوفود على شاشة التليفزيون الليبى وفدا مصريا رفيع المستوى يضم علماء وكتابا وسياسيين أخذ أعضاؤه يتوسلون إليه فى كلماتهم ألا يتخلى عن الأمة.

 

انتهى حكم القذافى أيا كانت الملاحظات على الطريقة التى أنهيت بها حياته، وآن لروح منصور الكيخيا وأرواح رفاقه الذين ساروا على الدرب ذاته أن تستريح، وأصبح الشعب الليبى يواجه عملية بناء مستقبله بنفسه، ومن حق هذا الشعب أن يتفاءل بمستقبله، لكن الحذر واجب من الاستحقاقات الداخلية والخارجية التى يتعين على الثوار تسويتها حتى لا تكون حجرا عثرة فى بناء المستقبل. صحيح أن إرادة الشعوب تصنع المستحيل، لكن للسطو على الثورات رجاله المتمرسين، ومن هنا وجب الحذر واستحقت اليقظة. 

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية