أخشى أنه أصبح علينا الآن أن نسلم باختفاء الدولة ابتداء بعد أن باتت تستباح لأتفه الأسباب. ليس ما حدث فى قنا منذ منتصف الشهر الجارى بالشىء التافه بكل تأكيد، فهو يتعلق بحق قطاع من المواطنين المصريين فى إبداء الرأى فى قرارات تمس على نحو جوهرى أمور حياتهم اليومية، لكن إمعان النظر فى تفاصيل ما حدث يفضى بنا إلى ملاحظات فى منتهى الخطورة حول الوضع الذى آلت إليه الدولة المصرية. ويخشى المرء من انعكاسه على مستقبلها.
بدأت الأحداث كما هو معروف بقرار رئيس مجلس الوزراء فى الرابع عشر من هذا الشهر بحركة تضمنت تغييرا فى أشخاص المحافظين فى تسع عشرة محافظة، وكان نصيب محافظة قنا تغيير محافظها السابق (اللواء مجدى أيوب) وإحلال محافظ جديد محله (اللواء عماد ميخائيل)، وعلى الفور بدأت حركة احتجاج أخذ نطاقها يتسع تدريجيا ضد تعيين المحافظ الجديد باعتبار أن تجربه سلفه كنت فاشلة وأنه ينتمى إلى رجال الأمن الذين كانت لهم ممارسات مرفوضة تتناقض ومنطق الثورة. ومن الجدير بالذكر أن حركة الاحتجاج ضد قرار رئيس مجلس الوزراء امتدت إلى محافظات أخرى، لكن الاحتجاجات فى قنا كانت هى الأعنف.
كانت الشبهة الطائفية واضحة فى أحداث قنا، أو لنقل تحريا لمزيد من الدقة إن قطاعا يعتد به من المحتجين كان يرفع بصراحة شعار «إسلامية.. إسلامية»، ويسألهم محدثهم فى مكبر الصوت «عايزين إيه» فيردون «مسلم» فيكرر السؤال ليسمع الإجابة ذاتها على نحو أقوى، ويقول بعضهم إن قنا لن تكون «كوتة» الأقباط فى المحافظين، ناهيك عن الظاهرة التى لم يجرؤ أحد على الحديث عنها فيما عدا خالد منتصر فى المصرى اليوم، وهى رفع الأعلام السعودية، وعندما سمعت من صديق فى قنا عن هذه المسألة لم أصدقها للوهلة الأولى فسألت ثانيا وثالثا وأكد الجميع المسألة بل لقد زاد رابع بأنه رأى الأعلام بعينه على شاشة إحدى الفضائيات. والواقعة لا تحتاج إلى تعليق.
شعر البعض أو الكثيرون من المشاركين فى احتجاجات قنا بالحرج من الشبهة الطائفية فجرى التركيز على أشياء مثل مشاركة الأقباط إخوانهم المسلمين فى الاحتجاج، أو على سجله المهنى المشين كضابط شرطة، وألقى بعض الكتاب بالمسئولية بحق على أسلوب اختيار المحافظين الذى لم يتغير بعد الثورة، وكلها أمور قد تصح أو تكون بلا أساس لكنها لا تلغى البعد الطائفى إلا إذا قررنا جميعا أن نكون «نعاما».
ومن أطرف وأغرب ما قرأت فى تفسير ما جرى نقلا عن أبناء قنا أنفسهم أن أهالى قنا كانوا يشعرون بالإهانة لعدم مشاركتهم فى ثورة 25 يناير بسبب أباطرة الحزب الوطنى الذين سلحوا «البلطجية» لمنع المشاركة فى الثورة (علما بأن هذا هو السيناريو الذى تم فى ميدان التحرير وغيره ومع ذلك لم يحل دون المشاركة الجسورة فى الثورة)، ولذلك ظلت الثورة مختزنة فى صدورهم تنتظر لحظة الانطلاق والتفريغ، وكانت هذه اللحظة هى قرار تعيين المحافظ الجديد حيث خرجت المئات عفويا ترفضه، وأشك أن يكون معظم أهالى قنا قد سمعوا أصلا بعماد ميخائيل قبل تعيينه. والسؤال لماذا والأمر كذلك لم تخرج المظاهرات ابتهاجا بنجاح الثورة؟
لاشك أن حق أهالى قنا فى إبداء رأيهم فى محافظهم الجديد أمر كفله الدستور لكن ما شأن هذا بقطع الطرق السريعة وطريق السكة الحديد والتهديد بقطع المياه عن محافظة البحر الأحمر والكهرباء عن المصانع التى يعمل فيها أبناء قنا أنفسهم؟ إنها الدولة المستباحة لأتفه الأسباب فيقطع آخرون طريقا آخر لمجرد معرفتهم أن محافظهم الجديد سيمر عليه احتجاجا على مشاكل الخبز والبوتاجاز، ويقطع فريق ثالث الطريق أيضا لأن عمدة قريتهم قد اختطف من قبل أهالى قرية أخرى، وكل هذا فى غيبة كاملة لرجال الأمن فى إشارة لعجز مؤسسة الشرطة حتى الآن عن استعادة وضعها اللائق بها: شرطة تخدم الشعب فى إطار من الديمقراطية الكاملة والاحترام المتبادل والهيبة المطلقة.
لكن كل ما سبق لا يعدو أن يكون جانبا مما وقع أما الأخطر الذى يعزز فكرة «الدولة المستباحة» فهو الطريقة التى أديرت بها الأزمة من قبل المسئولين. ويمكن البدء بطبيعة الحال بالتركيز على أن سبب الأزمة أصلا هو طريقة اتخاذ القرار ومحتواه، لكن اللافت والمخيف هو الغياب الكامل للبعد المؤسسى فى إدارة الأزمة، فلا أهل قنا وجدوا إطارا مؤسسيا يثقون به يرفع مطالبهم إلى المسئولين ولا المسئولون وجدوا مؤسسة واحدة فاعلة تعينهم على إدارة الأزمة.
صحيح أن مجلس الوزراء أوفد وزيرى الداخلية والتنمية المحلية للتوصل إلى حل لم يتحقق، لكن الصحيح أيضا أن الشيخ محمد حسان (الراعى الرسمى للدولة المصرية) قد أُرسل هو الآخر كما سبق أن أُوفد إلى صول وغيرها ومعه هذه المرة الداعية صفوت حجازى والصحفى مصطفى بكرى واللواء على القرشى فى محاولة لإيجاد حل، والسؤال هنا ما الذى يمثله هؤلاء مؤسسيا؟ بالإضافة إلى أن الشيخ حسان ذهب ليبشر باستقالة المحافظ وليس ليتوسط، ولأن المحافظ لم يتقدم باستقالته فإن مهمة الشيخ حسان وصحبه باءت بدورها بالفشل.
وعندما ألقى مجلس الوزراء بثقله فى الأزمة وقرر أن ما يحدث هو خروج على القانون وفوض وزير الداخلية فى مواجهة هذا الوضع وإقرار سيادة القانون ارتفع سقف مطالب المحتجين إلى استقالة رئيس المجلس ناهيك عن أن وزير الداخلية لم يكن بمقدوره لا مواجهة الوضع ولا إقرار سيادة القانون. أما المجلس العسكرى الأعلى فلم يصدر عنه تصريح واحد بخصوص الأزمة.
بعد غياب البعد المؤسسى يجىء البطء الشديد الذى تم التعامل به مع الأزمة بما يذكر بالطريقة التى تعامل بها حسنى مبارك مع أحداث الثورة، بل إن رئيس مجلس الوزراء انتقل من زيارته الموفقة إلى سيناء إلى جولته الخليجية مباشرة مع وعد بزيارة قنا والحوار مع أهلها وكأن البلد لا يخسر فى كل يوم عشرات الملايين من قطع طرق المواصلات بين قنا من ناحية وجنوبها وشمالها من ناحية أخرى وتوقف دولاب العمل فيها. وهى خسارة تزيد من أعباء صانع القرار وترسى قيودا على حركته الخارجية.
لكن ثالثة الأثافى كما يقولون هى السكوت التام من جانب الأحزاب السياسية ومرشحى الرئاسة المحتملين، والقوة السياسية الوحيدة التى أدان ممثلها ما يحدث ووصفه بالبلطجة والإجرام كانت هى الإخوان المسلمين (وإن ذكرت صحيفة الأهرام أن المتحدث لم يكن يدرك أن معظم الجالسين أمامه من أصول قناوية فعدل من لهجة حديثه بعد أن لفت نظره إلى ذلك). على أى شىء تخاف الأحزاب ويخاف المرشحون؟ وهل تكون حفنة من أصوات انتخابية أعز عليهم من كلمة حق فى مستقبل وطن لن يعرف ديمقراطية ولا انتخابات إذا استمرت الأمور على ما هى عليه؟ فالفوضى هى البداية الحقيقية للديكتاتورية.
عندما فرغت من كتابة هذه السطور كان قد تم التوصل إلى تسوية مؤقتة يجمد فيها عمل المحافظ لثلاثة شهور ويتولى سكرتير عام المحافظة مهامه فى هذه الفترة، ولا أستطيع الحكم الآن على هذه التسوية لكن المهم فيها أن هيبة الدولة قد كررت سقوطها ليس لأن أهالى قنا فرضوا مطالبهم، ولكن لأن سيادة القانون قد ذهبت أدراج الرياح.