عيد الثورة الأول أم حريق كبير قادم؟ - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:29 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

عيد الثورة الأول أم حريق كبير قادم؟

نشر فى : الخميس 29 ديسمبر 2011 - 9:30 ص | آخر تحديث : الخميس 29 ديسمبر 2011 - 9:30 ص

يوم الخميس الماضى ــ أى منذ أسبوع بالتمام والكمال ــ كشف مصدر مسئول وُصف بأنه رفيع المستوى عن رصد جهات أمنية سيادية تحركات واتصالات لعناصر داخلية مع جهات خارجية لتنفيذ مخطط يوم 25 يناير المقبل ــ أى فى عيد الثورة الأول ــ للدخول فى اشتباكات دامية مع عناصر القوات المسلحة بعد استفزازها فى أماكن حيوية، مما يؤدى إلى سقوط قتلى بالإضافة إلى التجهيز لإشعال الحرائق وإثارة الفوضى. وقال المصدر إن المخطط يقوم على استدراج «الشباب الطاهر» والخاسرين فى الانتخابات البرلمانية، وأكد أنه يهدف إلى إفشال العملية الديمقراطية وإسقاط الجيش، ومن ثم إسقاط الدولة. ويقوم المخطط على الدعوة لمظاهرات سلمية يوم 25 يناير ثم الدعوة لاعتصامات تتحول إلى استفزاز واحتكاك ومناوشات مع الشرطة وعناصر من القوات المسلحة.

 

وقال المصدر إن الهدف هو إشاعة الفوضى العارمة فى البلاد، وخلق حالة من الحرب الأهلية بين الشعب والجيش تمهيدا لصدور قرارات بتدخل قوات أجنبية للفصل بين الشعب والقوات المسلحة، وفرض الوصاية الدولية على البلاد. وكشف المصدر عن اتخاذ الدولة كل الإجراءات بما فيها الأمنية للتصدى لهذا المخطط حفاظا على المنشآت والممتلكات وأرواح المصريين. كما أكد المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن المخطط يتضمن أيضا إبقاء الوضع على ما هو عليه بميدان التحرير لأكبر وقت ممكن، والعمل على تصعيد الأحداث وتوريط المجلس فيها، وأضاف أن هدفه من إظهار هذه المعلومات هو حرصه على تبصير المصريين الشرفاء بالمخاطر المحيطة بنا، أملا فى التكاتف واليقظة للحيلولة دون نجاح هذه المخططات. وجدد المجلس احترامه حق التظاهر السلمى مع عدم الإضرار بمصالح المواطنين أو المنشآت العامة والخاصة، وناشد القائمين على تنظيم المظاهرات والاعتصامات اتخاذ الحيطة التامة لمنع تدخل عناصر غير موثوق بها. وأشار إلى أن الشرطة والقوات المسلحة لن تتدخل ولن توجد بتلك المناطق. وفى مؤتمر صحفى فى اليوم نفسه أكد وزير العدل أن التحقيقات المبدئية فى الأحداث الأخيرة كشفت عن تورط عدد من الأشخاص بتقديم مبالغ مالية طائلة لمجموعات من الشباب والصبية للقيام بأعمال تخريبية داخل المنشآت الحيوية، وأعلن الوزير أن عدد الوفيات فى الأحداث الأخيرة بلغ ــ حتى ذلك الوقت ــ 42 حالة أكدت تقارير الصفة التشريحية أن مصرعهم كان بسبب الإصابة بأعيرة نارية أطلقت عليهم من مسافات قريبة جدا تراوحت بين ربع المتر ونصف المتر ومن اتجاهات مختلفة.

 

●●●

 

جاءت ردود الأفعال لهذه التصريحات متوقعة من «النخبة الثورية» التى تتصرف منذ مدة باعتبار أن المجلس العسكرى هو «شيطان الثورة»، فهو يقتل ويحرق ويستأجر البلطجية وغير ذلك من الأفعال المشابهة تنفيذا لمخطط البقاء فى السلطة، وفى حالتنا هذه أشار عدد من الآراء لعناصر من هذه النخبة إلى أن الهدف من هذه التصريحات هو إثارة الفزع استمرارا لأساليب النظام القديم، وأن هذه المعلومات هى تصورات خاصة بالمجلس، وأن الواقع يكذبها تماما، وأننا مقبلون على كارثة إذا استمرت سياسات المجلس على هذا النحو، وطالبت هذه العناصر المجلس بإعلان ما لديه من وثائق ومعلومات، واعتقال من يقفون وراء المخطط، وكشف أسماء الدول التى تقف خلفه.

 

حالة من الاستقطاب الكامل تسود إذن العلاقة بين الطرفين، وهذه الحالة فى حد ذاتها مصدر خطر، ولذلك فإن إمعان النظر فى موقفيهما مطلوب بإلحاح. لا شك أن ما عرضه المصدر رفيع المستوى ومعه المجلس العسكرى ليس بلا أساس من خبرة الشهور السابقة، خاصة وأن قوى معينة ــ مهما بلغت محدودية أعداد المنتسبين إليها ــ تحدثت عن إسقاط الدولة بالفعل، ووجدت طريقها لعرض آرائها فى عدد من الفضائيات، غير أن «المصدر» و«المجلس» أطلقا العنان لتصوراتهما، فتحدثا عن «حرب أهلية» مع أن أقصى المتوقع هو حالة من عدم الاستقرار المتزايد وربما الفوضى، وبناء على هذا التكييف توقعا صدور قرارات بتدخل قوات أجنبية يتلوه فرض الوصاية الدولية على مصر! وهو سيناريو مستحيل لاعتبارات كثيرة يضيق بها هذا المكان. من ناحية أخرى وقع «المصدر» و«المجلس» فى تناقض ظاهر فى بيان موقفهما من هذه الاحتمالات، فقد أشار المصدر إلى اتخاذ الدولة كل الإجراءات بما فيها الأمنية للتصدى لهذا المخطط، فيما ذهب المجلس إلى أن الشرطة والقوات المسلحة لن تتدخل أو توجد فى مناطق الاضطراب، وهو منطق غريب بالنسبة لفداحة المخاطر التى توقعها لا يكفى لتبريره العمل على تفادى الاحتكاك بالمتظاهرين والمعتصمين.

 

أما «النخبة الثورية» ومن خلفها عديد من وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة فقد بالغت بأن الواقع يكذب رؤية المجلس تماما، لأن الساحة السياسية المصرية شهدت أحداثا مشابهة لسيناريو الخطر القادم الذى تحدث عنه المجلس، غير أن مطالبتها المجلس بإعلان ما لديه من وثائق ومعلومات، واعتقال من يقفون وراء المخطط، وكشف أسماء الدول المتورطة فيه مطالبة بديهية، خاصة وأن تصريحات وزير العدل تعطى الانطباع بأن تحقيقات النيابة ما تزال فى بدايتها.

 

●●●

 

ما العمل إذن فى هذا الموقف العصيب؟ يبدو أحيانا وكأن المجلس يرى الحل فى مناشدة القائمين على تنظيم المظاهرات والاعتصامات اتخاذ الحيطة التامة لمنع تدخل عناصر غير موثوق بها على أساس أن الشرطة والقوات المسلحة لن توجد فى مسرح الأحداث، وهى آلية لم تُجد نفعا فى الأحداث الأخيرة، ولذلك لابد من البحث عن بدائل، وقد سبقت الإشارة إلى أن الحلول الأمنية كانت عقيمة منذ يناير وحتى الآن، ولذلك لابد وأن نتحسب لما هو قادم برؤية سياسية. ولعل نقطة البداية تكون بدخول المجلس العسكرى فى حوارات جادة وسريعة يُعلَن هدفها للشعب مع ممثلين لكافة القوى السياسية، على أن يُعلَن عن القوى التى رفضت المشاركة فى الحوار كى تتحمل أمام الرأى العام مسئولية قرارها هذا، كما يستحسن أن تدور هذه الحوارات فى مناخ من الشفافية الكاملة، ولا مانع فى هذا السياق من أن تكون جلساتها علنية. ويكون الهدف من الحوار هو التوصل لرؤية سياسية مشتركة لمواجهة المخاطر التى تحدق بمصر عامة وليس فقط تلك التى تحدث المجلس العسكرى عن احتمالات حدوثها.

 

وإذا نجح الحوار فإن المجلس العسكرى والحكومة لابد وأن يتفهما المطالب المعقولة «للموجة الثانية» من الثورة، ويستجيبا لها، أما «الثوار» فعليهم الانتقال إلى حالة ثورية أرقى، فلسنا بصدد لعبة «شد الحبل» وإنما مستقبل وطن، وتتطلب الحالة الثورية الأرقى ــ إذا كان هناك إصرار على التمسك بالتظاهر والاعتصام ــ إبلاغا للسلطات بموعد التظاهر ومكانه، وسوف يكون الشرط الأساسى ألا يؤدى ذلك إلى شلل فى الحياة اليومية للمواطنين، كما سوف يكون معروفا أن قوات الجيش والشرطة ستوجد للحماية، ولن تشتبك مع أحد، وإنما ستتخذ لها مواقع تتيح حماية المؤسسات السياسية والمبانى ذات القيمة التاريخية كالجمعية الجغرافية المصرية التى أفلتت بأعجوبة حتى الآن من حريقين كان أولهما حريق مجلس الشورى الشهير والثانى فى الأحداث الأخيرة، وكذلك حماية الممتلكات العامة والخاصة، وسيكون هناك نطاقان للأمن أولهما خارجى من القوات المسلحة والثانى داخلى من المتظاهرين بغرض التأكد من أن الداخلين إلى ساحة التظاهر هم موضع اتفاق الجميع، ولابد من أن تكون هناك تغطية إعلامية شاملة ودائمة تمنع الاختلاف فى تفسير ما قد يقع من أحداث، ولجان حكماء على استعداد دائم للتدخل لمنع أى انفجار للأمور، والسعى الجاد لحل سياسى للأزمات التى يمكن أن تنشب فى هذه الظروف، وتقديم الشهادة النزيهة إلى الشعب بشأن تحديد المسئولية عما يمكن أن يقع من أحداث مؤسفة.

 

●●●

 

لن يكون لهذه الأفكار العامة والتفصيلية أى نصيب من النجاح إذا ساءت النوايا، وتم تغليب اعتبارات أخرى على صالح الوطن، وعلى من لا تعجبه هذه الأفكار أو يراها غير واقعية أو حتى سخيفة أن يتقدم بغيرها، لأن الوطن فى خطر بغض النظر عن دقة تصريحات المجلس العسكرى أو مبالغاته.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية