لم أترك نفسى لأهوائى بعد سماعى خطاب الرئيس محمد مرسى، الذى امتد بين يومى الأربعاء والخميس الماضيين. وإلا كنت قد استجبت لرغباتى الدفينة فى قضاء ليلة ساهرة حتى الصباح، فى تبادل القفشات والنكات على مواقع التواصل الاجتماعى. لعلى أسهم مع آخرين للكشف فى المعاجم عن الأصل اللغوى لكلمة «الانضغاط» التى كررها الرئيس فى خطابه.
أو أن أدلى برأيى فى سر ذلك «الرجل المجهول» الذى باح للرئيس بسر «حرب الجراكن» أثناء مهاتفته التليفونية على المحمول الخصوصى. الذى يبدو أن الرئيس قد اختص به المواطنين الذين لديهم اسرار بحجم مؤامرة «قلب البنزين فى الجركن». أو لعلنى أشارك آخرين فى فك لغز ذلك الموظف الأهطل من المنصورة الذى حكى عنه الرئيس مرسى. والذى وافق على تسعيرة متدنية تقدمها له «الفلول» لا تزيد عن عشرين جنيها، ليقطع الكهرباء عن مواطنين بعينهم دون غيرهم، بغرض أن ينقلبوا على نظام الحكم.
●●●
ولكننى فضلت أن أقضى بقية تلك الليلة التاريخية فى سماع الخطاب مرة أخرى لعلى أتأكد فعلا مما قد سمعته. هل فعلا قال الرئيس إن عهده شهد أكبر زيادة فى دخول المواطنين بأكثر مما حدث فى 60 سنة؟. هل قالها فعلا؟. هل قال إنه قطع شوطا على طريق العدالة الاجتماعية؟. يبدو أننى فى المرة الأولى لم آخذ الخطاب محمل الجد. ولكن مادام الأمر حقيقة وليس خيالا فلابد أن نعرف من أين يستقى الرئيس معلوماته؟.
فهل يخفى على الرئيس أن الزيادة التى طرأت على بند الأجور فى موازنة الدولة المقبلة عن الموازنة الحالية والتى يتباهى بها (حوالى 30 مليار جنيه) سيذهب الجانب الأكبر منها ليس إلى المرتبات الأساسية، ولكن إلى بند الحوافز والمكافآت التى هى بطبيعتها تذهب إلى المحظوظين. ويعلم الرئيس بالتأكيد أن الحظ أصبح الآن حليفا لحاملى جنسية الإخوان المسلمين دون غيرهم.
أى أن الزيادة فى الأجور لن تذهب لصغار الموظفين ولا للمدرسين أو الأطباء ولا لعمال المصانع والشركات، ولكن أغلبيتها ستذهب للوزراء ولأعضاء مجلس الشورى ولكبار المسئولين فى الدولة العميقة. فعن أى عدالة اجتماعية يتحدث الرئيس؟
وربما الصدفة وحدها هى ما جعلت حكما قضائيا يصدر من القضاء الإدارى فى صباحية خطاب الرئيس مرسى، يكشف لنا أن رئيس الوزراء «الإخوانى» هشام قنديل كان يصرف 29 ألف جنيه حوافز شهرية لكل الوزراء، بالإضافة إلى مرتباتهم. وإن مجموع هذه الحوافز فى التسعة أشهر (من أغسطس وحتى أبريل الماضيين) بلغ ما يزيد على 10 ملايين جنيه للوزراء فقط بدون رئيس مجلسهم.
وكان نصيب وزير الإعلام «الإخوانى» صلاح عبدالمقصود وحده أكثر من ربع مليون جنيه فى تلك الفترة. وهذه الأموال ألزمته المحكمة بردها لأنه أخذها بدون وجه حق وبالمخالفة للقانون. فى حين لم يخجل الرئيس فى خطابه من أن يعلن أن الظروف لا تسمح حاليا بزيادة الحد الأدنى للأجورعن 700 جنيه فى الشهر. بينما هو يقول أن 32 رجل أعمال يمصون وحدهم خير البلد، دون أن يقول لنا كيف سيرد لنا حقوقنا من «مصاصى حقوق الناس».
●●●
ألم يقرأ الرئيس الدراسة الأخيرة التى خرجت بتوقيع الدكتور ياسر على المتحدث الرسمى للرئاسة السابق، والذى أصبح رئيسا لمركز معلومات مجلس الوزراء، والتى تؤكد على أن 93% من الأسر الأكثر احتياجا لم يتغير دخلها الشهرى فى فترة الشهور الأولى من العام الحالى (يناير ، فبراير، مارس) أى فى عز الرئاسة الإخوانية. وإنه بسبب انخفاض سعر الجنيه أصبح على تلك الأسر أن تصرف 661 جنيها فى الشهر (أى انفاق كل فرد فى الأسرة 5.5 جنيه فى اليوم )، لكى تحصل على نفس الكمية التى كانوا يتحصلون عليها بـ628 جنيها فى الثلاثة شهور السابقة.
وأن 18% منهم اضطروا إلى تقليل كميات الطعام يوميا حتى تكفيهم دخولهم. وأى عدالة تنتظر هؤلاء إذا كانت الرعاية الصحية زادت أيضا خلال الفترة من (يناير وحتى مارس 2013) بنسبة 9.8%.بينما لم تزد فى نفس الفترة قبل حكم مرسى عن 0.5%.
وهل سأل الرئيس عن أحوال حاملى البطاقات التموينية قبل أن يتحدث عنهم متباهيا بهم فى خطابه. وهل عرف أنهم لا يتحصلون على السلع التموينية المقررة لهم، وحتى كميات الزيت فى البطاقة لا تكفى سوى 41% من احتياجاتهم، ولا تغطى كميات السكر سوى ثلث ما يحتاجونه فقط؟.
وحتى نوبة كرم وزير التموين الإخوانى الذى قرر توزيع 13 ألف طن من المكرونة والفول مجانا بمناسبة شهر رمضان على 66 مليون مستفيد من البطاقات أسفرت عن 196 جراما لكل فرد أى خمسة كيلو فى الشهر. يعنى نصيب الفرد من حبات الفول والمكرونة لن يتعدى عدد أصابع اليدين. عن أى عدالة اجتماعية يتحدث الرئيس؟
●●●
وهل قالوا للرئيس إن معدل نمو الدخل الحقيقى للفرد انخفض فى عام 2012 بالسالب بمقدار 0.01% طبقا لتصنيف البنك الدولى وهو ما جاء فى تقرير وزارة المالية، وذلك بفعل زيادة أسعار السلع والخدمات. وهل يعلم الرئيس أن معدل الزيادة فى أسعار المستهلكين قد شهدت زيادات كبيرة من أهمها زيادة أسعار الغاز الطبيعى والبوتاجاز بنسبة 67% فى إبريل الماضى، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضى، ومع ذلك طالبت قيادات من الإخوان داخل مجلس الشورى أثناء مناقشة موازنة الدولة بإلغاء دعم الغاز للمنازل.
فى نفس الوقت الذى لم يتمسك أحدهم بضرورة تحصيل فروق أسعار بيع الغاز الطبيعى لمصانع كبار رجال الأعمال كثيفة استخدام الطاقة، والتى لم تتضمن الموازنة الحالية مليما واحدا لهذا البند.
وعند هذا الحد وجدتنى ادندن وحدى أغنية فرقة إسكندريللا التى سمعتها يوم الثلاثاء الماضى «الليلة ثورة.. وبكرة ثورة... وبعده ثورة.... وننتصر»، وسمعت وكأن ملايين تردد من بعيد وننتصر. سننتصر.