قدر على السياسة الخارجية المصرية أن تبدأ عام 2009 وتنهيه بتداعيات الحصار على غزة والذى اتهمها خصومها بأنها ضالعة فيه. فى البدء كان العدوان الإسرائيلى الوحشى على القطاع وتمسك مصر بحرفية اتفاقية المعابر في 2005 وبأن عدم توفر شرط فتح معبر رفح بموجب الاتفاقية يعطيها حق إغلاقه، مع أن موقف العديد من المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ناهيك عن القانون الدولى الإنسانى كانا يوفران لها ذريعة سياسية وقانونية للتمرد على الاتفاقية إن هى أرادت. صحيح أن معبر رفح فتح أثناء العدوان غير مرة لاستقبال جرحى العدوان، وإدخال بعض المساعدات الإنسانية، ومرور بعض الأفراد، لكن هذا كان حجة على السياسة المصرية أكثر مما كان دليلا على تقديرها لدقة الموقف الإنسانى فى غزة، فطالما أنها استطاعت فى ظروف بالغة الاستثنائية أن تخرج على اتفاقية المعابر فلماذا لم تعتبر الوضع برمته فى غزة استثنائيا، وتجعل العامل الإنسانى هو الحاكم فى فتح المعبر وإغلاقه مع السعى إلى توفير رقابة دولية نزيهة على تشغيله كى لا تتهم مصر بأنها تنتهك اتفاقية المعابر لأغراض غير إنسانية؟
****
مع نهاية العام تعددت الروايات حول قيام مصر ببناء جدار فولاذى ضخم على الحدود مع قطاع غزة للقضاء على ظاهرة أنفاق التهريب بين مصر والقطاع، بالإضافة إلى ما تردد عن ضخ مياه البحر إلى باطن الأرض الذى يفترض أن تخترقه الأنفاق حتى تفقد التربة صلاحيتها لحفر هذه الأنفاق، مع كل المخاطر المحتملة على مصادر مياه الشرب فى القطاع نتيجة هذه العملية.
لم يكن الموقف المصرى الرسمى قاطعا فى نفى ما سبق، وإن كانت تصريحات ذوى الشأن ــ التى أفادت بأن إقامة أى إنشاءات فوق الأرض أو تحتها هى حق سيادى لمصر ــ قد فهمت كاعتراف ضمنى ببناء الجدار بين مصر وغزة، ولم يكن مستغربا بطبيعة الحال أن يثير هذا الموقف ردود الأفعال العربية نفسها التى حدثت فى مطلع العام بسبب معبر رفح على نحو ما سبقت الإشارة، وللمرة الثانية كان واضحا أن السياسة المصرية مصرة على الالتزام بحرفية القانون حتى ولو تعارضت مع مبادئ القانون الدولى الإنسانى.
بين البداية والنهاية ظلت السياسة المصرية محشورة فى محاولات إنجاز صلح بين فتح وحماس من ناحية، واستعادة التهدئة بين حماس وإسرائيل من ناحية ثانية، وإتمام صفقة مبادلة الأسير الإسرائيلى لدى حماس بمئات الأسرى الفلسطينيين من ناحية ثالثة، ولم تستطع السياسة المصرية أن تحدث اختراقا فى أى من هذه المجالات رغم الجهد الدءوب المخلص الذى بذلته للتوصل إلى صيغة مصالحة بين فتح وحماس، وإطلاق التهديدات من حين لآخر للأطراف الفلسطينية بضرورة إقرار هذه الصيغة، وكذلك رغم العون الألمانى فى مفاوضات تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل،وربما يعود هذا العجز إلى تركيز بالغ على الجزئيات والتفاصيل بغض النظر عن جذور الصراع وأعماقه، كما هو الحال فى التناقض بين المشروع «الإسلامى» لحماس ومشروع فتح الذى كان واضحا أنه ــ أى التناقض ــ لا يقبل الحل فى المرحلة الراهنة.
فى الشأن نفسه شهد عام 2009 تعزيزا للتطبيع المصرى ــ الإسرائيلى، فاستمر تصدير الغاز المصرى لإسرائيل على الرغم من المحاولات الدءوبة لنشطاء مصريين على رأسهم السفير إبراهيم يسرى لاستصدار حكم قضائى بوقف هذا التصدير، وقد حصل بالفعل على حكم يفيد تحقيق هذه الغاية فى أواخر 2008، ولكن عام 2009 شهد صدور حكم المحكمة الإدارية العليا بوقف تنفيذ الحكم السابق، وإن كانت هذه الضغوط «من أسفل» قد أفضت فيما يبدو إلى مراجعة لأسعار تصدير الغاز لإسرائيل خلال مفاوضات أعلن فى أغسطس أنها توصلت إلى رفع سعر الغاز المصرى المصدر لإسرائيل، غير أن المواطن المصرى بقى لا يعلم شيئا عن السعر القديم أو الجديد فى مواصلة لعمليات الضبط السياسى والاجتماعى للمجتمع عن طريق إخفاء المعلومات.. كذلك ارتبطت حركة المرشح المصرى لمنصب المدير العام لليونسكو بمؤشرات تطبيع ثقافى غير خافية مع إسرائيل، وشهد العام تجدد إثارة مسألة التطبيع بـ«المصافحة» بين شيخ الأزهر ورموز إسرائيلية سياسية بارزة.
ولا يعنى ما سبق أن العلاقة المصرية ــ الإسرائيلية على الصعيد الرسمى لم تشهد توترا من أى نوع فى 2009، فقد تحفظت مصر على تعيين ليبرمان وزيرا لخارجية إسرائيل فى حكومة نتنياهو، وعادت وتحفظت على حضوره اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء فى الاتحاد من أجل المتوسط، وكذلك على السفير الذى رشحته إسرائيل فى القاهرة ــ وقد تم سحب المرشح بالفعل ــ كما أن مصدرا رئاسيا اعتبر التقارير الصحفية الإسرائيلية التى تحدثت عن تنسيق عسكرى مصرى ــ إسرائيلى ضد إيران محاولة رخيصة للإساءة إلى مصر.
****
فى المجال العربى استمر الدور المصرى غير قادر على إحداث نقلة نوعية فى النظام العربى، فيما برز الدور السعودى قائدا لقطار المصالحة منذ قمة الكويت فى يناير 2009، وبقيت العقدة فى العلاقات المصرية ــ السورية على حالها، وذلك على الرغم من الاجتماع الذى ضم الرئيسين المصرى والسورى فى القمة المذكورة،وقمة المصالحة الرباعية فى الرياض فى مارس التى حضرها بالإضافة إلى الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذى دعا لها كل من أمير الكويت والرئيسين المصرى والسورى، وعلى الرغم كذلك من تجاوز الأزمة السياسية فى لبنان التى ربطتها مصر يوما بمستوى تمثيلها فى قمة دمشق 2008.. وبالإضافة إلى استمرار العقدة فى العلاقات المصرية ــ السورية تناثرت بؤر خلافية ثنائية بين مصر وهذه الدولة أو تلك كما فى حالة قطر التى ذكرت تقارير أن مصر اشترطت لحضورها قمة الرياض فى مارس غياب قطر عنها، كما أن الرئيس مبارك تغيب عن حضور قمة الدوحة فى الشهر نفسه ناهيك عن عدم الرضا المصرى عن موقف قناة الجزيرة مما يجرى فى مصر، ووقعت أزمة العلاقات المصرية ــ الجزائرية التى ساهمت فى تفاقمها حفنة من برامج الفضائيات المهترئة والصحفيين والسياسيين غير المسئولين، وكادت الأزمة تطول علاقة مصر بالسودان الذى استضاف المباراة السبب فى الأزمة بفعل المواقف الإعلامية نفسها، وإن كان الرئيس قد أوقف تدحرج كرة النار فى اتجاه السودان بحكمة ظاهرة. غير أن مصر لاشك قد فقدت فى 2009 الكثير من تعاطف الشارع العربى نتيجة الحديث الإعلامى غير المسئول عن دور مصر العربى وفضلها على العرب، والتهجم على الانتماء العربى أصلا.
تواصلت المشاكل فى 2009 على الصعيد الإقليمى فى واحد من أخطر ملفات السياسة الخارجية المصرية وهو ملف المياه وعلاقة مصر بدول حوض النيل والحاجة إلى التوصل إلى اتفاقية إطارية بين هذه الدول تحكم استغلال مياه النهر وتوزيعها، وكان واضحا فى الاجتماعات التى استضافتها مدينة الإسكندرية أن وجهة النظر المصرية ليست موضع تفهم ومساندة من دول الحوض غير العربية، وبقى الإنجاز ــ إن كان ثمة إنجاز فى الطريق ــ مؤجلا، وكان واضحا أن السياسة المصرية تسدد فاتورة إهمال أفريقيا سنوات عديدة، ولذلك سرعان ما تدفقت الدماء فى الشرايين التى تصل بين هذه السياسة وبين دول حوض النهر عامة وإثيوبيا خاصة، غير أن مردود هذا التحرك المصرى على ملف مياه النيل بقى غامضا.
ومن عجب أن العلاقات المصرية ــ الإيرانية التى لاشك فى توترها على خلفية معروفة لجميع المتابعين لها قد شهدت مؤشرات رشادة ظاهرة فى إدارتها من الجانب المصرى، فثابرت مصر على موقفها الرافض لحل مشكلة الملف النووى الإيرانى عسكريا، وسارعت كما سبقت الإشارة بنفى قاطع وغاضب للتقارير التى تحدثت عن تنسيق عسكرى مع إسرائيل ضد إيران، وامتنعت عن التصويت على القرار الذى أدان الأنشطة النووية لإيران فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما أن لقاء قد حدث بين وزيرى خارجية البلدين على هامش قمة عدم الانحياز التى استضافتها مصر فى يوليو بالإضافة إلى اللقاء الذى تم بين الرئيس مبارك وعلى لاريجانى رئيس مجلس الشورى الإيرانى، فضلا عن توقيع اتفاقية بين الغرفتين التجاريتين فى مصر وإيران.
****
على الصعيد الدولى كان أكبر الأحداث فى السياسة الخارجية المصرية هو اختيار الرئيس الأمريكى باراك أوباما القاهرة منبر جامعتها العريقة ليوجه منه رسالته إلى العالم الإسلامى، وعلى الرغم من الصخب الهائل الذى أحاط هذه الزيارة فإن أجواءها الإيجابية سرعان ما تبددت ليكتشف الجميع بعدها أن كل شىء باق على حاله على الأقل فيما يخص العرب، ولم يهتم الكثيرون بالتركيز على أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن العلة فى العرب قبل أن تكون فى الرؤساء الأمريكيين.. كذلك شهد عام 2009 أول زيارة يقوم بها الرئيس مبارك للولايات المتحدة منذ فترة طويلة بعد أن توترت العلاقات المصرية ــ الأمريكية على نحو ظاهر فى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق، لكن الزيارة كغيرها لم تفض إلى تحولات جذرية.
من ناحية أخرى استضافت مصر قمة عدم الانحياز، وأصبحت بذلك رئيسة للحركة إلى حين انعقاد القمة التالية بالإضافة إلى الرئاسة المشتركة للاتحاد من أجل المتوسط، وهكذا تعددت الرئاسات لكن هذا كله لم يكن كافيا على سبيل المثال لضمان مقعد مدير عام اليونسكو للمرشح المصرى، وقد شُغلت النخبة المصرية كثيرا بهذا الموضوع، وانقسمت بين من يرى أن الهزيمة قد لحقت بوزير الثقافة المصرى بفعل مؤامرة دولية، ومن يرى أنها تضرب بجذورها فى النظام السياسى الذى يعبر عنه الوزير، لكن الهزيمة كانت مشرفة على أية حال.
****
هكذا مضى عام 2009 بلا إنجازات باهرة فى علاقة مصر بمحيطها الخارجى، ولعل الأجراس التى سوف تقرع فى مطلع العام الجديد تنبهنا إلى مواطن الخلل وصلت بنا إلى الوضع الراهن، غير أن الخروج من هذا الوضع يحتاج إلى ما يتجاوز قرع الأجراس بكثير، فقد باتت الحاجة ملحة لمراجعة الرؤى الاستراتيجية لسياسة مصر ودورها وأدوات حركتها فى محيطها الخارجى حتى يمكن لهذه السياسة أن تأخذ مكانها الطبيعى ضمن مشروع شامل للنهضة المصرية علينا أن نسعى جميعا من أجل بلورته، وتحويله إلى واقع ملموس فى حياة الوطن الذى عانى كثيرا من غياب الرؤى الاستراتيجية الصحيحة، ناهيك عن العجز عن وضعها موضع التطبيق.