سامي شرف يكتب لـ«الشروق»: كواليس العدوان الثلاثي (1- 4) - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:50 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

سامي شرف يكتب لـ«الشروق»: كواليس العدوان الثلاثي (1- 4)


نشر في: السبت 11 يناير 2020 - 4:44 م | آخر تحديث: الأحد 12 يناير 2020 - 7:49 م

في التاسع والعشرون من شهر أكتوبر من كل عام تحل علينا ذكرى ملحمة الانتصار السياسي والعسكري الذي حققه الشعب المصري على ثلاث دول أرادت كسر إرادة المصريين، فما كان منهم إلا أن لقنوهم درسا لا ينسى في قدرة الشعب المصري على صنع المعجزات من أجل حماية وطنه.

ورغم ما كتب عن مؤامرة العدوان الثلاثي إلا أني أردت أن ألقي الضوء على كواليس مواجهة هذه المؤامرة، والعبقرية المصرية في التعامل معها.

الحلقة الأولى: المؤامرة..
تكاثرت نذر الحرب وبدا جليا أن كلا من بريطانيا وفرنسا تعملان فقط على كسب الوقت، ومن ثم أصبحت احتمالات الصدام العسكرى تفوق بكثير فرص التسوية السلمية وبخاصة بعد الموقف الذى أظهره مندوبا الدولتين فى مجلس الأمن وحرصهما على تعويق أى محاولة للخروج من المأزق ونزع فتيل الأزمة.

وكان الاتفاق السرى إنجليزي/ فرنسي/ إسرائيلي -كما تكشف ذلك فيما بعد- قد تم في "سيفر" ورقتين وقعهما ديفيد بن جوريون عن إسرائيل، وكريستيان بينو عن فرنسا، وباتريك دين عن بريطانيا.

وينص الاتفاق على أن تقوم إسرائيل ببدء الحرب مساء يوم 29 أكتنوبر1956، وان تتدخل بريطانيا وفرنسا للفصل بين المتحاربين والسيطرة على قناة السويس.

فى الثامن والعشرين من أكتوبر 1956 -أي قبل وقوع العدوان بيوم واحد- وردت معلومات مؤكدة عن اعتزام إسرائيل شن هجوم عسكرى على مصر، وقد تجمعت هذه المعلومات من عدة مصادر على النحو التالي:

السفير عبد الحميد غالب سفير مصر في بيروت -القائمقام ثروت عكاشة الملحق العسكرى المصري في باريس- القائمقام طيار مصطفى مرتجى الملحق العسكرى المصرى في روما- البكباشى زكريا العادلي إمام الملحق العسكرى المصري في تركيا- القائمقام إسماعيل صادق والصاغ محمد المصري (مساعدى فيما بعد للشئون العربية ) الملحقين العسكريين فى ليبيا- منظمة "أيوكا" (حركة التحرر الوطنى فى قبرص ) بتعليمات من الأسقف مكاريوس شخصيا - المجموعة 88 من جهاز المخابرات العامة المصرية وكانيرأسها فى ذلك الوقت كمال رفعت - المجموعة 33 من جهاز المخابرات العامة المصرية - مجموعة الخدمة السرية من جهاز المخابرات العامة المصرية - المكتب الثانى السورى - المكتب الثانى اللبناني.

قرر الرئيس عبد الناصر إبلاغ هذه المعلومات للقيادة العسكرية، كما وجه احتياجات للمخابرات الحربية لمعرفة أحدث أوضاع للجيش الإسرائيلي، وهل هناك حشود على الجبهة المصرية أو أية تحركات عسكرية ملفتة، وكان رد المخابرات الحربية يؤكد أن الوضع عادي، ولا يتضمن أية مؤشرات بالهجوم، وفي الحقيقة كانت وسائل الاستطلاع المتاحة في تلك الفترة ضعيفة وقاصرة، وترتكز فقط على العنصر البشرى والأساليب اليدوية باستخدام المندوبين والعملاء، ولم تكن المخابرات العامة قد تمكنت بعد من توفير مصادر جيدة فى داخل إسرائيل باستثناء مصدر واحد رئيسي هو رفعت الجمال (رأفت الهجان)، وكان في دور الإعداد ومرحلة التعرف على المجتمع الإسرائيلى، ولم يثبت أقدامه بعد في الميدان، بينما كان أحد ضباط المخابرات العامة وهو إبراهيم بغدادي (من الضباط الأحرار) قد استخدم صحفيا مصريا يدعى إبراهيم عزت من مجلة روزاليوسف، وتمكن من إدخاله إلى إسرائيل في عملية مخابراتية بغرض الحصول على المعلومات، ولم يستطع إبراهيم عزت العودة إلا بعد انتهاء العدوان الثلاثي وعن طريق باريس.

وبالمناسبة تشير بعض الكتابات إلى أن هذه العملية كانت أول اتصال أو تطبيع مع إسرائيل، وهو ما يخالف الحقيقة؛ حيث أن عملية إبراهيم عزت كما قلت استهدفت فقط الحصول على المعلومات لصالح المخابرات العامة، وبتكليف واضح منها، ولم يكن لها أى بعد سياسي، ولا تستند إلى قرار رئاسى حتى من رئاسة الجهاز نفسه!.

وكان جمال عبد الناصر يتبنى نظرية يقوم بتدريسها في كلية أركان حرب تعتبر أن غزة هي المدخل السهل والمباشر لأي عمل عسكري من جانب إسرائيل، ومع اقتراب وتجمع مؤشرات العدوان حذر عبد الناصر من الهجوم على غزة وطالب بتأمينها، واعتبر أن اختراقها يعد مسألة حياة أو موت للقوات المصرية. كما وجه إنذارا للقوات الجوية بتنفيذ خطة الانتشار في حالة ثبوت التفوق الجوى الإسرائيلي، وذلك بالتوجه للسعودية تنفيذا للاتفاقيات السابقة مع المسئولين فيها أو إلى بعض مطارات جنوب الوادي وبما أن مطارات جنوب الوادى لم تكن مهيأة إلا لاستقبال الطائرات الصغيرة، فقد كان الانتشار الأساسي يجب أن يكون فى الأراضي السعودية، لكن هذا الإجراء لم يتخذ للأسف!.

صباح يوم 29 أكتوبر 1956 أصدر الرئيس جمال عبد الناصر توجيهات بانتشار جميع الأجهزة الحساسة والسيادية لتحتل أماكن تبادلية وعدم التجمع فى مكان واحد، وقد جرى بالفعل توزيعها على أكثر من موقع؛ فانتقلت القيادة العامة للقوات المسلحة إلى مبنى تبادلى فى حديقة الزهرية بالزمالك أمام نادى ضباط الشرطة، وانتقل مكتب الرئيس للشئون السياسية وسكرتارية المعلومات إلى المبنى الجديد الذى تشغله حاليا وزارة الحكم المحلي، وهو مبني تم تجهيزه ضد الزلازل وضد القنابل الثقيلة كما يتوفر فيه ملاجئ وخزائن حديدية تحت الأرض، وكان مقرا مناسبا تماما.

أما مقر مجلس قيادة الثورة فقد كان مقرا تبادليا للقيادة السياسية رغم اعتراض زكريا محى الدين وعلي صبري وسامي شرف؛ حيث كانت وجهة نظرنا أنه هدف مكشوف واضح، ولكن عبد الناصر أعرب عن تفاؤله واعتزازه بهذا المبنى، وأنه يعتبره حافزا لدفع المعنويات، وأنه قد شهد صدور القرارات المهمة الكبرى فى تاريخ مصر الثورة، وقد تم تركيب شبكة اتصالات كاملة وتبادليات بين هذه المواقع وبعضها.

فى مساء نفس اليوم 29 أكتوبر 1956 صدرت التعليمات بتنفيذ خطة الحرب، وبدأ الهجوم على غزة فتم اجتياحها، كما احتلت القوات الإسرائيلية ثلاث مواقع فى الكونتلا ورأس النقب ونخل، ولم يتوفر حتى اليوم معلومات دقيقة عن حقيقة ما حدث فى هذا الهجوم، بل وقد لوحظ اختفاء يوميات الحرب المتعلقة بهذا اليوم حسب علمي.

وفى يوم 30 أكتوبر 1956 تعرض مطار ألماظة الحربى لهجوم جوي، وأدرك الرئيس عبد الناصر أن هناك معركة تستهدف إسقاط النظام، وليس مجرد إلغاء قرار التأميم أو فرض السيطرة على قناة السويس، فحجم العمليات العسكرية وما صاحبها من تحركات فرنسية بريطانية معلنة -حتى قبل وصول الإنذار، كانت تؤكد أن الهدف النهائى هو إسقاط نظام ثورة 23 يوليو.

*سامي شرف أحد مؤسسي المخابرات العامة المصرية، وسكرتير الرئيس عبدالناصر الشخصي للمعلومات، ووزير شؤون رئاسة الجمهورية.

اقرأ أيضا:

سامي شرف يكتب لـ«الشروق» عن أيام العدوان الثلاثي علي مصر (2 - 4)



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك