أبعد من المناورات العسكرية الإسرائيلية - محمد السماك - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:25 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أبعد من المناورات العسكرية الإسرائيلية

نشر فى : الأحد 3 يوليه 2011 - 9:55 ص | آخر تحديث : الأحد 3 يوليه 2011 - 9:55 ص

 أثبتت المناورات العسكرية (نقطة تحول ــ5) التى أجرتها إسرائيل على مدى خمسة ايام انها تستعد دائما للأسوأ. وانها تتوقع دائما هذا الأسوأ. وهو أن تتعرض لهجوم من الخارج لا يتورع المهاجمون عن استخدام أى سلاح تصل اليه أيديهم. ولذلك فإن المناورات قامت على أساس تصور يفترض تعرض إسرائيل إلى هجوم نووى. أو إلى هجوم كيماوى أو حتى إلى هجوم جرثومى. ولذلك أعدت لكل من هذه التصورات الإجراءات الدفاعية المدنية والعسكرية، ووضعت الخطط لمواجهتها، وللحماية منها وقامت بالتدريب على هذه الإجراءات والخطط. وكأن الأسوأ الذى تتوقعه وتنتظره قد يحدث فعلا فى أى يوم.

يعكس هذا الأمر حقيقة أساسية. وهى ان إسرائيل لا تتوقع السلام مع العالم العربى، وامتدادا مع العالم الإسلامى. ولذلك فانها لا تستعد لما ليس توقعا. وهى بالتالى لا تعمل له. فالمجتمع الإسرائيلى فى حال استنفار عام. وفى حال استعداء دائم للجوار، القريب والبعيد. وتجذر التربية الإسرائيلية هذه المشاعر وتعززها حتى انها جعلت منها المكون الاساس للشخصية الإسرائيلية. وتستمد هذه التربية مقوماتها من خلفية الاضطهادات والمجازر التى تعرض لها اليهود فى العالم، من روسيا فى الشرق (خلال الحقبة القيصرية) حتى بريطانيا فى الغرب، حيث كان دخول اليهود إليها محظورا بموجب القانون. وتحمل الثقافة اليهودية العامة مشاعر الخوف والحقد والكراهية للمجتمعات التى عاش فيها اليهود مضطهدين ومنبوذين فى أوروبا الشرقية وامتدادا حتى فرنسا واسبانيا خاصة فى ألمانيا النازية.

كما تشكل هذه الخلفية الثقافية أساس تعاملهم مع الفلسطينيين خاصة ومع العرب عامة بصفتهم العدو الجديد. فهى ثقافة تتعدى اللا ثقة بالآخر لتصل إلى الادانة المسبقة له وتاليا إلى التخفز الدائم لرد عدوان منتظر يمكن أن يقوم به فى أى وقت. فقد علمت الإسرائيليين تجارب معاناتهم الطويلة ان الآخر عدو محتمل وإن أبدى تعاطفا. فالتعاطف معهم متغير. والعداء لهم ثابت. وهم يأخذون من المتعاطفين معهم اليوم كل ما يستطيعون، استعدادا لرد عدوانهم عندما يتغيرون. ويهادنون أعداءهم ليس لإقامة سلام معهم، انما لمنع تمكينهم من الاعتداء عليهم فى المستقبل. أما السلام بما يعنيه من ثقة بالآخر والعيش معه باطمئنان ومحبة وتسامح فإنه، أبعد ما يكون عن الثقافة العامة فى إسرائيل كما اثبتت طبيعة المناورات العسكرية الأخيرة.

فالمناورات صورت الآخر ليس فقط على أنه عدو يريد شرا بإسرائيل، بل انها صورته على انه يريد إزالة إسرائيل من الوجود. وبالتالى فان من الواجب الاستعداد له والتصدى حتى لنواياه. والتصدى لا يكون على قدر امكاناته أو على حجم ما هو قادر على أن يقوم به فى الوقت الراهن، بل التقدم عليه فى تملك القوة التى تحول دون تمكنه من إلحاق أى أذى بإسرائيل فى المستقبل.

استوجبت هذه الخلفية الثقافية والتربوية تحويل المجتمع الإسرائيلى إلى مجتمع «اسبارطى» معاد دائما ومتحفز دائما، ومستعد دائما لحماية نفسه من خلال توفير القوة العسكرية الهجومية للوصول إلى هذا الآخر فى عقر داره، والى ضربه قبل أن يجد أى فرصة لتنفيذ نواياه.

فإسرائيل التى استخلصت الكثير من الدروس والعبر من الحملات الصليبية، لا تريد أن تعمل حتى لا ترى ذاتها وقد تحولت إلى امارة صليبية جديدة فى القرن الواحد والعشرين. ولقد كادت تتحول فعلا إلى مثل هذه الامارة فى عام 1973. أولا عندما نجح التحالف المصرى ــ السورى بدعم عربى شامل، فى شن حرب رمضان. وثانيا عندما بدأ التدخل الامريكى من خلال الجسر الجوى العسكرى لدعم القوات الإسرائيلية فى سيناء وكانه حملة صليبية جاءت من وراء البحار لإنقاذ الامارة من السقوط. وانه لولا هذه الحملة لكانت نتائج الحرب أسرع حسما واشد مأساوية على إسرائيل.

ومن هذه الدروس والعبر كذلك عدم السماح لقيام تضامن عربى حقيقى، خاصة بين جناحى العالم العربى: مصر والشام، على النحو الذى حققه صلاح الدين الأيوبى. وكان من مستلزمات ذلك احتلال منطقة ايلات فى خليج العقبة لتكون نقطة الفصل الإسرائيلية بين عرب آسيا وعرب افريقيا. ثم جاءت اتفاقية كامب دافيد لتكرس هذا الفصل من خلال الزام مصر ــ مقابل استعادة سيناء ــ بفك ارتباطها بالصراع مع إسرائيل الذى تواصل احتلالا للضفة الغربية والجولان وحروبا على لبنان وغزة.

ويبدو واضحا ان المتغيرات التى عصفت بالعالم العربى، والتى لا تزال تعصف به، أوحت إلى إسرائيل برسالة جديدة. وهى عدم جدوى المراهنة على استمرار المعادلة التى أفرزتها تسويات الامر الواقع: تسوية كامب دافيد مع مصر، وتسوية وادى عربة مع الاردن، وتسوية أوسلو (التى اسقطت اصلا) مع السلطة الفلسطينية. فالتسويات الثلاث تجاهلت العامل الجوهرى لأى تسوية مرشحة لأن تتحول إلى قاعدة لسلام دائم تحترم الحقوق الوطنية للشعب الفلسطينى. فتسويات الاذعان لا تؤسس لسلام. يؤسس هذا السلام أحد أمرين: أما الحل العادل وهو ما لا تستطيع إسرائيل أن تتحمله وهو ما ترفضه إسرائيل وتستبعده من كل المحادثات، أو الحل الإلغائى للآخر، وهو ما تعمل إسرائيل دائما على الاستعداد له، على النحو الذى ترجمته مناورات الايام الخمسة التى قامت بها.

من هنا تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية واضحة تماما. وهى الاستعداد دائما للحرب وكأنها ستقع غدا. فيما تبدو الاستراتيجية العربية واضحة تماما أيضا، وهى الاستعداد دائما للسلام، وكأنه على قاب قوسين أو أدنى. بالنسبة لإسرائيل فان المفاوضات جزء من الاستعداد الحربى. ذلك انها توفر مظلة لمزيد من التوسع وبناء المستوطنات والتهويد وفرض الأمر الواقع. أما بالنسبة للجانب العربى فان المفاوضات تبدو خيارا وحيدا وطريقا فى اتجاه واحد.. وإن كانت التجارب منذ عام 1949 حتى اليوم قد أثبتت انه طريق مسدود.

يحاول الجانب العربى ــ خاصة الفلسطينى ــ فتح الطريق بمزيد من المفاوضات مستندا إلى وعود دبلوماسية أمريكية فى الدرجة الأولى. ويحاول الجانب الإسرائيلى تضييق الطريق بمزيد من الاستعداد العسكرى مصحوبا بمبادرات لى ذراع الدبلوماسية الأمريكية.

ويبدو ان الوضع سيبقى على ما هو عليه إلى أن تتغير المقاربة العربية لكيفية التعامل مع «المجتمع الحربى» الإسرائيلى. وما يجرى الآن فى العالم العربى قد يكون أول الغيث.

محمد السماك كاتب وصحفي لبناني
التعليقات