هذا فعلا شعب غريب وعجيب. انقطعت الكهرباء فى معظم أنحاء الجمهورية ورغم ذلك نزلت فئات كثيرة منه إلى فروع بنوك مصر والأهلى والقاهرة وقناة السويس واشترت شهادات استثمار قناة السويس الجديدة بقيمة ستة مليارات جنيه فى أول يوم لطرحها.
كان كثيرون ينتظرون هذا اليوم ليحتفلوا بطرح شهادات الاستثمار وفى السادسة والريع من صباح الخميس أصيب معظم أنحاء مصر بالصدمة الكهربائية حيث انقطع التيار عن غالبية مناطق البلاد.
هذا التزامن جعل البعض يرجح فرضية وجود عمل تخريبى وراء ما حدث حتى يسرق الأضواء من الحدث الأبرز ويسرق معها فرحة المصريين بالشهادات الجديدة.
لم يكن أحد ليلوم المصريين لو لم ينزلوا إلى الشوارع ويتوجهوا إلى البنوك لشراء الشهادات. أعرف البعض لم ينزل من بيته وغاب عن عمله لأن الكهرباء والمياه مقطوعتان. هذه الحشود أمام البنوك والنسبة المرتفعة للشراء كانت مفأجاة للجميع. هل السبب هو الحماسة الوطنية العالية أم نسبة الفائدة المرتفعة؟ أظن أن الإجابة لا تفرق كثيرا.
هذه الحالة الشعبية وهذا الاندفاع من المصريين للتفاعل مع هذا المشروع القومى الكبير أمر لا يلاحظه تماما كل المعارضين للحكومة الحالية وهم بالتحديد جماعة الإخوان ومعهم بعض الرموز الليبرالية.
الإخوان معذورون لأنهم يعيشون فيما يشبه الجيتو وتعبير «مخطوفون ذهنيا أو زمنيا» ليس مجازيا. هم توقف عندهم الزمن عند ٣٠ يونية ٢٠١٣ ولديهم يقين لا يتزعزع أن «مرسى سيعود والانقلاب سيندحر!!!!».
من حق أى شخص أن يؤيد أو يعارض كما يشاء لكن على المعارضين ألا يغفلوا الواقع الذى يتحركون فيه. عليهم أن يعرفوا كيف يفكر الشعب الذى يقولون إنهم يتحدثون باسمه ويعارضون من أجله أو على الأقل الغالبية منه.
الذين توافدوا على البنوك لم تحركهم أحزاب سياسية أو قادة نقابيين. ربما تأثر بعضهم ببعض وسائل الإعلام. لكن المؤكد أن الكتلة الكبرى منهم تفاعلت مع المشروع باعتباره مشروعهم القومى وربما تفاعل معه آخرون باعتباره مربحا وربما تفاعل معه البعض الثالث باعتباره مشروعا وطنيا ومربحا فى الوقت نفسه. لكن المؤكد أن كل هؤلاء وأهاليهم لم يستمعوا إلى دعوات كل من شكك فى المشروع.
السؤال الآن: ما هى دلالة اندفاع الناس إلى البنوك رغم انقطاع المياه والكهرباء؟.
رغم كل المشكلات الاقتصادية الكثيرة والتحديات المستقبلية الضخمة ورغم الإلحاح الإخوانى الذى لا يتوقف ضد المشروع وضد النطام ومحاولة تصوير الشهادات بأنها نوع من الربا فإن كتلة كبيرة من المصريين يرون أن هناك أملا فى الغد وأنهم يراهنون على انفراج الأوضاع رغم كل الأزمات المعيشية المتوالية.
أخطاء الحكومة كثيرة وانتهاكات حقوق الإنسان لا ينكرها إلا أعمى لكن ما لا يراه معارضو النظام هو أن قطاعا كبيرا من الناس لايزال يؤيد السيسى وحكومة محلب.
إلى متى يستمر هذا التأييد؟ الله أعلم، لكن هذه حكومة محظوظة بالفعل فرغم كل المآسى التى يعيشها المصريون خصوصا انقطاع الكهرباء والمياه وزيادة معظم الأسعار بعد رفع أسعار الوقود فإن قطاعا كبيرا من المصريين لايزال يلتمس لها الأعذار. إذن لدى الحكومة فرصة ذهبية أن تستغل هذا التأييد والتفاعل الشعبى لتحقيق أى إنجاز ملموس على أرض الواقع حتى لو كان تنظيم المرور الذى لا يحتاج أموالا بل يكفيه فقط تطبيق القانون على الجميع بالمساواة.
الذين تدفقوا على البنوك صباح الخميس الماضى اشتروا الشهادات.. نعم، لكنهم ايضا صوتوا لصالح مشروع بقاء الدولة المصرية وجددوا رفض فكرة دولة الميلشيا.