بين الانتفاضات العربية والأوروبية - محمد السماك - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:15 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

بين الانتفاضات العربية والأوروبية

نشر فى : الأحد 10 يوليه 2011 - 9:32 ص | آخر تحديث : الأحد 10 يوليه 2011 - 9:32 ص
منذ أن بدأت الانتفاضات تنفجر فى العالم العربى (من المغرب على المحيط الأطلسى إلى اليمن وحتى سلطنة عمان والبحرين، مرورا بشكل خاص بمصر وسوريا)، بدأت عملية مقارنة هذه الانتفاضات بتلك التى عرفتها دول أوروبا الشرقية قبل أكثر من عشرين عاما.

وتقتضى المقارنة العلمية التوقف أمام المقاربات الآتية ؛
المقاربة الأولى هى أن الانتفاضات الأوروبية انطلقت فى وقت كان هناك تكامل بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية. وبين التنمية البشرية والحريات السياسية.

ففى عام 1989 كان الاقتصاد الأمريكى اقتصادا قويا. وكان الاقتصاد الأوروبى يشهد قفزات توسعية كبيرة، وكانت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان متلازمة مع هذا الواقع الاقتصادى ــ الاجتماعى المنتعش.

أما عام 2011، عام الانتفاضات العربية، فقد شهد فك الارتباط بين الديمقراطية والتنمية البشرية، وبين الحريات السياسية والنمو الاقتصادى. فالولايات المتحدة غارقة حتى أذنيها فى أزمة اقتصادية لم تشهد مثيلا لها إلا فى عام 1920، وهى عاجزة عن تسديد ديونها المتراكمة وحتى عن تحقيق توازن فى ميزان مدفوعاتها.

والاقتصاد الأوروبى ليس أحسن حالا. ويواجه الاتحاد الأوروبى صعوبات شديدة لاحتواء خطر احتمال إفلاس اليونان، وعجز أيرلنده والبرتغال، واحتمال انضمام اسبانيا وحتى إيطاليا إلى لائحة الدول المتعثرة. وعلى الرغم من المساعدات التى وعد الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة بتقديمها إلى مصر وتونس فإن التجارب السابقة لا تطمئن إلى تنفيذ هذا الوعد، من دون ثمن سياسى لا يستطيع أى منهما الاستجابه له.

ثم إن العالم يشهد معجزة نمو فى الصين من غير ديمقراطية بل مع فك الارتباط بالديمقراطية. وفيما تسارع الصين الخطى لتتبوأ الموقع الأول فى الاقتصاد العالمى، فإنها تتهم بانتهاك حقوق الانسان. ويعنى المثال الصينى أنه ليس صحيحا أن الديمقراطية والتنمية البشرية وجهان لحالة واحدة، وأن الحريات السياسية والنمو الاقتصادى مترابطان ومتكاملان بالضرورة.

لقد وقعت الانتفاضات فى أوروبا الشرقية فى زمن الوفرة المالية والاقتصادية فى كل من أوروبة الغربية والولايات المتحدة. وهى تحدث فى العالم العربى فى زمن القلة والشح والعجز. يضاف إلى ذلك أن الثروة العربية فى معظمها ليست بأيدى الدول التى تشهد هذه الانتفاضات، ولا هى بيد الدول المتعاطفة معها.

المقاربة الثانية هى أن دول أوروبا الشرقية وجدت حافزا للمضى قدما فى انتفاضاتها، ولتحمل كل الضغوط المعاكسة. وتمثل هذا الحافز فى الطموح فى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى والى حلف شمال الأطلسى. وقد وضع الاتحاد، كما وضع الحلف، شروطا لقبول طلبات الانضمام تقتضى إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية ومالية، وكذلك عسكرية وأمنية. صحيح أن الاستجابة إلى هذه الإصلاحات فتح الطريق أمام دول أوروبا الشرقية للانضمام إلى الاتحاد، ولكن الأهم هو أن تلك الاستجابة ساعدت تلك الدول على تطوير ذاتها، وبسرعة، انطلاقا من مكافحة الفساد الإدارى الذى كان مستشريا فى جميع أجهزتها.

لا يوجد مثل هذا الحافز أمام الانتفاضات العربية. إن كل ما تهدف اليه، هو التخلص من الأنظمة الأوتوقراطية المستبدة وخلق فضاءات لممارسة الحريات العامة والعيش بكرامة. ولم يكن ذلك غائبا عن الانتفاضات الأوروبية. بل كان أساس انطلاقتها أيضا.

المقاربة الثالثة هى أن الانتفاضات الأوروبية الشرقية والعربية كشفتا معا مرة جديدة عن حقيقة انسانية عامة. وهى أن الناس فى أوروبا أو فى العالم العربى أو فى أى مكان آخر فى العالم، على استعداد للتضحية بحياتهم من أجل هدف مشترك، يتعلق بالكرامة وبالحقوق الإنسانية. ولقد أدت هذه التضحية إلى تغيير وقائع البلدان التى شهدت الانتفاضات.

ولعل من أبرز مظاهر ذلك أنه ما إن تنطلق الانتفاضات على قاعدة إنسانية مشتركة (الحرية والكرامة والحقوق..إلخ) حتى تمضى قدما لا تلوى على شىء. فهى لا تعود أبدا إلى الوراء، تحت ضغوط الترهيب والإرهاب والقمع.

عرفت مثل هذه المظاهر هنغاريا فى عام 1956 وعرفته بولنده (ربيع براغ) فى عام 1968، وعرفته ثانية فى حركة عصيان عمال صناعة السفن فى غدانسك فى عام 1980. لم ينفع لا القمع ولا السجون ولا التعذيب فى لىّ أذرع الانتفاضات الأوروبية. وحتى عندما تدخل الفاتيكان فى عهد البابا الراحل يوحنا بولس الثانى (وهو من أصل بولندى) لدعم الانتفاضة فى بلاده، اتهم الاتحاد السوفيتى السابق «الأصولية المسيحية» بالتحريض لمحاولة تقويض الحكم العلمانى.

ولقد تعرض البابا إلى محاولة اغتيال على خلفية موقفه ــ الذى لم يتراجع عنه ــ ولكنه نجا رغم إصابته الخطيرة. وها هى بولنده اليوم وقد تحررت من الحكم الاستبدادى الشيوعى، أبعد ما تكون عن الأصولية الدينية.. فهى تعيش فى ظل حكم مدنى راقٍ. وتعتبر العاصمة براغ عن استحقاق بمثابة «باريس أوروبا الشرقية».

تشير هذه المقاربات إلى أمر أساسى وجوهرى. وهو أن الانتفاضة، أى انتفاضة، لا تؤتى أكلها بين يوم وليلة. فهى قد تحتاج إلى عقد أو أكثر قبل أن تزهر وتثمر على غرار ما عرفته دول أوروبا الشرقية.

فالانتفاضة الهنغارية مثلا احتاجت إلى 33 عاما حتى حققت أهدافها. لا يعنى ذلك بالضرورة أن على المنتفضين فى العالم العربى أن ينتظروا ثلاثة عقود أخرى لجنى نتائج نضالهم، ولكنه لا يعنى أيضا أنه يجب أن يتوقعوا أن تنمو الثمار وتنضج وأن تصبح قطوفها دانية فى اليوم التالى، لسقوط النظام السابق ورموزه.

لقد نجحت الانتفاضات العربية فى شق الطريق نحو مستقبل أفضل. وبدأ التغيير مسيرة لا عودة فيها إلى الوراء.
محمد السماك كاتب وصحفي لبناني
التعليقات