لابد من (ستكليستاد) وإن طال السفر - محمد السماك - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:38 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

لابد من (ستكليستاد) وإن طال السفر

نشر فى : الأحد 12 فبراير 2012 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأحد 12 فبراير 2012 - 8:35 ص

منذ أن تكشفت براعم الربيع العربى عن فوز الحركات الإسلامية بالانتخابات البرلمانية فى تونس ومصر، وعن تولى هذه الحركات المسئوليات الحكومية فى المغرب وليبيا. ثم عن بروز هذه الحركات فى الأردن وسوريا واليمن والسودان.

 

ومنذ أن بدأت ترتسم علامات الاستفهام حول طبيعة الشرق الأوسط الجديد فى ضوء هذه المتغيرات.

 

ومنذ أن بدأ المسيحيون العرب والمسيحيون المشرقيون يعربون عن هواجسهم، ومن ثم عن قلقهم، وحتى عن مخاوفهم من انعكاسات ذلك على مستقبلهم وعلى دورهم فى دول المنطقة.

 

منذ ذلك الوقت، بدأت دول الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة البحث عن جواب على السؤال التالى: هل يفترض التدخل لمساعدة المسيحيين؟ وكيف؟

 

●●●

 

وفى هذا الإطار نظمت عدة لقاءات ومؤتمرات للإجابة عن هذين السؤالين. ولعل آخرها لقاء شاركتُ فيه وعقد فى مكان يكاد مجهولا فى ثقافة الشرق الأوسط وهو بلدة «ستكليستاد» فى النرويج. وهى بلدة صغيرة جدا تقع فى شمال شرق البلاد، إلا أن لها أهمية مسيحية تاريخية. ومن أجل ذلك كان اختيارها مكانا لعقد اللقاء.

 

فمن «ستكليستاد» دخلت المسيحية إلى النرويج وفيها خاض الملك أولاف أول ملك مسيحى المعركة ضد الملوك الوثنيين من قبائل الفايكنج من أجل توحيد البلاد على أساس الديانة المسيحية ؛ وهناك قُتل أولاف وأعلن «ملك النرويح الدائم».

 

ولذلك يتعبر النرويجيون المنطقة أرضا مقدسة دينيا ووطنيا، فأقاموا فيها الكنائس والمزارات التى تتعلق «بالملك القديس» أولاف. ولذلك أيضا يعتبرون ان ثمة علاقة وطيدة لا انفصام لها بين الوحدة الوطنية فى النرويج وبين المسيحية كعقيدة دينية.

 

هناك فى هذا الموقع الدينى ـ التاريخى اختارت «منظمة الأديان من أجل السلام» ـ فرع أوروبا، عقد اللقاء حول مسيحيى الشرق. ويعكس هذا الاختيار عمق مشاعر الأخوة الدينية بين مسيحيى الغرب ومسيحيى الشرق وهى مشاعر طبيعية وصادقة. إلا أن لقاء من هذا النوع يحتاج إلى مشاركة إسلامية. وقد وجهت الدعوة إلى بعض الشخصيات الإسلامية، وكنت واحدا منهم. وكانت بين المدعووين أيضا أستاذة جامعية وعضو فى البرلمان التونسى الجديد، ولكنها تعتمر الحجاب!

 

●●●

 

لم يستقبل بعض سكان المنطقة اللقاء بارتياح لمجرد وجود مسلمين. تجمّع بعضهم أمام مدخل قصر المؤتمرات الذى يقيم فيه المدعوون للإعراب عن رفضهم واحتجاجهم. وهددوا أعضاء اللجنة المنظمة بالويل والثبور وعظائم الأمور. لذلك طلب منا هؤلاء أن نكون على حذر، ونبهونا إلى أنه ربما توجه الينا كلمات نابية. أو ربما نتعرض إلى مضايقات وتحرشات. ولكنهم طمأنوننا إلى أنهم، وعلى سبيل الاحتياط، أبلغوا قوات الأمن التى اتخذت إجراءات المراقبة والحراسة.

 

كان الاعتراض ضد مبدأ الحوار مع مسلمين. وضد إجراء مثل هذا الحوار فى هذا المكان «المقدس» بالنسبة اليهم. أعاد هذا الموقف إلى الأذهان الجريمة المروعة التى ارتكبها فى صيف عام 2011 فى أوسلو واحد من هؤلاء، وسقط على يديه 71 قتيلا. وقد استهدفت عمليته الإجرامية جزيرة صغيرة كانت السلطات النرويجية حوّلتها إلى منبر للحوار. ورغم أن معظم الضحايا كانوا من الشباب والشابات النرويجيات، إلا أنه كان من بين الضحايا أيضا مسلمون ومسلمات شاركوا فى اللقاء الحوارى.

 

من أجل ذلك راودتنى مخاوف من أن أتعرض للاعتداء فى «ستكليستاد» بالذات، البلدة الصغيرة التى تقع وسط صحراء ثلجية فى شمال شرق البلاد، التى تبعد أكثر من ساعة بالسيارة عن أقرب مطار، والذى يبعد بدوره عن العاصمة أوسلو أكثر من ساعة بالطائرة.

 

وزاد قلقى عندما زرت الكنيسة المجاورة لقصر المؤتمرات حيث قتل الملك المسيحى الأول أولاف فى عام 1030، وقد أقيم مذبح الكنيسة فى المكان الذى سقط فيه مضرجا بدمائه. فقد وجدت هناك لوحة كبيرة للسيد المسيح وهو يمسك باليد اليسرى غصنا أخضر (ربما من الزيتون) وسيفا حادا على طول قامته. ولم يسبق لى أن شاهدت فى أى كنيسة فى العالم رسما للمسيح شاهرا سيفا. ولم يسبق لى أن قرأت فى الأدبيات المسيحية أن المسيح حمل سيفا فى أى يوم من الأيام.

 

ولكن مع هذا المشهد المثير للاهتمام وجدت صخرة خلف مذبح الكنيسة، قال لى أسقفها إنها الصخرة التى سقط عليها الملك أولاف عندما طعنه أحد الفلاحين بالساطور وسال عليها دمه. وأن هذه الصخرة تحولت فيما بعد إلى مزار لطلبة المعجزات سواء لشفاء المرضى من الرجال أو لمعالجة العواقر من النساء أو لتحقيق الأمانى والأمنيات. وتذكر الأساطير أن سيدة ضريرة كانت أول من شفى واستعادت بصرها بعد أن لمست جسد الملك القتيل المضرج بدمائه وهو يستند إلى هذه الصخرة.

 

ولكن منذ أن تحولت المسيحية فى النرويج من الكاثوليكية إلى الانجيلية وبموجب الإصلاحات التى دعت إليها حركة الإصلاح اللوثرية والكالفانية، أزيل الحجر عن موقعه وطمر فى مكان غير معروف.. إلى أن استعيد بعد عقود طويلة وأصبح الآن مجرد رمز تاريخى نادرا ما يسعى أحد للاستشفاء به. وحتى عندما زرت الكنيسة لم ألتقِ فيها بأحد من المؤمين. وكأن المسيحية تحولت هناك ـ على ما يبدو ـ إلى نظام اجتماعى متناسق، والخوف من المسلمين المهاجرين هو خوف على هذا النظام الاجتماعى اكثر مما هو خوف على الإيمان الدينى.

 

لقد تعرضت خلال مشاركتى فى اللقاء إلى امتحان صعب. إذ انزلقت قدمى على الجليد ووقعت أرضا أشكو من ألم شديد فى الكتف. نقلتنى إلى المستشفى إحدى المسئولات فى المؤتمر من أجل تصوير شعاعى لتحديد نوع الاصابة وأضرارها.

 

وهناك كانت المعاناة الصامتة والأشد إيلاما. وكان مصدر تلك المعاناة الاسم الذى أحمله والذى بدا للموظفة فى قسم الطوارئ فى المستشفى، «استفزازيا». وقد اضطررت لقضاء أربع ساعات فى أروقة المستشفى من أجل صورة شعاعية كان يمكن أن تتم خلال نصف ساعة لو كنتُ أحمل اسما آخر، أولاف مثلا!!.

 

تعلمت من هذه التجربة ثلاثة دروس مهمة. الدرس الأول عن مدى الاساءة التى تسبب بها المتطرفون الإسلاميون فى تشويه صورة الإسلام وكراهية المسلمين. والدرس الثانى عن مدى المعاناة التى يواجهها المهاجرون المسلمون فى الدول الأوروبية من جراء هذه الصورة المشوهة. أما الدرس الثالث فهو أن تصحيح هذه الصورة يبدأ بتصحيح واقع وصورة العلاقة الإسلامية ـ المسيحية فى العالم الإسلامى عامة، وفى العالم العربى خاصة. ومن خلال تقديم نموذج سليم وصالح للعيش المشترك، يمكن من خلاله ليس فقط تصحيح تلك الصورة، بل تبديدها أيضا.

 

●●●

 

ولذلك لا أستطيع أن ألوم المتطرفين فى النرويج وحدهم، وهم قلة على كل حال، أو فى سواها من الدول الأوروبية بسبب سوء ظنهم، وحتى بسبب سوء معاملتهم للمسلمين، ولكننى ألوم أولا المتطرفين الاسلاميين ـ وهم قلة أيضا ـ المسئولين عن تشويه صورة الإسلام، وألوم ثانيا غير المتطرفين من المسئولين عن التقصير فى تصحيح هذه الصورة.. ولذلك كان لابد من «ستكليستاد» لرسم صورة جديدة.. وإن طال السفر!!

محمد السماك كاتب وصحفي لبناني
التعليقات