أمريكا بين فرنسا وألمانيا - محمد السماك - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:03 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أمريكا بين فرنسا وألمانيا

نشر فى : الأحد 13 نوفمبر 2011 - 9:45 ص | آخر تحديث : الأحد 13 نوفمبر 2011 - 9:45 ص

على الرغم من أنوثة مستشارة ألمانيا انجيلا ميركل، ومن ذكورة الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى ألمانيا على أنها رجل أوروبا، وتنظر إلى فرنسا على أنها سيدة صالون.

 

فرنسا تصنع وتصدّر الأزياء والعطور وأدوات التجميل، وألمانيا تنتج وتصدر الماكينات والسيارات القوية والأجهزة الثقيلة. وتعكس السينما الأمريكية هذه الصور النمطية عن الدولتين. فاللغة الفرنسية هى لغة الشِعر والحب.. أما الألمانية فإنها لغة مرادفة لحركة الأحذية العسكرية الصلبة. ليست هذه الصور جديدة فى العقل الأمريكى.

 

 ففى عام 1953 عندما كانت الولايات المتحدة على خلاف مع فرنسا، وصفت مجلة «لايف» الأمريكية الحكومة الفرنسية بأنها «فرقة من راقصى الكان كان». وعندما كان الرئيس روزفلت مستاء من إصرار الرئيس الفرنسى الأسبق الجنرال شارل ديجول على المشاركة فى مؤتمر مالطة بعد الحرب العالمية الثانية، قال الرئيس الأمريكى يومها: «إن شارل ديجول لا يعرف عن الاقتصاد أكثر مما تعرفه سيدة عن ميكانيك السيارة».

 

•••

 

وعندما احتدم الخلاف فى مجلس الأمن الدولى بين فرنسا والولايات المتحدة حول العراق حاول وزير الخارجية الأمريكى فى ذلك الوقت كولن باول امتصاص هذا الخلاف فى عبارة دبلوماسية، حيث قال: «إن العلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا هى مثل زواج مستمر منذ 225 عاما (مشيرا إلى الدعم الفرنسى لحركة الاستقلال الأمريكى عن بريطانيا). إلا أن عبارة باول عكست ما فى العقل الأمريكى الباطن من صور نمطية، حيث إن الرجل فى هذا الزواج هو الولايات المتحدة.. والمرأة هى فرنسا!

 

تستخدم هذه الصورة الأنثوية عن فرنسا كما يقول المؤرخ الأمريكى فرانك جوشيفلولا فى كتابه «فرنسا والولايات المتحدة: التحالف البارد منذ الحرب العالمية الثانية» لتسفيه وجهات النظر الفرنسية المتباينة من وقت لآخر، ومن أزمة دولية إلى أزمة دولية أخرى، مع السياسة الأمريكية. والواقع أنه كانت لفرنسا غالبا وجهات نظر سياسية مختلفة عن وجهات النظر الأمريكية، ليس بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط فقط، ولكن بالنسبة للعديد من القضايا الأوروبية والعالمية أيضا؛ حتى أصبح هذا الاختلاف أو التباين يشكل أحد الثوابت التى تتحكم فى مسيرة العلاقات الأمريكية ــ الفرنسية صعودا وهبوطا. كان ذلك خلال الحرب العالمية الثانية. ثم خلال الحرب الباردة.

 

ويشبّه الأمريكيون جهود فرنسا من أجل توحيد أوروبا بالمرأة التى «توظف أنوثتها لإغواء الدول الأوروبية» وإبعادها عن الولايات المتحدة. وكانت آخر تجليات هذا التباين فى عهد الرئيس السابق جاك شيراك من خلال معارضته للاجتياح الأمريكى للعراق. يومها أوقفت الولايات المتحدة استيراد النبيذ والأجبان والملابس والعطور من فرنسا من دون أن يصدر قرار رسمى بالمقاطعة. حتى السياحة الأمريكية إلى فرنسا تراجعت بنسبة قياسية، وتعرضت فرنسا فى الإعلام الأمريكى إلى حملات تشويه لم يكن أقلها اتهام المجتمع الفرنسى بأنه أكثر مجتمعات العالم رعاية للسامية. وعندما وصف وزير الدفاع الأمريكى رامسفيلد أوروبا بالعجوز، كان يقصد فرنسا فى الدرجة الأولى، ذلك أن أكثر ما يؤلم «سيدة» تتصرف على أنها فى عزّ حيوية الشباب والجمال السياسى، هو اتهامها بالشيخوخة.

 

•••

 

فى الأساس كان الصراع الفرنسى البريطانى أحد الأسباب الرئيسة وراء الدعم الذى قدمته فرنسا إلى الولايات المتحدة حتى تمكّنت من التحرر والاستقلال عن بريطانيا. وقد جسدت ذلك فى صناعة تمثال الحرية الذى قدمته هدية من الشعب الفرنسى إلى الشعب الأمريكى. ولا يزال هذا التمثال قائما فوق جزيرة صغيرة أمام مدخل مدينة نيويورك، حيث يشكل احد أهم معالمها.

 

وبتاريخ الثلاثين من أبريل ــ نيسان 1803 اشترت الولايات المتحدة من فرنسا مقاطعة فرنسية داخل الأرض الأمريكية تبلغ مساحتها 2 مليون و14 ألف كيلومتر مربع. وقد دفعت الحكومة الامريكية الفتية فى ذلك الوقت، ثمن هذه المقاطعة التى تُعرف باسم ولاية لويزيانا، 15 مليون دولار فقط. (وهو ما يعادل اليوم ثمن مبنى تجارى واحد فى وسط مدينة من مدنها العديدة المزدهرة). حملت هذه الصفقة الأهم فى تاريخ قيام الولايات المتحدة توقيعى كل من نابليون بونابرت والرئيس الامريكى توماس جيفرسون.

 

 لقد وقفت فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة منذ أن كانت برعما صغيرا يكافح ضد الاحتلال البريطانى إلى أن تمكّنت من الاستقلال. وما صفقة لويزيانا سوى مظهر من مظاهر الدعم الفرنسى للولايات المتحدة فى وجه بريطانيا التى كانت تُعتبر فى ذلك الوقت العدو المشترك للأمريكيين وللفرنسيين معا.

 

ولذلك يعتبر المؤرخ الأمريكى «برنادر دى فوتو» تلك الصفقة فى بعدها السياسى، الحدث الأهم فى التاريخ الأمريكى، وهى تحتلّ عنده الأولوية حتى على إعلان الاستقلال وعلى التوقيع على الدستور الاتحادى الأول. ولكن بتاريخ الثلاثين من أبريل ــ نيسان 2003 وصلت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وفرنسا إلى الخط الأحمر. حتى أن جريدة لوموند التى تدعمها الدولة الفرنسية،نشرت سيناريو لحرب أمريكية محتملة على فرنسا. ولقد أدّت المقاطعة الأمريكية للبضائع الفرنسية وخاصة لمنتجات الأجبان والمشروبات والعطور والملابس إلى انخفاض حاد فى حجم التبادل التجارى بين الدولتين. فالغزل السياسى الذى كان قائما بين جيفرسون ونابليون تحول إلى عواصف متتالية من الغضب ــ وحتى من الكراهية المتبادلة ــ بين جورج بوش وجاك شيراك. فيما بدا رئيس الحكومة البريطانى تونى بلير فى ذلك الوقت متربعا سعيدا على عرش الصداقة مع الولايات المتحدة.

 

•••

 

قبل 200 عام امتدح الرئيس الأمريكى جيفرسون الفرنسيين فى رسالة لا تزال محفوظة فى متحف لويزيانا حتى اليوم، قال فيها: إن الفرنسيين مهذبون ويحسنون إلى الغرباء بصورة لا مثيل لها، ثم إن كرم الضيافة الذى تمتاز به باريس يتجاوز كل ما يمكن تصوره فى أى مدينة كبيرة أخرى. أن تفوقهم فى العلوم وتهذيبهم وعذوبة الحديث معهم يعطى مجتمعهم صفات لا مثيل لها فى أى مكان آخر».

 

غير أن الأمريكيين يتهكمون على أحفاد نابليون بأنهم «أكلة الجبنة الذين يستسلمون كالقردة». ولم يتردد وزير الخارجية الأمريكية الأسبق كولن باول فى الدعوة إلى معاقبة فرنسا بسبب موقفها المعارض للحرب على العراق.

 

أما الفرنسيون فقد وجهوا جام غضبهم إلى الرئيس الأمريكى جورج بوش ووصفوه بأنه «راعى البقر الربانى الكريه»، كما ورد فى عنوان مسرحية للكاتب الفرنسى الساخر ايتيليو ماجيولى. وكانت هذه المسرحية قد عرضت على أحد مسارح العاصمة الفرنسية فى ذكرى صفقة لويزيانا، إلا أن العرض توقف فى اليوم الثالث نتيجة لتعرّض ماجيولى نفسه إلى اعتداء من مجهولين، وخوفا على حياة الممثلين وعلى سلامة رواد المسرح من حادث اجرامى مفتعل!

 

وبعد مرور 200 سنة على الصفقة التاريخية بين نابليون وجيفرسون، فإن سكان ولاية لويزيانا لايزالون يتباهون بأنهم ينحدرون من أصول فرنسية. ولاتزال اللغة الفرنسية تعتبر لغة الثقافة والأدب والصالونات المخملية، ولاتزال المطاعم والأندية الفرنسية تحظى بمكانة رفيعة.. إلا أن النظرة لفرنسا فى الولايات الأخرى تكاد تكون الوجه الآخر للإعراب عن الوطنية الأمريكية ولم ينجح الرئيس ساركوزى فى تغيير هذه الصورة رغم مظاهر الرجولة العسكرية التى أبداها فى ليبيا تحت مظلة حلف شمال الأطلسى. لقد بدا وكأنه مجرد قفازات فرنسية فى يد أمريكية ضاربة.

محمد السماك كاتب وصحفي لبناني
التعليقات