الجدل حول تصويت المغتربين فى الانتخابات يفتقد العمق والجدية، فهو يتجاهل الأسئلة المركزية المتعلقة بالأهلية وينشغل عنها بتلك المتعلقة بالكيفية، وحكم القضاء الملزم بتمكين المغتربين من التصويت لا ينبغى أن يؤجل الجدل لحين صياغة الدستور بعد الانتخابات، إذ فتح باب النقاش المجتمعى حول ماهية المواطنة والحقوق والواجبات المترتبة عليها ضرورى كونه يساهم فى صناعة الرأى العام، الذى ينبغى أن يكون له تأثير على صياغات الدستور الجديد.
والأسئلة المتعلقة بالتصويت تتجاوز الجدل حول حق المغتربين فى الإدلاء بأصواتهم حال اغترابهم للسؤال عن منبع هذا الحق، فإذا كان الإجماع منعقدا على شرطية الجنسية فى أهلية التصويت السياسى فإنه منعقد كذلك على عدم كفايتها، إذ تضع الأنظمة المختلفة قيودا على هذا الحق تنزعه بها من بعض مواطنيها، وبعض القيود محل إجماع، كقيد السن الذى حددته معظم الدول بثمانى عشرة سنة، وحددته بعضها بست عشرة سنة، وذهبت البرازيل مثلا إلى جعل التصويت اختياريا لمن هم بين العمرين، إلزاميا لمن هم بين ثمانى عشرة وسبعين سنة، ثم اختياريا لمن هم فوقها ولغير المتعلمين (الفصل 4، الفقرة 1 من الدستور)، وهو قيد يضيف اشتراط مظنة الإدراك لاشتراط الجنسية، كما يربط إيجاب التصويت بمظنة العمل أو الاستعداد له كونه يخرج منه المتقاعدين ومن هم دون السن القانونى لممارسته.
وثمة قيود أخرى تربط الأهلية بالتزامات المواطنين المالية تجاه الدولة، وفق القاعدة المشهورة (لا ضرائب بغير تمثيل) والتى يجرى العمل كذلك بمفهومها (لا تمثيل بغير ضرائب)، فالولايات المتحدة على سبيل المثال تعطى لمواطنيها حق التصويت بقطع النظر عن أماكن إقامتهم، ولكنهم فى المقابل يدفعون ضرائبهم بالدولار الأمريكى، وتحول للولايات المتحدة كذلك بقطع النظر عن أماكن إقامتهم.
وتربط بعض الدول بين أهلية التصويت والتأثر المباشر بالسياسات، كما هو الحال فى كندا، حيث يقتصر حق المغتربين فى الإدلاء بأصواتهم على أعضاء البعثات الدبلوماسية وأسرهم، ومن لم تتجاوز مدة إقامتهم خارج البلاد خمس سنوات، على الرغم من أن القانون يلزم المغتربين بدفع الضرائب للحكومة الكندية، ومقصد القصر على خمس سنوات وضع حد للإقامة المؤقتة التى بعدها يصير أكثر ارتباطا وتأثرا بمحل إقامته منه بموطنه الأصلى، وفى القانون البريطانى القيد ذاته، غير أنه يطيل المدة إلى خمس عشرة سنة بدلا من خمس، يحرم البريطانيون المقيمون فى الخارج بعدها من الإدلاء بأصواتهم فى الانتخابات.
وقوانين الانتخابات المحلية فى بريطانيا تمنح بعض المقيمين من غير المواطنين (كمواطنى دول الاتحاد الأوروبى) الحق فى التصويت وتحرم منه المواطنين إن لم يكونوا مقيمين، كون المحليات تتعلق بالخدمات أكثر من السياسات، فصار اشتراط التأثر المباشر أولى بقطع النظر على شرط الجنسية.
وثمة بلدان أخرى تبقى القيود فى أدنى مستوياتها فتقصرها على المواطنة والسن، مثل فرنسا التى تجيز لمواطنيها المغتربين الإدلاء بأصواتهم بقطع النظر عن مدة اغترابهم، وبغير أن تحصل الحكومة منهم الضرائب، إلا على ما كان من دخلهم فرنسى المصدر.
والقيود الأخرى لحق الإدلاء بالأصوات تتعلق بالشرف وحسن السمعة، إذ تنزع العديد من البلدان أهلية التصويت عن السجناء والمدانين فى جرائم مخلة بالشرف لمدة تتجاوز مدة سجنهم، وتعريف تلك الجرائم ومدة الحرمان من المشاركة الانتخابية تبقى قضايا خلافية.
وثمة خلافات مشابهة تتعلق بشروط الترشح للمناصب المختلفة فى الدولة، إذ الإجماع منعقد على اشتراط المواطنة والتعليم وسن معين للمناصب المختلفة، فيما يدور الخلاف حول عمق المواطنة (بعض الدول تشترط لمناصب رفيعة مواطنة الأبوين لا المرشح فحسب على سبيل المثال)، ومستوى التعليم (وهو متباين باختلاف الدولة والمنصب، وبعضه منصوص عليه فى الدساتير وبعضه فى القوانين)، والحد العمرى الأدنى (وهو كمستوى التعليم فى تباين اشتراطاته وأشكال النص عليها).
هذه القضايا وغيرها إنما تدور فى فلك مساعى تعريف المواطنة ومترتباتها، وهى أسئلة جادة لا توجد لها إجابات نموذجية، بل تنبع الإجابات عن تصورات كل مجتمع لماهية الجماعة الوطنية وأسسها وتأثير الحدود الجغرافية عليها، الأمر الذى يستلزم ــ لأجل بناء مستقبل مشترك ــ نقاشا أعمق حول مفهوم كالمواطنة، يتجاوز التعريف المحدود القائم (عدم التفرقة على أساس دينى) إلى المسكوت عنه الأعمق اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، لتصير فكرة الأهلية والموطنة معبرة عما ترتضيه جموع المصريين.
تقديرى أن مجمل المغتربين المصريين يتشابهون فى بنيتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية المقيمين فى مصر، وبالتالى فإن تأثيرهم على نتائج الانتخابات سيبقى محدودا كون اتجاهاتهم التصويتية تتشابه مع مصريى الداخل، ومع الاعتراف بأن هذه التقديرات تحتاج لما يعضدها من الاستطلاعات والإحصائيات، فإن مقصدى القول بأن الجدل حول أهلية المغتربين فى المشاركة السياسية ترشحا وتصويتا لا ينبغى أن تحكمه مصالح سياسية لأطراف بعينها كونه غير مؤثر فيها من الأساس، وإنما ينبغى أن يكون فى إطار المناقشة الأعم حول ماهية الجماعة الوطنية المصرية، ودرجات الانتماء إليها، وأشكال ذلك الانتماء والواجبات والحقوق المترتبة عليه.
قرار النيابة العسكرية بتجديد حبس علاء عبدالفتاح على ذمة التحقيقات يضفى على قضيته بعدا رمزيا لا يمكن تجاهله، إذ صارت المسألة صراع إرادات مفتوحا، أحد طرفيه العسكر، الذين قرروا بسط سلطانهم العسكرى على حياة المدنيين بما يفوق حد الضرورة التى أتت بهم لحكم البلاد مؤقتا، فأهدروا المبدأ الدستورى القائل بوجوب محاكمة كل شخص أمام قاضيه الطبيعى، وتمادوا فى انتهاك مدنية الدولة بعسكرة قضائها، وطرفه الآخر علاء الذى يرفض الاعتراف بشرعية هذه العسكرة، ويصر على عدم المثول إلا أمام قاضيه الطبيعى لنظر قضية هو فيها متهم (بفتح الهاء) ومتهم (بكسرها) فى الوقت ذاته.
ويبدو أن تلك الرمزية تمنع الحكام من التراجع عن الظلم وإن علت كلفته السياسية، إذ يخشون أن يشجع التراجع الآخرين على تحدى سلطانهم العسكرى المستخدم فى غير محله، والعناد لا يحقق العدالة ولا يخدم مصلحة الوطن، والتراجع عن الخطأ والاعتراف به فضيلة محل إشادة حين أصدر العسكر بيانهم الشهير (رصيدنا لديكم يسمح)، بيد أن قلقا متزايدا من أن يكون الرصيد قد أوشك على النفاد ــ بما يهدد مصلحة الوطن جميعا ــ يوجب على الجميع السعى لنقل السلطة لحكومة ورئيس منتخبين بشكل عاجل، وهى قضية لابد أن تتصدر أولويات أولئك الذين مازالوا يدافعون عن مدنية الدولة فى معركة مع الطرف الغلط.