بين أوروبا وأمريكا - محمد السماك - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:38 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

بين أوروبا وأمريكا

نشر فى : الأحد 20 نوفمبر 2011 - 9:25 ص | آخر تحديث : الأحد 20 نوفمبر 2011 - 9:25 ص

فى عام 1861 عندما تبوأ ابراهام لنكولن الرئاسة الأمريكية حدث انشقاق كبير فى الولايات المتحدة إذ انسحبت من الاتحاد سبع ولايات وهددت ثمانى ولايات أخرى بالانسحاب أيضا. يومها نزلت أنباء الانشقاق على بريطانيا بردا وسلاما، وعبّرت صحيفة التايمز عن مشاعر هذا الارتياح مستهزئة بالاتحاد الأمريكى الجديد، فى حينه، وبقدرته على أن يصبح فى أى وقت قوة منافسة للإمبراطورية البريطانية. ولكن التبعية البريطانية اليوم للولايات المتحدة تشير إلى أن ما كان يبدو مستحيلا أصبح حقيقة واقعة بعد قرن واحد من الزمن! فالدول، كالأشخاص، حسب نظرية ابن خلدون، تولد، وتشبّ ثم تشيخ وتموت. للشاعر البريطانى الشهير روديارد كيبلنج قصيدة عنوانها «الدرس الذى لا ينتهى». تتمحور القصيدة حول موضوع اعتداد بريطانيا بنفسها عندما كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس. ويبدو أن الدرس لم ينته إلا بعد أن أصبحت دولة تابعة ــ للولايات المتحدة ــ كما يدل على ذلك اجتياح العراق، وقبل ذلك احتلال أفغانستان.

 

ولأن الدول لا تتعلم من أخطاء ومن تجارب غيرها، فإن الولايات المتحدة تحتاج هى أيضا إلى التعلم من  «الدرس الذى لا ينتهى». ففى عام 1898 سحقت القوات البريطانية الثورة المهدية فى السودان من دون أن تتكبد خسائر تذكر. إلا أنها سرعان ما وجدت نفسها بعد ثلاث سنوات فقط غارقة فى وحول «حرب البوير» فى أفريقيا الجنوبية حيث فقدت فى المعارك حوالى ثلاثمائة ألف جندى. الكاتب الأمريكى بول كندى ــ أستاذ التاريخ فى جامعة يال ــ أبدى فى مقالة له تخوّفه من أن يكون الاجتياح الأمريكى لأفغانستان مشابها للاجتياح البريطانى للسودان قبل أكثر من مائة عام. ومن يدرى فقد يكون الاعتداد الأمريكى بالنفس مدخلا إلى «حرب بوير» جديدة. وقد يلعب الشرق الأوسط فيها دور جنوب أفريقيا.

 

●●●

 

إن مقومات الاعتداد بالنفس متوفرة بكثافة لدى الولايات المتحدة. فرغم أن عدد سكانها يقلّ عن خمسة بالمائة فقط من سكان العالم فإنها تنتج ثلاثين بالمائة من الإنتاج العالمى، وتنفق على التسلّح أربعين بالمائة ما ينفقه العالم كله. وإذا استمر هذا الإنفاق على هذه الوتيرة سنوات قليلة أخرى فسوف ترتفع النسبة بحيث تعادل كل ما تنفقه دول العالم مجتمعة. إن الدخل القومى الأمريكى يصل إلى تسعة آلاف مليار دولار فى السنة. وبالمقارنة مع الصين مثلا التى يزيد عدد سكانها على المليار، فإن دخلها القومى لا يزيد على 5.1 ألف مليار دولار فى السنة. مع ذلك فإن الولايات المتحدة كانت حتى السنوات القليلة الماضية تجرى 45 بالمائة من عمليات الإنترنت. أما الآن فقد هبطت هذه النسبة إلى 29 بالمائة فقط. فيما ارتفعت النسبة فى آسيا إلى 31 بالمائة، ويعتبر هذا المؤشر دليلا على الصورة التى يمكن أن تصل اليها الولايات المتحدة من خلال حتمية «الدرس الذى لا ينتهى»! ذلك أنه إذا واصلت الصين نموّها بالمعدلات الحالية فلا بد أن تتجاوز مستوى كوريا الجنوبية مما سيرفع دخلها القومى إلى عشرة آلاف مليار دولار، أما إذا تجاوزت الصين مستوى اليابان، وهذا أمر بات قريبا جدا، فإن دخلها القومى سيرتفع إلى أربعين ألف مليار دولار، أى أكثر بعشر مرات من الدخل الأميركى اليوم. ليس مستغربا أن يغيب هذا الدرس عن الإدارة الأمريكية المنشغلة بلعبة الحرب من موقع القدرات العسكرية التى تعتبر الأشد فتكا فى تاريخ الإنسانية. تماما كما كان الأمر مع بريطانيا فى العهد الفيكتورى عندما أعمتها سياسة غطرسة القوة التى مارستها ضد دول العالم الأخرى، وحجبت عنها رؤية حقائق المتغيرات التاريخية.

 

فكما سخرت بريطانيا فى عام 1861 من الولايات المتحدة الأمريكية فى مرحلة تكوّنها الأولى، سخرت الولايات المتحدة من الاتحاد الأوروبى عندما كان فى مراحل تكوّنه الأولى.. وهى اليوم تمنى النفس بانفجار أزمة اليورو للإطاحة بالاتحاد.

 

فى عام 1953 اتفقت ست دول أوروبية فقط على تعاون محدود جدا، وكان ذلك الاتفاق نواة قيام السوق الأوروبية المشتركة التى تحولت إلى اتحاد، وتوسعت لتضم الآن 25 دولة. ويجمع هذا الاتحاد الأوروبى عَلَم واحد وعملة واحدة هى اليورو، علما بأن الدولار لم يصبح عملة معتمدة ومقبولة فى كل الولايات المتحدة إلا بعد مرور 73 عاما على قيام الدولة الأمريكية. كذلك يجمع الاتحاد الأوروبى مصرف مركزى واحد، علما بأن مثل هذا المصرف لم يقم فى الولايات المتحدة الأمريكية ايضا الا بعد مرور 124 عاما على إنشائها! صحيح إنه لا تزال هناك تباينات عميقة بين الدول الأوروبية التى يتشكل منها الاتحاد، إلا أن المقارنة بين ما كانت عليه فى عام 1953 وما هى عليه الآن، تشير بوضوح إلى أن النظرة الاستعلائية الأمريكية قد خابت.

 

●●●

 

إن 25 دولة أوروبية لكل منها قوميتها ولغتها وتاريخها وعَلَمها الوطنى تسير اليوم بخطى حثيثة نحو التكامل السياسى والاقتصادى، مخلفة وراءها سجلات ضخمة من الحروب والصراعات الدامية التى استمرت زهاء ألف عام، وقد تمكّنت هذه الدول من إعادة كتابة تاريخ أوروبى موحد ليتكامل ثقافيا مع وحدة العملة ومع وحدة الاقتصاد ووحدة السوق ومع حرية تنقل اليد العاملة ورءوس الأموال دون اى قيد. حتى الولايات المتحدة نفسها التى تستخف بهذا الاتحاد، وتحاول تدجينه واحتواءه، تستثمر شركاتها فيه أكثر من 8 مليارات دولار.

 

مع ذلك يوجه الرئيس باراك أوباما اللوم إلى أوروبا مجتمعة بسبب فشلها فى معالجة أزمة الديون (اليونان فى الدرجة الأولى ثم إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وأيرلندا)، ويحمّل الرئيس الأمريكى الاتحاد الأوروبى مسئولية الانعكاسات السلبية لهذا الفشل على الاقتصاد العالمى بما فى ذلك الاقتصاد الأمريكى.

 

غير أن أوروبا التى لا تنكر الصعوبات التى تواجهها، تتساءل عن الدور الأمريكى فى الأزمة الاقتصادية العالمية وعن مسئولية واشنطن الأساسية فى تفجيرها. وتنفى أوروبا أن يكون لأزمتها المحدودة أى أثر مباشر على الأزمة الخانقة التى تواجهها الولايات المتحدة.

 

وفى خضم تبادل الاتهامات بين طرفى الأطلسى، تطل الصين من وراء البحار، كالمارد الخارج من «مصباح علاء الدين» لتشترى الديون الأوروبية، ولتضخ فى الوقت ذاته المزيد من المليارات فى سوق السندات الأمريكى. وبذلك تبدو وكأنها تنقذ الاثنين معا وفى الوقت ذاته. غير أن مما يثير الاستغراب أنه فى مقابل ذلك، فإن المكافأة التى حصلت عليها الصين هى صفقة تسليح أمريكية جديدة مع تايوان (التى تطالب الصين باستعادتها إلى الوطن الأم) ودعما أوروبيا للبعد السياسى لهذه الصفقة!

 

وهكذا يبدو أنه لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبى قد تعلما بعد «الدرس الذى لا ينتهى»، الذى تحدث عنه كيبلنغ.. ويبدو أن هذا الدرس متواصل.. وأنه لم ينتهِ بعد!

محمد السماك كاتب وصحفي لبناني
التعليقات