وحدة الثورة جماهيريا فى الزمان والمكان هى المصدر الاساسى لقوتها. وهذا ما رأيناه فى ميدان التحرير وكل ميادين التحرير فى مصر، ابتداء من 25 يناير 2011.
ولهذا ليس كل ما يعقب الثورة فى الزمان والمكان هو جزء منها. باستطاعتنا أن نقول بكل ثقة إنه ليس كل ما يعقب الثورة زمانيا وفى نفس المكان امتدادا للثورة. فإذا ما استعنا بما تعلمنا فى الدراسات الاجتماعية نصف ما يجرى الآن فى ميدان التحرير بأنه حركات احتجاجية. فالحركات الاحتجاجية ــ خاصة بعد ثورة بقامة ثورة 25 يناير ــ لها ضرورتها. إنها فرصة ثمينة ليختبر المحتجون حدسهم، حسهم الداخلى السياسى والأخلاقى بشأن استمرار الثورة فى طريقها بنجاح وقدرتها على تحقيق النتائج فى مواجهة تحركات الثورة المضادة بوجه خاص.
باستطاعة الفرد فى الحركات الاحتجاجية أن يشترك مع الجماعة فى عملية اختبار لمقدرة مواجهة الظلم المتخلف عن عهد أو عهود ما قبل الثورة أو مواجهة الاخطاء السياسية والاجتماعية والأخلاقية التى تتخذ فى حالة مصر صورة البطء أو التباطؤ فى تنفيذ مطالب الثورة، أو إغفال بعض هذه المطالب باعتبارها فئوية مثلا.
الجماعات والأفراد ــ عقب ثورة منتصرة ــ يفضلون أن تكون متاحة أمامهم خيارات متعددة للانتقاء منها بينما هم يحددون أهدافهم الجزئية. وهم يرون أنه لا أحد غيرهم ــ بحكم الانتماء الأصلى للثورة ومبادئها الأساسية وجماهيرها ــ يمكن أن يحدد هذه الخيارات وصفاتها. ومن هنا أهمية دور المثقفين بينهم، باعتبار أنهم بهذه الصفة يمتلكون الوعى الضرورى بتاريخ المعاناة الشعبية وسبل رفع هذه المعاناة بفعل آليات الثورة وقراراتها.
لهذا فإن أحد أهم مواهب المحتجين أنهم يخلقون نقاشا عاما وطنيا. وترجع أهمية هذا النقاش (أو الحوار) إلى أنه يفضى إلى تحديد القيم واختبارها. فهم لا بد أن يقرروا إذا كانت آراؤهم أو مطالبهم بشأن مسألة ما تتفق مع قيم الثورة الأساسية، أى قيمهم هم. ويكسب المجتمع ــ من خلال تعلمه من التباين بين مواقف متباينة سياسية واجتماعية وأخلاقية.
إن الثورة تتحول ــ حتى بعد نجاحها فى فرض واقع سياسى واجتماعى جديد ــ إلى فعل مجرد، ويفرغه التجريد من مضامينه السياسية والاقتصادية والاجتماعية إذا لم تتخلل الثورة حركات احتجاجية ترمى إلى ترسيخ قيم جديدة فى المجتمع.
ونستطيع أن نلمس عقليا كيف أن حركات الاحتجاج المصرية الحالية اختبار لقوة الثورة، بما فى ذلك الجماهير الثورية وقد أصبحت خارج الميدان إنما مستعدة دائما لتلبية نداء التعبئة الثورية بالكامل. كذلك اختبار قوة الثورة فى الحكم.
ولعل هذا الاختبار لقوة الثورة من جانب الحركات الاحتجاجية هو الرابطة الوحيدة التى تبقى لتربط بينها وبين الثورة والمجتمع ككل. ربما لهذا تظهر واضحة ادوار تنظيمات ثورية فى صورة تنظيمات احتجاجية (6 أبريل على سبيل المثال). لهذا أصبحت الحركات الاحتجاجية جزءا من الحياة اليومية للمجتمع المصرى منذ انتصار الثورة، أما فى الواقع فإنها لا تختلف عن الحركات الاحتجاجية التى تعامل على أنها جزء من الثورة وبالتالى يتحتم الاستجابة لها، وهو الموقف الذى يتخذ من الحركات الاحتجاجية التى تدعو ــ مثلا ــ للتعجيل بمحاكمة رموز النظام القديم الذين أمروا بقتل الثوار.
يبقى أن نقول إن الحركات الاحتجاجية سبق أن ظهرت عقب ثورات كبرىك الفرنسية وفى تلك الحالة تحولت إلى ثورات فى بلدان أوروبية قريبة من فرنسا. الأمر الذى أدى إلى تفجر ثورات عام 1848 فى عدة بلدان أوروبية فى وقت واحد. وبصرف النظر عن أن ثورات عام 1848 انتهت إلى الفشل فإن علاقتها بالثورة الفرنسية أمر لا ينكره المؤرخون. وربما لهذا يسود الاعتقاد بأن الثورة المصرية الكبرى يمكن أن تفجر ثورات عديدة فى البلدان العربية بالأسلوب نفسه. ثورات تتولد من حركات احتجاجية فى بداياتها.
نعم الثورة لا تتجزأ. ولكن من المؤكد أن الحركات الاحتجاجية التى ترتبط بها تكتسب شرعيتها وقوتها وقدرتها على تحقيق أهدافها من هذا الارتباط العضوى فى جوانبه السياسية والاجتماعية والأخلاقية بالثورة الأم.