الأساطير لا تموت. خاصة تلك التى تندمج اندماجا لا فكاك منه مع التاريخ الوطنى والقومى, أسطورة روبين هود أسطورة انجليزية عمرها ما بين سبعمائة عام وألف عام. وهى ليست استثناء من هذه القاعدة. بل لعلنا نقول إنها بين كل الأساطير الإنجليزية أكثرها التصاقا بتاريخ إنجلترا. وكما عرفنا فى الصغر فإن روبين هود شخصية بطل شعبى ناهض الأغنياء وانحاز للفقراء وتحدى السلطة لأن السلطة لم ترض بالسكوت عن غاراته على الأغنياء من أجل دعم الفقراء.
روبين هود لا يزال حيا فى وجدان الانجليز والأوروبيين بوجه عام، وثمة محاولات من الباحثين من كثير من هذه البلدان لإثبات صحة كونه شخصية تاريخية وليس أسطورية فحسب.
أهم من هذا أن ائتلافا مكونا من 183 منظمة تنتمى إلى 42 بلدا، قدم ــ خلال اجتماع مجموعة الدول العشرين الغنية فى كوريا الجنوبية مؤخرا ــ اقتراحا يحمل اسم روبين هود. ولقد كان اختيارا موفقا بالفعل. فعلى غرار روبين هود الشخص ــ سواء كان الأسطورى أو التاريخى ــ فإن اقتراح هذه المنظمات يقضى بأن تفرض الأمم المتحدة ضريبة دولية باسمه على الدول الغنية لإنهاض الدول الفقيرة من عثرة الفقر، وخاصة من عثرة الأزمة الاقتصادية العالمية.
بطبيعة الحال فإن المنظمات صاحبة الاقتراح هى منظمات يسارية، ولو كان روبين هود حيا ونشطا فى الدفاع عن الفقراء والأخذ من الأغنياء لوصف بالمثل بأنه يسارى. وبطبيعة الحال أيضا فإن اقتراح «ضريبة روبين هود الدولية» لم يلق رواجا إعلاميا كالذى كان يمكن أن يلقاه لو أنه كان اقتراحا آتيا من دولة مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا أو ألمانيا، أو لو أنه كان آتيا من البنك الدولى أو صندوق النقد الدولى. ومن اللافت للنظر أن المنظمات صاحبة الاقتراح تجنبت البنك والصندوق الدوليين لأن اليسار العالمى ينظر إلى هاتين المؤسستين الماليتين نظرة ريبة ــ على أقل تقدير ــ باعتبارهما أداتين لخدمة الرأسمالية العالمية وخاصة رأسمالية الدول الكبرى.
بل إنه ما إن قدم الاقتراح حتى انبرت الصحافة اليمينية فى الولايات المتحدة وأوروبا لمهاجمته باعتبار أن هدفه نهب أموال «المنتجين» وإعطائها مجانا «لغير المنتجين»... وليس المقصود بالمنتجين هنا العمال إنما أصحاب رءوس الأموال، كما انه ليس المقصود بغير المنتجين الرأسماليين إنما العمال.
لكن ما هو بالتحديد هدف «ضريبة روبين هود الدولية»؟
يرمى الاقتراح إلى فرض ضريبة دولية عبر الأمم المتحدة على الدول الغنية لتقسم عوائدها بين الدول الفقيرة من أجل تشغيل العاطلين ومواجهة موجات الغلاء فى الأسعار وتحسين ظروف الصحة والتعليم والتنمية بشكل عام فى البلدان النامية. ويأتى الاقتراح على ذكر آثار الاحتباس الحرارى التى تسببه صناعات الدول الصناعية المتقدمة للدول الفقيرة (النامية) دون ذنب تقترفه. وبالتالى تعويض هذه الأخيرة عن تلك الأضرار. كما يتطلع الاقتراح نفسه إلى فرض رسوم ضريبية على وسائل المواصلات الدولية (شركات الطيران والنقل البحرى) التى تملكها وتقوم بتشغيلها الدول الغنية بحيث تلحق هذه الرسوم بتذاكر السفر وتستخدم بعد ذلك فى تنمية وإنهاض وسائل المواصلات فى الدول الفقيرة. وقد اهتم بان كى مون الأمين العام للأمم المتحدة بإعلان تأييده لهذا الجانب من الاقتراح مؤكدا أن التغييرات المناخية نالت من الدول الفقيرة دون أن يكون لها أى ذنب فى التسبب فيها. واستوجب هذا الاستحسان من جانب الأمين العام انتقادات لاذعة له من الإعلام اليمينى فى أمريكا وأوروبا.
قدرت القيمة الإجمالية لضريبة روبين هود الدولية للفترة التى سيتم فرضها خلالها بنحو عشرة تريليونات دولار (أى عشرة آلاف مليار دولار). ووصفت صحيفة «واشنطن تايمز» الأمريكية الناطقة بلسان التيار الأكثر يمينية فى الحزب الجمهورى الأمريكى هذا المبلغ بأنه «سيكون أضخم عملية تحويل للثروة فى التاريخ من الطبقة المنتجة إلى أصحاب الصلات السياسية».
يكاد يكون هناك إجماع بين من تناولوا هذا الاقتراح بالتعليق على أن فرص الحصول على تأييد له فى الأمم المتحدة أو خارجها هى فرص ضئيلة. وليس ذلك لاعتبارات تتعلق بمضمون الاقتراح وتفصيلاته، إنما تتعلق بالظروف الاقتصادية السائدة الآن فى العالم، أى ظروف الأزمة الاقتصادية التى تعانى منها الدول الغنية أكثر من غيرها.
ومعنى هذا أن فرص إحياء روبين هود الأسطورة أو البطل الشعبى فى القرن الحادى والعشرين هى فرص ضئيلة. يضاف إلى هذا أن الاقتراح لكونه مقدما من مجموعة ــ وإن كانت كبيرة ــ من المنظمات إلا أن الأمم المتحدة لا تتحرك عادة لاتخاذ إجراءات فعلية بناء على اقتراحات من منظمات خاصة. ولهذا سيتعين على أصحاب الاقتراح أن ينسقوا جهودهم مع الدول النامية التى ستكون المستفيد من تنفيذ الاقتراح. وهنا تظهر مشكلة عقائدية ــ إذا جاز التعبير ــ إذ إن معظم الدول النامية باستثناءات معدودة فى أمريكا اللاتينية ــ لا تثق كثيرا بالمنظمات اليسارية وبالفكر اليسارى عموما. وبين هذه الدول النامية من سيفضل التنسيق مع الدول الغنية، دول مجموعة العشرين مثلا، للحصول على مساعدات منها بدلا من التنسيق مع التنظيمات اليسارية... خاصة أن هذا التنسيق قد يعنى رفع مستوى شعبية التنظيمات والأحزاب اليسارية فى هذه البلدان، الشرعى منها وغير الشرعى.
مع ذلك فإن بالإمكان التفكير فى احتمال موقف موحد للبلدان النامية ككتلة دولية بإزاء هذا الاقتراح، خاصة إذا اتضح أن الدول الغنية غير راغبة فى الاستجابة لهذا الاقتراح كليا أو حتى جزئيا. على أن هذا يتطلب آليات دبلوماسية دولية تختلف عن تلك التى لجأت إليها المنظمات صاحبة الاقتراح.
وعلى أى الأحوال فإن اقتراح «ضريبة روبين هود الدولية» يحتاج لأن يسلك طرقا دبلوماسية مختلفة عن تلك التى سلكها عندما وجد فرصة مواتية فى انعقاد مؤتمر مجموعة العشرين فى كوريا الجنوبية.
من ناحية أخرى، فإنه يكاد يكون من المؤكد أن المنظمات اليسارية صاحبة هذا الاقتراح هى نفسها، أو أغلبها، المنظمات المناهضة للعولمة والتى تلاحق أنصار العولمة بالمظاهرات والمسيرات ضد الاجتماعات التى تعد من فاعليات العولمة ــ مثل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى ومنظمة التجارة العالمية. وهى تجد نفسها اليوم مضطرة للتعامل مع الدول الغنية «المتقدمة» ــ وهى نفسها حاملة ألوية العولمة فى العالم على الأقل لتجد وسيلة لطرح اقتراحها بشأن الضريبة الدولية على الأغنياء.
وأخيرا فقد كان روبين هود يلجأ للعنف ليقتنص من الأغنياء ما يستطيع أن يقدمه للفقراء فى عالم انجلترا القرن الخامس عشر... فهل يفكر قادة المنظمات اليسارية فى استخدام العنف أسلوبا بديلا عن الطرق الدبلوماسية؟ أن يسار اليوم يبدو أكثر ميلا للابتعاد عن العنف داخليا ومن الصعب تصور لجوئه إليه عالميا.
أم أن ذلك يتطلب انتظار ظروف عالمية مغايرة.. ظروف عالمية أكثر ملائمة لسلوك روبين هود الذى يحبه الجميع بينما اغلبهم لا يحبذ اليوم أسلوبه.