فيما يتلاءم تماما مع دخول مرحلة أفولهم الختامية تزايدت اتهامات الإخوان للسلطة الحالية فى مصر. يركزون بشكل اساسى على الزعم بأن انقلابا عسكريا هو ما حل محل سلطتهم التى يجدون متعة كبيرة فى اعتبارها سلطة منتخبة. انهم يتجنبون وصف نظامهم المنهار بأنه كان ديمقراطيا لأنهم لا يحترمون الكلمة ما دامت مشتقة من لغة اجنبية.
ولكن الإخوان فى استخدامهم لتعبير الانقلاب العسكرى بإفراط شديد يتجاهلون حقيقة ماهو ـ من حيث التعريف ـ الانقلاب العسكرى. وبطبيعة الحال فإننا لسنا بصدد بحث فى الاصول اللغوية لهذا التعبير. إنما نحن بصدد البرهنة على أن الإخوان لا يستخدمون تعبير الانقلاب العسكرى استخداما سليما عندما يتحدثون عن السلطة التى حلت محلهم.
●●●
وبشأن الموضوع الذى نحن بصدده يتعين علينا ــ ما دمنا قد ارتأينا ضرورة البرهنة على أن الإخوان فى توجيههم الاتهام يستخدمون تعبير الانقلاب العسكرى استخداما يغيب عنه الوعى بما يعنيه هذا التعبير ــ أن نرجع إلى المراجع الموسوعية بحثا عن التعريف الصحيح لهذا التعبير. ولضيق المساحة المتاحة اخترنا مصدرين لهذا الغرض: الاول هو «قاموس اوكسفورد الموجز لعلم الاجتماع»، والثانى هو القسم المختصر من الموسوعة البريطانية. ويقول أولهما فى تعريف الانقلاب العسكرى انه «استيلاء عنيف وفورى على سلطة الدولة بواسطة القوات المسلحة غالبا، بما ينطوى عليه ذلك من كونه غير ديمقراطى وغير دستورى. الامثلة: اليونان (1967)، تشيلى (1973)، وتركيا (1980). والامثلة على انقلابات غير ناجحة تتمثل فى روسيا(1990)». أما المصدر الثانى فيعرف الانقلاب العسكرى بأنه «الإطاحة الفجائية بحكومة قائمة من جانب فرد أو مجموعة صغيرة، عادة بواسطة عنف محدود وأحيانا بلا عنف على الاطلاق. والامثلة التاريخية على الانقلاب العسكرى هى إنهاء الجمهورية الثالثة فى فرنسا بواسطة حكومة فيشى التى كان يرأسها المارشال فيليب بيتان فى يوليو 1940 اثناء الحرب العالمية الثانية، واسقاط احمد بن بيللا من رئاسة الجزائر بواسطة الكولونيل هوارى بومدين فى عام 1965. ويسفر الانقلاب عادة عن استبدال سريع للشخصية الرئيسية الحاكمة بخلاف ما يحدث فى الثورة. ولا يؤدى إلى تغييرات اساسية فى السياسات الاقتصادية والاجتماعية».
فهل تفضى بنا قراءة لهذين التعريفين الموجزين إلى وصف ما حدث فى مصر فى الايام المشار إليها اعلاه على أنه كان انقلابا عسكريا؟ إن اول ما يتناقض مع هذا الطرح هو وجود الجماهير الشعبية بعشرات الملايين فى مقدمة الاحداث. ومطالبة هذه الجماهير بأعلى صوت يمكن تصوره بضرورة إزاحة الإخوانيين من الحكم. ومطالبة هذه الجماهير بأن يتصدى الجيش لإحداث التغيير المطلوب. ومطالبتها ثالثا بإعداد البلاد لحكم مدنى ديمقراطى. ومطالبتها بناء على النقاط الثلاث السابقة بتولية رئيس مؤقت يكون بصفة خاصة الرئيس الحالى للمحكمة الدستورية العليا.
وقد نفذت هذه المطالب الشعبية بسرعة لم يسبق لها مثيل فى ثورات العالم، وربما لا تواكب هذه السرعة إلا الضخامة الهائلة للاعداد الجماهيرية التى أملت إرادتها. أما فى الانقلابات العسكرية يسارع الجيش إلى تولى السلطة ويصبح الضابط الأبرز فى القوة العسكرية المتحركة فى مثل هذه الظروف هو الرئيس غير المنتخب وغير المختار من جانب الجماهير الشعبية. ولا يتماثل المشهد المصرى ابتداء من الحضور الجماهيرى إلى تدخل الجيش لحل التكتل الاعتصامى للإخوان مع أى مشهد انقلابى فى أى مكان فى العالم فى أى وقت من التاريخ.
●●●
والأحرى أن مزاعم الإخوان المسلمين عن انقلاب عسكرى فى مصر هى بمثابة تعبير حاد لخيبة أملهم إزاء اصطفاف الجيش المصرى بقياداته وقواعده. ان هذه المزاعم لا تعدو أن تكون تعبيرا عكسيا عما كان يمكن يكون عليه موقف الإخوان لو ان الجيش المصرى انصاع لسلطة الإخوان ضد إرادة الشعب. لو ان الجيش اصم آذانه عن اصوات الجماهير المليونية من أجل دعم سلطة حكم الإخوان ضد إرادة الشعب ومطالبه بإخضاع البلاد لحكم مدنى ديمقراطى. وحتى فى هذا السياق لا يمكن القول بأن الإخوان فوجئوا بموقف الجيش ولهذا كان موقفهم المتسم بالانفعالية ضد الجيش، إنما تمثلت المفاجأة فى تناقض موقف الجيش فى أحداث 30 يونيو إلى 3 يوليو مع موقف قيادات الجيش فى يناير وفبراير عام 2011. كان موقف الجيش وقيادته مفاجأة للإخوان، سارة فى الحالة الاولى وضارة فى الحالة الثانية.
إن ما تمر به مصر الآن يتناقض إلى اقصى حد مع أى تصور بوجود انقلاب عسكرى على حد زعم الإخوان. إن التطورات الحالية تضع مصر فى قلب التاريخ فى اول تجربة من نوعها تتقدم فيها الديمقراطية بتضافر جيش الشعب مع عشرات الملايين من الجماهير. إن علاقة الشعب بالجيش تخلق فى مصر واقعا غير مسبوق فى العالم. ولا نتوقع أن يكون هذا امرا مفهوما للإخوان.
كاتب صحفى مصرى