نستطيع الآن أن نفترض أن وقتا كافيا قد انقضى على ما أصبح يسمى «معركة أم درمان».. حتى يمكن أن نفترض أن الغبار الكثيف الذى أثارته المعركة، وأدى إلى حجب الرؤية، قد هدأ بقدر يسمح برؤية أوضح.
كانت الحكمة التقليدية وسط هدير المعركة وغبارها الكثيف قد ذهبت إلى أن علينا أن نبتعد عن السياسة.. فالمعركة لم تكن أكثر من مباراة كرة قدم، وبالتالى فإن تسييس المعركة يزيدها حدة ويبتعد بها عن حدود المنطق والواقع.
لكن الحقيقة هى أن موضوع المعركة كان كله سياسيا، كان كله سياسة فى سياسة، وعندما حاولنا أن نأخذ بهذه الحكمة التقليدية ضاعت منا الحقيقة. كان الموضوع كله سياسة فى سياسة على أن نعى جيدا أن عالم السياسة هو فى جوهره عالم رموز، وأننا لا بد أن نقترب أكثر من عالم السياسة لكى نعى حقيقة ما جرى.
كان سؤالنا هنا فى بلدنا مصر كيف أن الجزائر التى ساعدناها ــ ساعدتها مصر فى زمن الثورة على الاحتلال الفرنسى ــ تنقلب علينا وبهذا الشعور الحاد بالكراهية بسبب مباراة فى كرة القدم حتى وإن كانت تؤهل لكأس العالم؟
انطوى السؤال بهذه الصورة على تثبيت غير مألوف للتاريخ، بما فى ذلك تاريخ العلاقات المصرية الجزائرية كجزء من نسق العلاقات العربية. انطوى على تصور بأن هذا التاريخ قد توقف عند سنوات الثورة الجزائرية والمساعدات المادية والمعنوية من الثورة المصرية لثورة المليون شهيد.
لكن الحقيقة هى أن التاريخ المصرى تخلله انقلاب خطير لم تعد مصر تملك فيه تلك الصورة الرومانسية القديمة.. مصر الثورة والقومية، مصر المضحية، مصر الأم الحنون الحاضنة.. فى هذا الانقلاب الذى وقع فى السبعينيات من القرن الماضى ــ بعد سنوات من استقلال الجزائر أصبحت مصر تُرى فى دور الأم الخائنة، أصبحت مصر ترى مع انقضاء السنين وانبثاق سياسات جديدة وتحالفات مختلفة ترى فى صورة حكامها كما كانت ترى فى التاريخ فى صورة فراعنتها أيام موسى عليه السلام.
مصر التى تمثل للجزائريين اليوم هى التى ارتبطت بعلاقات سلام ووئام مع إسرائيل، وعلاقات عداء ونفور مع الثوريين فى الوطن العربى وتعتبرهم بسبب تمسكهم بمنهج المقاومة ضد إسرائيل «متهورين» و«طائشين».
مصر اليوم هى التى تزوج آلاف من رجالها نساء إسرائيليات، وقبلوا حمل الجنسية الإسرائيلية تحت مذلة البحث عن عمل خارجها.. مصر التى أصبحت قادرة على أن تشارك فى حصار غزة المقاومة، وتتفاهم مع إسرائيل على كيفية خنق حماس غزة.. مصر التى تنظر الآن إلى إيران نظرتها إلى عدو وإلى «ملفها النووى» على أنه مصدر خطر متناسية الترسانة النووية الحقيقية التى تمتلكها إسرائيل... ومن منا لا يعرف قوة صلات إيران مع الجزائر وأهمية هذه الصلات للطرفين.
مصر الطرف الآخر فى هذه المعركة المتعددة الأوجه هى مصر التى رضيت ولا تزال تقاوم المعارضة الشعبية ضد بيع إسرائيل الغاز الطبيعى.. بل بيعه لها بسعر أقل من الأسعار السائدة فى السوق العالمية. والجزائر منتج ومصدّر كبير لهذه السلعة.
مصر الراهنة قطعت مسافة بعيدة عن مصر عبد الناصر، وإن أراد حكامها فى ظروف محددة أن يشيع الغموض فى الفروق الهائلة بينهما.
والجزائر الراهنة ليست جزائر المليون شهيد، وإن أراد حكامها هم أيضا الزعم بأن جزائر اليوم هى جزائر الأمس، وكأن أحدا لا يستطيع أن يميز الفروق الكبيرة بينهما.
لم يكن هذا كله طافيا فى العقل الواعى، فى الشعور الجزائرى، ولكنه بالتأكيد كامن فى العقل اللاواعى بطريقة غير مباشرة، بطريقة لا شعورية، يعبر عن نفسه رافضا مصر الفرعونية، رافضا مصر صديقة إسرائيل.. عدوة إيران.. عدوة المقاومة الفلسطينية.. عدوة حزب الله.. هذه هى مصر التى تظاهر ولعب ضدها الجزائريون، وحماس الجمهور الجزائرى الذى تجاوز الحدود المعقولة.
إنما الخطأ الأساسى الذى وقع ــ وقد وقعت بالتأكيد أخطاء من الجانبين خارج إطار أخطاء اللعب ــ كان خطأ التماهى الذى حدث فى عقل الجزائريين بين مصر الحكام ومصر الشعب. لهذا فإن بعضهم رموا الشعب المصرى بما أرادوا أن يرموا به حكامه.
وقد أجاد حكام مصر الانقضاض على هذا الخطأ، على هذه اللحظة النادرة فى حاضر مصر التى حدث فيها هذا التماهى ــ التطابق ــ فى الهوة بين مصر وحكامها، وإن كان قد وقع بالخطأ ووقع من شعب عربى آخر غير الشعب المصرى. انتهز حكام مصر الفرصة لإقناع الناس هنا فى مصر بأن الجزائر تنكر الجميل بل تعادى مصر.. مصر الحضارة، مصر المذكورة فى القرآن، مصر التى وقفت إلى جانب ثورة الجزائر قبل أكثر من نصف قرن من الزمان.
ولم يكن حكام الجزائر أقل استعدادا للانقضاض على اللحظة الخطأ نفسها لافتعال وجود التماهى ــ التطابق ــ بين جزائر الجماهير وجزائر الحكم.
والحقيقة أن «عنف» الجماهير الجزائرية الذى أسقطوه على مصر والمصريين الحاليين كان بمثابة إنذار مبكر لحكامهم هم ــ نعم للحكام الجزائريين ــ دل على مدى الخوف الذى يستبد بالجماهير الجزائرية من أن تلحق جزائر السلطة بمصر السلطة فى الطريق السياسى الاستراتيجى المضاد للقومية الممالئ للعدو الإسرائيلى وحليفه الاستراتيجى الأمريكى.
الأمر المؤكد إن الشعب الجزائرى يستشعر بوعيه الخطر الكامن فى علاقات حكامه بأمريكا، وما تتعرض له الجزائر من إغراءات للذهاب فى الطريق الذى سارت فيه مصر لثلاثين عاما متصلة. ويرى الجزائريون إشارات بعضها واضح وبعضها يحيط به الغموض على أن حكامه لا يبدون مقاومة حقيقية لهذه الإغراءات، ولن يبدوا مقاومة بالمثل عندما تتحول خطة الضغط الأمريكى على الجزائر من الترغيب إلى الترهيب.
والآن فان النظامين يبديان درجات متباينة من الرغبة فى تصعيد الأزمة، بينما الجماهير تبدى حرصا ــ ابتداء من المثقفين والنقابيين وكل من لديه القدر الكافى من الشعور بالمسئولية القومية ــ على إعادة الأوضاع فى علاقات البلدين إلى اتجاهها الصحى والصحيح. وحتى كتابة هذه السطور لا تبدى أى من القيادتين السياسيتين فى البلدين استعدادا واضحا للعب دور مؤثر بقصد إنهاء الأزمة. وسيبقى الوضع على هذا الحال مادام تصور القادة السياسيين الكبار أنه لا يزال بالإمكان الخروج من الأزمة بمكاسب تتصور فى ظلها الجماهير أنها تدافع عن الوطن ضد الأعداء، وتدافع عن القيم الوطنية العليا وعن المبادئ الأخلاقية السامية فى هجومها على الطرف الآخر وفى تحميله «المسئولية كاملة» عن كل ما جرى.
لهذا فإن المسئولية الحقيقية عن إنهاء هذه الأزمة ووعى دروسها تقع على عاتق المنظمات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدنى. وربما يكون الأوان قد فات على إشراك الفنانين بدور فى إنهاء الأزمة بعد أن قام الإعلام ــ خصوصا فى مصر ــ بدور غير مسبوق فى إلقائهم وقودا فى الحريق، فنسوا ماضيهم مع الجماهير الجزائرية ونسوا جاذبيتهم لهذه الجماهير التى لم تتأثر بالتغيرات السياسية الضخمة التى شهدتها الأعوام الكثيرة الماضية.
لساعات طويلة وعلى مدى أيام كثيرة رقص فريق من الإعلاميين المرموقين حول هذا الحريق المشتعل يهتفون «تسقط العروبة»، دون أن يتصدى مسئول واحد لهذه الرقصة الفاضحة بدعوة إلى المحاسبة.
هذه فرصة للمجتمع المدنى فى كلا البلدين ليؤكد أولا استقلاليته وليؤكد ثانيا قدرته على الفعل.. حتى فى وجه تيار جارف صنعه الإعلام الرسمى فى البلدين، ولنعترف خاصة فى مصر.
هذه فرصة لتؤكد مصر أنها، عبر جماهيرها ومجتمعاتها المدنية، تستطيع أن تؤكد للجماهير العربية ــ بما فيها جماهير الجزائر ــ أن الحكام لا يحتكرون العلاقات الثنائية ولا الجماعية بين شعوب هذه الأمة، وأن ليس باستطاعتهم أن يخدعوا كل الناس كل الوقت.. فقط بعض الناس بعض الوقت.