الاختلاف بين الأجيال ظاهرة طبيعية وصحية لم نكتشفها مع ثورة 25 يناير فهى موجودة منذ الأزل طالما هناك جيل سابق له أفكاره وقيمه وعاداته وجيل لاحق له أفكار وقيم وعادات مختلفة. ومن رحم التفاعل بين الأجيال يتخلق التغيير الذى هو من صنع الشباب، ويتحلى بالحكمة التى هى نتيجة تجربة الآباء والأمهات. وما من أحد له مصلحة فى الدفاع عن الجمود ليس فقط لأنه غير ممكن لكن أيضا لأن إطالة أمده يؤدى إلى التدهور والانحدار، ولا من مصلحته أن يدافع عن التغيير لمجرد التغيير فهذا فى حد ذاته كفيل بإثارة الحنين إلى الأوضاع القديمة حيث كان الاستقرار يسود.
•••
أن يظل الاختلاف بين الأجيال ظاهرة صحية فهذا محكوم بدرجة من التوتر المحسوب لا يتجاوزها، وإلا أصبح كل طرف يرى فى الآخر عبئا على الوطن وخصما من مصلحته، وهذا ما يسير إليه الحال فى مصر الآن. السبب المباشر الذى دفعنى لكتابة هذا المقال رد فعل الشباب على إقبال كبار السن على التصويت فى الاستفتاء على الدستور، ولا أتوقف هنا عند السباب فهذا لا يستحق الرد عليه لكنى أتوقف أمام حملة بالغة القسوة شديدة الإيلام. كتب أحدهم جملة على تويتر وتناقلها من بعده كثيرون: الشعر الأبيض فى الطابور والشعر الأسود فى القبور. قائل هذه الجملة من حقه أن يأسى لتساقط الشباب فى الميادين والساحات بشكل شبه يومى لأسباب ليس تفصيلها هنا هو مربط الفرس، لكن ما ليس من حقه أن ينكر على أصحاب الشعر الأبيض أن يمارسوا حقهم فى التصويت، أن يحولهم إلى ما يشبه خيل الحكومة الذى يطلق عليه الرصاص حين يكبر ويشيخ فلا يكون له صوت ولا يحق له الحضور. فى البلدان التى نتغنى بديمقراطيتها يُطلق على صاحب الشعر الأبيض senior citizen تكون له أولوية فى التعامل، ومقعد (محفوظ) فى المترو، وموقع متقدم فى الطوابير ومنها طوابير الاستفتاء. لا ينكر أحد عليهم مواطنتهم، ولا يجرؤ أحد إذا قرر مقاطعة التصويت أن يوجه لهم السؤال: لماذا تستخدمون حقكم الانتخابى؟
•••
أتفهم تماما مرارة الشباب الذى لم يتمكن من السلطة لا فى عهد المجلس العسكرى ولا فى ظل الإخوان ولا بعد إطاحة محمد مرسى فيما هو الذى قاد بداية الثورة فى 25 يناير. لكن بدايات التغيير لم تكن حكرا على الشباب بل إن عودة محمد البرادعى إلى مصر هى التى ألقت حجرا فى المياه السياسية الآسنة، وظهور جورج إسحاق على رأس حركة كفاية هو الذى سلط الضوء على قضية التوريث وحملها إلى الواجهة، وقيادة محمد أبو الغار حركة 9 مارس هى التى فجرت كل قضايا الجامعة من أول وجود الحرس وحتى وضع الأساتذة. إن صنع التاريخ ليس حكرا على جيل محدد حتى وإن كان هذا الجيل يمثل نحو 40% من السكان وكان يمتلك حيوية لا تتوافر لسواه، وعندما نستعيد مشهد كعكة ميدان التحرير خاصة بعد 4 فبراير 2011 سنجد أن أبرز ما كان يميزها هو هذا الامتزاج الجيلى والنوعى والطبقى بين المصريين. ولا زالت شاهندة مقلد قادرة على أن ترفع صوتها وتجبر فحلا مفتول العضلات على أن يكمم فاها كى لا تهتف، فى هكذا مشهد من الذى يصنع التغيير ومن الذى يقاومه؟
•••
من حق الشباب أن يحتل مواقع متقدمة ويتحمل المسئولية السياسية، ومن حقنا أن ننقد فيه تشرذمه وتشظى كياناته إلى مجموعات أصغر فأصغر، وأن نأخذ عليه أنه لا يصطف خلف وجه واحد يمثله وينطق باسمه ولو حدث هذا فى انتخابات الرئاسة عام 2012 لفاز خالد على أو فى القليل دخل جولة الإعادة، لكن الشباب توزع على حركات وأحزاب يتزعمها أصحاب الشعر الأبيض وأحيانا اللحى البيضاء أيضا.
قالت لى واحدة من الشباب الغاضب «أتمنى أن يحترق كل جيل عبدالناصر حتى يترك لنا الفرصة لنعيش»، ورددت عليها أن يكون جيل عبدالناصر قادرا على المنافسة وإثبات وجوده بعد ستين عاما أو يزيد فإن هذا يعنى أن العيب ليس عيب هذا الجيل، وأظن الرسالة وصلت.