كثرت فى الآونة الاخيرة الدعوة إلى محاورة الإخوان. بل إن الدعوة إلى هذه المحاورة أتت من أعلى سلطة فى بلادنا، من الرئيس عبدالفتاح السيسى نفسه. فقد قال فى حوار مع وكالة أسوشيتدبرس الأمريكية للأنباء أنه «يمكن مشاركة الإخوان فى الحياة السياسية إذا ما قرروا نبذ العنف».
والرئاسة بدورها وضعت فى الأيام الاخيرة ثلاثة شروط لدمج الإخوان فى الحياة السياسية. وهذه الشروط هى على وجه التحديد ــ كما نشرتها الصحافة المصرية ولم ينفها المصدر ذاته الاعتراف بشرعية ثورة 30 يونيو، والتخلص من قيادات الجماعة الحالية، وفصل الدعوى ــ أى ما هو متعلق بالدعوة الإخوانية بمعناها الدينى ــ عما هو سياسى.
وعلى الرغم من أن هذه الشروط الثلاثة مستحيلة التنفيذ فى الوقت الحاضر وستظل كذلك لفترة طويلة تمتد لسنوات وربما لعقود، فإنها تبدو جديرة بالمناقشة. وأهم جوانب هذه المناقشة هى إذا كان من الممكن وضع هذه الشروط موضع التنفيذ كل على حدة. ولعل العقبة الأكبر التى تقف بوجه هذه الشروط هى أن الإخوان فى مصر ليسوا أصحاب قرارهم. ومن الناحيتين النظرية والعملية فإن من الواضح أن أمريكا والتنظيم الدولى للإخوان وكذلك تركيا وباكستان تملك الكلمة الاخيرة فى أى قرار يتخذه الإخوان، خاصة إذا كان هذا القرار يتعلق بشأن إخوانى جوهرى، وبصفة خاصة إذا كان يتعلق بمصر. لقد أوضح الإخوان بصورة لا تحتمل التأويل أنهم لا يعتبرون مصر وطنا. ووضعهم هذا موضع تناقض مع الشعب المصرى ومع الشعب العربى فى وقت واحد. ومن الواضح الآن أن قضية مصير الإخوان فى مصر تحتل الصدارة فى الاهتمام والأهمية. ولكن ليس هناك ما يضمن استمرار هذا الوضع. ذلك أنه إذا ما برزت قضية إخوانية فى بلد آخر يمكن أن ينتفى هذا الوضع المصرى الخاص.
وبالإضافة إلى هذا فإن تنظيم الإخوان الدولى يربط بينهم وبين الإخوان حيثما كانوا برباط لا يمكن الفكاك منه. بمعنى أنه لا يمكن للإخوان فى مصر أن يتصرفوا فى غيبة عن الروابط المالية والفكرية والقيادية التى تربطهم بالتنظيم الدولى. خاصة أن هذا التنظيم الدولى يلعب دورا رئاسيا وتوجيهيا ملزما للقيادات القطرية المتعددة فى أنحاء العالم. وفضلا عن هذا فإن التنظيم الدولى يملك حرية التصرف فى جميع الجوانب على نحو لا يمكن أن يفلت منه أى تنظيم إخوانى خاص بأى دولة.
•••
كذلك فإن التنظيم الدولى للإخوان يقع تحت سيطرة أمريكية وأوروبية ذات وزن ثقيل، بحيث لا يمكن عزل أى تنظيم قطرى عن النفوذ المالى والسياسى والقيادى عن النفوذ الدولى. وفضلا عن ذلك فإنه لا يمكن التصرف مع هذا التنظيم الدولى وكأنه يضمن بقاء ما له من نفوذ على الأعضاء الذين ينتمون إلى بلدان مثل مصر وتركيا وماليزيا وتونس.. إلخ. إن الظروف التى مر بها التنظيم الدولى الإخوانى بعد أحداث مصر الأخيرة لم تعد تضمن له البقاء فى العواصم العالمية بالقدر نفسه من النفوذ والتأثير. إن ظهور أعراض مناهضة لأفكار الإخوان ومساعيهم فى العواصم، التى يلعب فيها التنظيم الدولى أدواره لا يجعله أمرا مضمون الاستمرار. وقد برزت فى الآونة الاخيرة مخاطر ومتاعب الدور الإخوانى الدولى فى لندن على سبيل المثال. ولن تستطيع قيادات الاخوان الدولية أن تتحمل نتائج طردها أو إبعادها من هذه المدينة أو غيرها من المدن الكبرى.
•••
إن محنة قيادة الإخوان فى مصر تجعل من العسير تصور أن يفقد الإخوان هذا الدور المصرى وأن يستطيعوا فى الوقت نفسه قيادة الطابور القيادى الإخوانى فى بلدان أخرى. وسيأتى وقت يكون فيه على القيادة الدولية للإخوان أن تقرر إذا كانت تستطيع أن تفقد مصر ودورها فيها وأن تستطيع ــ فى الوقت نفسه ــ أن تؤسس لنفسها مركزا له نفس القوة والقدرة فى بلد آخر غير مصر. وفضلا عن ذلك فإن الإخوان لن يستطيعوا إثبات وجودهم فى وقت يفقدون فيه دورهم العالمى من نواحٍ عديدة. فهم يفقدون دورهم سريعا فى مصر كما يفقدون دورهم فى سوريا والعراق. وإذا قررت مصر التدخل فى مواقع عربية غير مصر بحكم حجم مصر الكبير وثقلها تاريخيا وسياسيا فإنه لن يكون بإمكان الإخوان إظهار تمكنهم من الانتقال إلى بؤر أخرى.
ويعرف الإخوان جيدا أن إسرائيل ترقب الموقف من هذه الزاوية. إنها ترقب ما سيحدث للإخوان بعد أن كشف الإخوان ــ فى مصر وفى الموقف الدولى ــ أنهم لا يعطون أولوية فى المواجهة لإسرائيل. بل إنهم يتجاهلون إسرائيل كلية ويتركون لها حرية التصرف مع الدول العربية. وقد يلجأ الإخوان فى مرحلة لاحقة إلى العودة لإظهار اهتمام بإسرائيل وما تفعله فى المنطقة. ولكن المواطن العربى لم يعد يصدق الإخوان، كما لا يصدق إسرائيل فيما بينهما من علاقات توصف بأنها لا علاقات.
من الآن فصاعدا فإن مصير الإخوان يتعلق إلى أبعد حد بما يجرى لهم فى مصر. والدلائل تشير إلى أن الإخوان يقتربون من نهايتهم فى مصر. واقترابهم من هذه النهاية فى مصر يزيد اقترابهم من النهاية فى العالم. خاصة أن مصر تقترب من القضاء على الإخوان لا من التصالح معهم.. فضلا عن التسامح معهم.